طائر السمامة من أعجب الطيور في عالم الحيوان، فهو يقضي معظم حياته في الهواء، يأكل ويشرب وربما ينام وهو يطير، ولا يكاد يحط إلا ليبني عشه ويربي صغاره. وقد لفت هذا الطائر أنظار العرب منذ القدم، فذكروه في أمثالهم، وأدهش العلماء المعاصرين بقدراته الاستثنائية على الطيران.
نعرض في هذا المقال مواصفات هذا الطائر كما وردت، ثم نتعرف إلى تصنيفه العلمي وأنواعه، والفرق بينه وبين السنونو، وأحدث ما كشفته الدراسات عن بقائه في الجو أشهرًا، وهجرته، وتكاثره، وأعشاشه، وعلاقته بالإنسان.
مواصفات طائر السمامة
لون جسم طائر السمام أسود رمادي وهناك بياض واضح فوق بداية الذيل وفي الحنجرة تحت المنقار، والذيل قصير لاينقسم إلى قسمين كطائر السنونو، والجناحان دقيقان وطويلان وأرجلها قصيرة وضعيفة ولها مخالب طويلة ومخلبها الخلفي معكوس وكل ذلك لتستطيع الوقوف على الأسطح الخشنة العمودية، لأن الأسطح العمودية أسهل لها للانطلاق مرة أخرى للطيران في الجو من الأرض المنبسطة وأرجلها ضعيفة لا تستطيع القفز بينما أجنحتها طويلة سوف تضرب الأرض إذا أرادت الطيران مرة أخرى، لذلك فهي لا تحط على الأرض أبداً.التصنيف العلمي
ينتمي هذا الطائر إلى فصيلة السماميات، ويحمل النوع الأشهر منه الاسم العلمي أبوس أبوس، ويُعرف بالسمامة الشائعة. ويعود الاسم العلمي إلى كلمة يونانية تعني بلا أقدام، لأن الناس قديمًا لاحظوا أنه لا يُرى واقفًا على الأرض، وظنوا أنه لا يملك أقدامًا. والحقيقة أن له أقدامًا صغيرة قوية المخالب، تناسب التشبث بالجدران والصخور العمودية لا المشي.
قرابة غير متوقعة
رغم التشابه الكبير في الشكل بينه وبين السنونو، فإنهما لا ينتميان إلى الفصيلة نفسها، بل تضعه التصنيفات العلمية في رتبة واحدة مع الطيور الطنانة الصغيرة. ويرى العلماء أن التشابه مع السنونو نتيجة لما يُعرف بالتطور المتقارب، أي أن نمط الحياة المتشابه، وهو صيد الحشرات في الهواء، أدى إلى أشكال متقاربة.
الفرق بين السمامة والسنونو
- الأجنحة: أجنحة السمامة طويلة جدًا ومنحنية كالمنجل، بينما أجنحة السنونو أقصر وأعرض نسبيًا.
- الذيل: ذيل السمامة قصير ومشقوق قليلًا، أما بعض أنواع السنونو فلها ذيل طويل عميق الانشقاق.
- اللون: السمامة الشائعة بنية داكنة تبدو سوداء من بعيد، مع بقعة فاتحة في الحلق، بينما يجمع السنونو غالبًا بين الأزرق اللامع والأبيض والأحمر.
- الوقوف: يقف السنونو كثيرًا على الأسلاك والأغصان، أما السمامة فلا تفعل ذلك تقريبًا.
- الصوت: تُطلق هذه الطيور صرخات حادة عالية، خاصة حين تطير في مجموعات سريعة فوق أسطح المدن في الصيف.
حياة في السماء
كشفت دراسة نُشرت عام 2016 اعتمدت على تثبيت أجهزة تسجيل صغيرة جدًا على عدد من طيور السمامة الشائعة، أن بعضها بقي في الجو نحو عشرة أشهر متواصلة خلال الفترة الممتدة بين موسمي التكاثر، دون أن يهبط إلا نادرًا جدًا. ويُعد ذلك من أطول فترات الطيران المتواصل المعروفة لدى الطيور.
كيف تأكل وتشرب وتنام؟
يتغذى الطائر على الحشرات الصغيرة والعناكب التي تحملها تيارات الهواء، فيصطادها بفمه الواسع أثناء الطيران. ويشرب بالتقاط الماء وهو يحلق منخفضة فوق البحيرات والأنهار، أو من قطرات المطر. أما النوم فيعتقد العلماء أنه يستطيع النوم لفترات قصيرة أثناء الطيران، حين يرتفع إلى طبقات عالية من الجو عند الغروب والفجر ثم ينزلق ببطء، وما زالت تفاصيل ذلك موضع بحث.
السرعة
يُعد من أسرع الطيور في الطيران الأفقي النشط، وقد سجلت قياسات علمية سرعات تتجاوز مئة كيلومتر في الساعة لدى السمامة الشائعة، بينما تتداول بعض المصادر أرقامًا أعلى لأنواع أخرى، وتحتاج هذه الأرقام إلى توثيق دقيق.
الهجرة
تقضي السمامة الشائعة الصيف في أوروبا وأجزاء من آسيا وشمال إفريقيا والشرق الأوسط، حيث تتكاثر، ثم تهاجر في أواخر الصيف إلى إفريقيا جنوب الصحراء لتمضي الشتاء، وتعود في الربيع. وتقطع في رحلتها آلاف الكيلومترات، وتعود غالبًا إلى موقع العش نفسه كل عام.
التكاثر والأعشاش
يبني هذا الطائر أعشاشه في الشقوق والفجوات المرتفعة، كالجروف الصخرية وتجاويف الأشجار، وفي المدن تحت القرميد وفي ثقوب الجدران القديمة والمآذن والأبراج. ويجمع مواد العش من الهواء، كالريش والقش الخفيف، ويلصقها بلعابه. وتضع الأنثى عادة بيضتين أو ثلاثًا، ويتشارك الأبوان في الحضانة وإطعام الصغار.
قدرة الصغار على التحمل
من الظواهر اللافتة أن الصغار تستطيع خفض درجة حرارة أجسامها ونشاطها في حالة تشبه السبات القصير عندما يسوء الطقس وتقل الحشرات، فتتحمل الجوع لأيام حتى يعود الأبوان بالطعام. وحين تغادر العش أول مرة تنطلق في الهواء مباشرة، وقد لا تهبط مرة أخرى قبل أن تبلغ وتبدأ التكاثر بعد سنوات.
طول العمر
تعيش السمامة الشائعة عمرًا طويلًا نسبيًا مقارنة بحجمها، وقد سُجلت حالات لطيور عاشت قرابة عشرين عامًا، ما يعني أنها قد تقطع خلال حياتها مسافات هائلة.
أنواع أخرى من السمامة
- السمامة الشاحبة: أفتح لونًا، وتنتشر في حوض البحر المتوسط والشرق الأوسط.
- السمامة الألبية: أكبر حجمًا، وبطنها أبيض، وتعيش في المناطق الجبلية.
- السمامة الصغيرة: تنتشر في إفريقيا وجنوب آسيا، وتعشش غالبًا في المباني.
- طيور السمامة الكهفية: في جنوب شرق آسيا، وبعضها يبني أعشاشه من اللعاب وحده، وتُجمع هذه الأعشاش لاستخدامها في حساء تقليدي شهير، وتستطيع بعض أنواعها التنقل في الكهوف المظلمة باستخدام نوع بسيط من تحديد الموقع بالصدى.
السمامة والإنسان
ارتبط هذا الطائر بالمدن القديمة، إذ وجدت في جدرانها الحجرية وأسقفها مواقع مثالية لأعشاشها. لكن ترميم المباني وإغلاق الفجوات في البناء الحديث قلّل من أماكن التعشيش، ما دفع جمعيات حماية الطيور في بعض الدول إلى تشجيع تركيب صناديق أعشاش خاصة على المباني. كما يُعد تراجع أعداد الحشرات من التحديات التي تواجه هذه الطيور. ويساعد الإنسان بالتهام أعداد كبيرة من الحشرات الطائرة.
ماذا تفعل إذا وجدت سمامة على الأرض؟
قد يسقط بعض هذه الطيور على الأرض بسبب التعب أو الإصابة، ويصعب عليه الإقلاع من سطح مستوٍ. ويُنصح في هذه الحالة بالتواصل مع جمعيات رعاية الطيور أو الأطباء البيطريين المختصين، وعدم محاولة رميه في الهواء أو إطعامه طعامًا غير مناسب.
حضورها في التراث العربي
عرف العرب هذه الطيور وأطلقوا عليها أسماء متعددة، وخلط بعضهم بينها وبين الخطاطيف لتشابه الهيئة وطريقة الطيران. وقد أشار المثل الوارد في النص الأصلي إلى صعوبة الوصول إلى أعشاشها المرتفعة، فصار بيضها كناية عن الشيء العسير المنال. ووصف بعض الأدباء والرحالة أسرابها وهي تحوم حول المآذن والقلاع في أمسيات الصيف، وتملأ الجو بصيحاتها الحادة.
كيف تراقبها؟
أفضل وقت لمشاهدتها أمسيات أواخر الربيع والصيف في المدن القديمة والمناطق الجبلية، حين تطير جماعات منخفضة وسريعة بين المباني. ويمكن التعرف إليها من شكل أجنحتها المنجلي الطويل، وطيرانها المتقطع بين ضربات سريعة وانزلاق، وصوتها الحاد المميز.
أسئلة شائعة
هل صحيح أن طائر السمامة لا يلمس الأرض أبدًا؟
لا يحط على الأرض في الظروف العادية، ويقضي معظم حياته في الجو، لكنه يتشبث بالجدران والشقوق عند التعشيش، وقد يسقط أحيانًا بسبب الإصابة أو الإرهاق.
هل السمامة نوع من السنونو؟
لا، فرغم التشابه في الشكل ينتميان إلى مجموعتين مختلفتين، والسمامة أقرب تصنيفيًا إلى الطيور الطنانة.
أين تقضي السمامة الشتاء؟
تهاجر السمامة الشائعة إلى إفريقيا جنوب الصحراء لتقضي الشتاء، ثم تعود في الربيع إلى مناطق التكاثر.
خلاصة
طائر السمامة كائن فريد صُمم جسده للحياة في السماء، بأجنحة طويلة منجلية وأقدام صغيرة للتشبث، ويستطيع البقاء في الجو أشهرًا متواصلة، ويقطع آلاف الكيلومترات في هجرته السنوية. ورغم شبهه بالسنونو فهو أقرب إلى الطيور الطنانة، ويواجه اليوم تحديات تتعلق بفقدان أماكن التعشيش وتراجع الحشرات، ما يجعل حمايته مسؤولية مشتركة.
.png)
