
الكثير يستعملون غسول الفم ليتخلصوا من مشكلة رائحة الفم الكريهة، لكنهم لا يعرفون أنهم يتخلصون من مشكلة ليُوردوا بأنفسهم إلى مشكلة أكبر وهي الأزمة القلبية. قد يبدو الأمر مفاجئًا، لكن الدراسات العلمية الحديثة كشفت عن علاقة مقلقة بين الاستخدام المنتج لغسول الفم وارتفاع ضغط الدم الذي يشكل عامل الخطر الرئيس للأزمات القلبية والسكتات الدماغية.
الدراسة البريطانية ونتائجها
حذرت دراسة طبية بريطانية من أن الإفراط في استخدام غسول الفم يسهم بشكل كبير في رفع ضغط الدم، مما يجعل الإنسان عرضة للإصابة بالأزمات القلبية والسكتات الدماغية، بحسب ما جاء في صحيفتي دايلي ميل وذا تلغراف البريطانية. وأوضح الباحثون البريطانيون أن غسول الفم، خصوصًا من نوع كورسودايل، يعمل على رفع معدل ضغط الدم بمعدل يراوح ما بين نقطتين إلى ثلاث نقاط ونصف يوميًا في حال استمرار استخدام الغسول.
وشدد الباحثون على أن الاستمرار والإفراط في استخدام غسول الفم بالنسبة إلى كثيرين يُعد بمثابة كارثة صحية حقيقية ليصبحوا فريسة بصورة أكبر للإصابة بالأزمات القلبية والسكتات الدماغية. حتى أن ارتفاعًا بسيطًا في ضغط الدم بمقدار نقطتين أو ثلاث قد يبدو ضئيلًا، لكن على مستوى المجتمعات فإنه يترجم إلى آلاف الحالات الإضافية من النوبات القلبية والسكتات الدماغية سنويًا.
السبب العلمي: البكتيريا النافعة في الفم
أرجع العلماء السبب في ذلك إلى قضاء غسول الفم على البكتيريا الحميدة في الفم التي تعمل على ارتخاء الأوعية الدموية والحيلولة دون ارتفاع ضغط الدم. الفكرة التي قد تبدو غريبة هي أن الفم البشري يستضيف مليارات البكتيريا التي تشكل ما يُعرف بالفلورا الفموية أو الميكروبيوم الفموي، وهذه البكتيريا ليست كلها ضارة بل إن قسمًا كبيرًا منها يقوم بوظائف حيوية ضرورية لصحة الجسم عمومًا.
دور البكتيريا النافعة في تنظيم ضغط الدم
تعمل بعض أنواع البكتيريا النافعة في الفم على تحويل النترات الموجودة في الأطعمة كالخضروات الورقية إلى نيتريت، ثم يُحوَّل النيتريت بدوره إلى أكسيد النيتريك الذي يعمل كموسّع طبيعي للأوعية الدموية. أكسيد النيتريك يجعل الأوعية الدموية أكثر مرونة واتساعًا مما يسهل تدفق الدم ويخفض الضغط. عندما يقضي غسول الفم المضاد للبكتيريا على هذه الكائنات الدقيقة النافعة، ينقطع هذا المسار الحيوي وينخفض إنتاج أكسيد النيتريك مما يؤدي إلى تصلب الأوعية وارتفاع ضغط الدم تدريجيًا.
تأثير المطهرات القوية في غسول الفم
وأوضحت التجارب الأولية التي أجريت على مجموعة من المتطوعين الذين استخدموا غسول الفم الشهير كورسودايل والذي يحتوي على مطهر قوي هو الكلورهيكسيدين، حيث لوحظ ارتفاع معدل ضغط الدم لديهم في غضون ساعات من استخدامهم الغسول. الكلورهيكسيدين مادة فعّالة تقتل مجموعة واسعة من البكتيريا بما فيها النافعة والضارة على حد سواء، ولا تفرّق بينهما. هذه الخاصية القاسية تجعل من غسول الفم المحتوي على الكلورهيكسيدين سلاحًا ذا حدين: يقضي على البكتيريا المسببة لرائحة الفم الكريهة والتسوس، لكنه في الوقت ذاته يُبيد البكتيريا المساعدة في تنظيم ضغط الدم.
أنواع غسول الفم وخطورتها المتفاوتة
ليست كل أنواع غسول الفم تحمل نفس الدرجة من الخطورة. تعتمد الخطورة على نوع المادة الفعّالة الموجودة في الغسول وطريقة استخدامه.
غسول الفم المحتوي على الكلورهيكسيدين
هذا النوع هو الأخطر من حيث التأثير على البكتيريا النافعة، لأن الكلورهيكسيدين مطهر واسع المجال يقتل كل أنواع البكتيريا تقريبًا. يُستخدم عادة بوصفة طبية لعلاج التهابات اللثة الحادة، ولا يُفترض استخدامه يوميًا ولا لفترات طويلة دون إشراف طبي. المشكلة أن بعض الأشخاص يستخدمونه بشكل روتيني يومي معتقدين أن فعاليته القوية تعني نظافة أفضل.
غسول الفم المحتوي على الكحول
الأنواع التي تحتوي على نسبة عالية من الكحول تعمل أيضًا على تقليل عدد البكتيريا النافعة وتجفيف الفم مما يُفاقم المشكلة. جفاف الفم الناتج عن الكحول يشجع على نمو البكتيريا الضارة التي تتكاثر في البيئة الجافة، وهذا يعني أن الرائحة الكريهة تعود بعد وقت قصير من استخدام الغسول مما يدفع الشخص لاستخدامه مرة أخرى في حلقة مفرغة.
غسول الفم المعتمد على الفلورايد
الأنواع الخالية من المطهرات القوية والمعتمدة على الفلورايد لتقوية الأسنان ومواد مهدئة للثة تعتبر أقل خطورة على البكتيريا النافعة. يمكن استخدامها بشكل أكثر أمانًا لكن بحدود ومع مراعاة تعليمات الطبيب.
بدائل طبيعية لغسول الفم
إذا كنتِ ممن يعانين من رائحة الفم الكريهة وترغبين في تجنب المخاطر الصحية لغسول الفم التجاري، فهناك بدائل طبيعية آمنة تحقق الغرض دون المساس بالبكتيريا النافعة.
الماء والملح
أبسط وأقدم طرق تعقيم الفم هي الغرغرة بماء دافئ مذاب فيه قليل من الملح. المحلول الملحي يقلل من الالتهابات وينظف الفم دون الإضرار بالبكتيريا النافعة. يمكن استخدامه بعد كل وجبة أو عند الحاجة.
زيت جوز الهند
تقنية سحب الزيت المعروفة في الطب الهندي القديم تقوم على المضمضة بملعقة من زيت جوز الهند لمدة خمس عشرة دقيقة ثم بصقها. زيت جوز الهند يحتوي على حمض اللوريك الذي يكافح البكتيريا الضارة فقط دون المساس بالنافعة، كما أنه يُرطّب الفم ويُحسّن صحة اللثة.
ماء الورد
ماء الورد غسول طبيعي لطيف يمنح الفم رائحة منعشة ويُهدّئ التهابات اللثة دون أي تأثير ضار على البكتيريا النافعة. يمكن استخدامه كغرغرة نهائية بعد تفريش الأسنان.
الأساس الحقيقي لرائحة فم منعشة
الاعتماد على غسول الفم لإخفاء رائحة الفم الكريهة يشبه وضع غطاء على مشكلة بدلًا من حلها من الجذور. الرائحة الكريهة عادة ما يكون سببها تراكم البكتيريا والبلاك على الأسنان واللثة أو جفاف الفم أو مشكلات في الجهاز الهضمي.
التفريش والخيط
الطريقة الأكثر فعالية للحفاظ على رائحة فم منعشة هي تنظيف الأسنان بالفرشاة مرتين يوميًا واستخدام خيط الأسنان مرة واحدة على الأقل لإزالة بقايا الطعام المحاصرة بين الأسنان. هذه البقايا إذا لم تُزال تتحلل بفعل البكتيريا وتنتج مركبات كبريتية هي المسؤولة عن الرائحة الكريهة.
شرب الماء بكميات كافية
جفاف الفم أحد أهم أسباب رائحة الفم الكريهة لأن اللعاب هو منظف الفم الطبيعي الذي يغسل البكتيريا وبقايا الطعام باستمرار. عندما ينخفض إنتاج اللعاب تتكاثر البكتيريا وتتفاقم الرائحة. شرب الماء بانتظام يحافظ على رطوبة الفم ويُعزز إنتاج اللعاب.
زيارة طبيب الأسنان بانتظام
كثير من مشكلات رائحة الفم تنبع من أمراض اللثة أو التسوس غير المعالج التي لا يمكن حلها بغسول الفم مهما كان نوعه. الفحص الدوري كل ستة أشهر يكشف عن هذه المشكلات مبكرًا ويعالجها قبل أن تتفاقم.
نصيحة أخيرة
إذا كان لا بد من استخدام غسول الفم، فاختاري الأنواع الخالية من الكلورهيكسيدين والكحول، واستخدميه مرة واحدة يوميًا على الأكثر وليس بعد كل وجبة. استشيري طبيب الأسنان حول النوع الأنسب لحالتك، وتذكري أن النظافة اليومية بالفرشاة والخيط والماء هي الأساس المتين الذي لا غنى عنه لأي مستحضر آخر.
.png)