ما لا تعرفه عن الماء | أسرار مذهلة للحياة

قطرات ماء شفافة على سطح أملس مع عبارة وللماء أسرار

الماء بين الألفة والغموض

كلنا نعرف الماء، وأغلبنا يعرف خصائصه الأساسية: لا لون له، ولا طعم له، ولا رائحة له. ونعلم أن الله تعالى خلق من الماء كل شيء حي، فهو يدخل في تركيب جميع المخلوقات في هذه الحياة من النباتات والحيوانات والإنسان، بل إن جسم الإنسان نفسه يتكون من نسبة تتراوح بين ستين وخمسة وسبعين بالمئة من الماء. ورغم هذه الألفة الكبيرة التي نجمعها حول الماء، تظل هناك جوانب كثيرة يجهلها معظم الناس عن هذا السائل العجيب الذي يشكّل نحو سبعين بالمئة من سطح كوكبنا. في هذا الموضوع نقدم لكم أمورا مدهشة قد لا تعرفونها عن الماء.

الأطوار المتعددة للماء

الأطوار الثلاثة التي نعرفها

يتواجد الماء في حياتنا اليومية في ثلاثة أطوار أساسية: الطور السائل وهو الحالة التي نشربها ونستخدمها في أعمالنا اليومية، والطور الصلب وهو الثلج الذي يتشكل عندما تنخفض درجة الحرارة إلى ما دون الصفر المئوي، والطور الغازي وهو بخار الماء الذي يتصاعد عند الغليان أو التبخر. هذه الأطوار الثلاثة هي ما نتعامل معه باستمرار ونراه بأعيننا، لكنها ليست القصة الكاملة كما قد يظن الكثيرون.

أكثر من عشرين طورا مكتشفا

هل تعرف أن العلماء اكتشفوا أن للماء على الأقل اثنين وعشرين طورا آخر مختلفا غير الأطوار الثلاثة المألوفة؟ نعم، الماء أغنى وأعقد مما نتصور بكثير. فعبر العقود الماضية، تمكن الباحثون من رصد أطوار جديدة للماء تظهر في ظروف بالغة التطرف من الضغط والحرارة، وكل طور منها يمتلك خصائص فيزيائية مختلفة من حيث الكثافة والتركيب البلوري والسلوك الحراري. بعض هذه الأطوار لا يوجد بشكل طبيعي على سطح الأرض، بل يُنتج في المختبرات تحت ضغوط هائلة تبلغ آلاف أو ملايين مرات الضغط الجوي العادي.

الحالة فوق الحرجة

ومن بين هذه الأطوار كلها، تبرز حالة غريبة ومفيدة في آن واحد وهي الحالة التي يسميها العلماء فوق الحرجة. يظهر هذا الطور عند تطبيق درجة حرارة وضغط عاليين للغاية بحيث يتجاوز الماء النقطة الحرجة، وفي هذه الحالة يصبح الماء سائلا شديد الكثافة تتصاعد منه أبخرة الغاز في آن واحد، فلا يمكن وصفه ببساطة كسائل أو كغاز بل هو حالة هجينة تجمع خصائص الاثنين. وتشبه المياه في هذه الحالة تلك الموجودة في خزانات الطاقة الحرارية الأرضية العميقة تحت سطح الأرض، حيث ترتفع الحرارة والضغط إلى مستويات هائلة. من أبرز خصائص الماء فوق الحرج قدرته الفائقة على إذابة المواد العضوية التي لا تذوب في الماء العادي، مما يجعله أداة فعالة في عمليات التنظيف الصناعي وإزالة الملوثات دون الحاجة إلى مذيبات كيميائية ضارة بالبيئة.

حجم المياه على كوكب الأرض

كرة المياه العذبة

عندما ننظر إلى المحيطات والأنهار والبحيرات والجليد المنتشر حول العالم، قد يتبادر إلى الذهن أن كميات المياه على الأرض هائلة لا حدود لها. لكن الحقيقة أن المياه العذبة الصالحة للشرب والاستخدام البشري تشكّل نسبة ضئيلة للغاية من إجمالي المياه على الكوكب. لو تم جمع كل المياه العذبة الموجودة على سطح الأرض، بما فيها المياه الجوفية والأنهار والبحيرات العذبة والثلوج والجليد القطبي، ووضعناها في كرة واحدة، لتكوّنت كرة قطرها مئة وسبعون ميلا فقط. هذا الحجم يبدو ضئيقا جدا مقارنة بحجم كوكبنا، وهو يوضح لماذا تعاني كثير من مناطق العالم من شح المياه العذبة رغم ما يبدو عليه الكوكب من كثافة مائية.

كرة المياه المالحة

أما إذا أضفنا المياه المالحة من المحيطات والبحار إلى تلك الكرة، فإنها ستتوسع لتصل إلى قطر ثمانمئة وستين ميلا. ورغم أن هذا الرقم أكبر بكثير من قطر كرة المياه العذبة، إلا أنه لا يزال أصغر من قطر القمر الذي يبلغ ألفين ومئتي ميل، وهو ما يعطينا تصورا مرئيا عن النسبة الحقيقية للمياه على الأرض مقارنة بحجم الكوكب ذاته. هذه الأرقام تكشف حقيقة مهمة: معظم المياه على كوكبنا مالح وغير صالح للشرب المباشر، والمياه العذبة المتاحة لنا لا تمثل سوى شريحة رقيقة للغاية من الكعكة المائية الكلية.

غرابة طور الثلج وسر طفوه

التمدد عند التجمد

الطور الذي تكون فيه المياه متجمدة وهو الثلج يعد طورا غريبا ومميزا بين جميع المواد المعروفة. فعلى عكس كل السوائل تقريبا التي تتقلص عندما يتم تبريدها ويزداد حجمها كثافة عند التجمد، فإن الماء يفعل العكس تماما: يتمدد بنسبة تسعة بالمئة من حجمه الأصلي عندما يتحول إلى ثلج. هذا السلوك الفريد ناتج عن البنية البلورية السداسية التي تتشكل عند تجمد الماء، حيث ترتب جزيئات الماء نفسها في نمط يترك فراغات بينية أكبر من تلك الموجودة في الحالة السائلة، مما يعني أن نفس الكمية من الماء تشغل حجما أكبر حين تتجمد.

أهمية طفو الثلج للحياة

بسبب هذا التمدد تنخفض كثافة الثلج عن كثافة الماء السائل، وهو ما يفسر ظاهرة طفو الثلج على سطح البحيرات والبحار عندما تتجمد. لو كان الماء يتصرف مثل بقية السوائل وتقلص عند التجمد لكان الثلج أغلى من الماء فغاص إلى القاع، ولتجمدت البحيرات والمحيطات بالكامل من القاع إلى السطح في المناطق الباردة، مما كان سيقضي على كل أشكال الحياة المائية. لكن بفضل هذه الخاصية الاستثنائية، يشكل الثلج طبقة عازلة على السطح تحمي الماء تحتها من التجمد الكامل، فتحتفظ البحيرات بالحياة تحتها حتى في أقسى فصول الشتاء. إنها معجزة علمية صامتة نعيشها كل يوم دون أن ننتبه إليها.

خصائص أخرى مدهشة للماء

التوتر السطحي الاستثنائي

من الخصائص الفريدة الأخرى للماء ما يُعرف بالتوتر السطحي المرتفع نسبيا مقارنة بمعظم السوائل الأخرى. هذا التوتر السطحي هو ما يسمح لبعض الحشرات بالسير على سطح الماء دون أن تغرق، وهو ما يفسّر تشكل القطرات الدائرية واستواء الماء على الأسطح في أشكال محددة. تنشأ هذه الظاهرة من قوى التماسك القوية بين جزيئات الماء الناتجة عن الروابط الهيدروجينية، وهي نفس القوى المسؤولة عن العديد من الخصائص الغريبة الأخرى للماء.

السعة الحرارية العالية

يتمتع الماء بسعة حرارية نوعية عالية جدا بين المواد المعروفة، أي أنه يحتاج إلى كمية كبيرة من الطاقة الحرارية لرفع درجة حرارته درجة واحدة، ويمكنه أن يخزن طاقة حرارية هائلة قبل أن يبدأ بالغليان. هذه الخاصية تجعل المحيطات والبحار تعمل كمنظم حراري عملاق لكوكب الأرض، إذ تمتص الحرارة الزائدة نهارا وفي الصيف وتطلقها تدريجيا ليلا وفي الشتاء، مما يجعل المناخ على الأرض معتدلا وقابلا للحياة. بدون هذه الخاصية لتقلبتت درجات الحرارة بشكل عنيف بين النهار والليل، ولم تستطع الحياة أن تستمر كما نعرفها.

الماء كمذيب عالمي

يُلقّب الماء بالمذيب العالمي لأنه قادر على إذابة عدد كبير من المواد تفوق أي سائل آخر معروف. هذه الخاصية حيوية لعملية التمثيل الغذائي في الكائنات الحية، فهي تسمح بنقل المغذيات والأملاح المعدنية والفضلات عبر الدم والسوائل الخلوية. كما أن قدرة الماء على الإذابة هي ما تشكّل الكهوف والوديان وتغير معالم سطح الأرض عبر ملايين السنين من التعرية والذوبان. إنه السائل الوحيد الذي يمكنه أن يحمل الحياة في طياته ويصنع الجغرافيا من حولنا في آن واحد.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !