يُعد الجبن من أقدم الأطعمة التي صنعها الإنسان وأكثرها تنوعًا، فهو حاضر على موائد الإفطار في العالم العربي، ويدخل في المعجنات والسلطات والحلويات. ومع هذا الحضور الواسع تتباين الآراء حول قيمته الصحية بين من يراه مصدرًا ممتازًا للبروتين والكالسيوم، ومن يحذر من دهونه وملحه.
في هذا المقال نجيب عن أسئلة التصنيع والأنواع والمكونات، ثم نتوسع في تاريخ هذا الغذاء، وطرق اختيار الأنسب منه، ومن يحتاج إلى الاعتدال في تناوله.
مكونات الأجبان وفوائدها

لمحة تاريخية عن صناعة الأجبان
يرجح المؤرخون أن معرفة الإنسان بتحويل الحليب إلى مادة صلبة قابلة للحفظ تعود إلى آلاف السنين، بعد أن بدأت المجتمعات القديمة في تدجين الماشية. وتروي حكايات متداولة أن الاكتشاف جاء مصادفة عندما حُفظ الحليب في أوعية مصنوعة من معدة الحيوانات، فتخثر بفعل الإنزيمات الموجودة فيها. وسواء صحت هذه الحكاية أم لا، فقد أصبح هذا المنتج وسيلة لحفظ فائض الحليب لفترات طويلة، ثم تطور إلى فن له تقاليد محلية في كل منطقة.
التقاليد العربية
تتميز المنطقة العربية بأنواع محلية شهيرة، مثل الجبنة البيضاء المملحة، والعكاوي، والنابلسية المعروفة بنكهة المحلب والمستكة، والحلوم القبرصية، والشلل المجدول، إلى جانب اللبنة التي تُعد من مشتقات الألبان القريبة. ويُحفظ بعضها تقليديًا في محلول ملحي لإطالة صلاحيته.
كيف تتشكل النكهات والقوام؟
يرجع الاختلاف الكبير بين الأصناف إلى عدة عوامل متداخلة:
- نوع الحليب: بقري أو غنمي أو ماعز أو جاموس، ولكل منها نسبة دهون ونكهة مختلفة.
- طريقة التخثير: بالمنفحة أو بالأحماض أو بالبكتيريا النافعة.
- كمية الملح: التي تؤثر في الطعم ومدة الحفظ.
- مدة التعتيق: فالأصناف المعتّقة طويلًا تكون أصلب وأقوى نكهة.
- الكائنات الدقيقة: كالفطريات التي تمنح الأصناف الزرقاء عروقها المميزة.
الطازج والمعتّق
تؤكل الأصناف الطازجة كالقريش والريكوتا والموزاريلا بعد وقت قصير من التصنيع، وهي أكثر رطوبة وأقل ملوحة في الغالب. أما المعتّقة كالشيدر والبارميزان فتُترك أسابيع أو شهورًا أو أكثر، فتفقد جزءًا من رطوبتها وتتركز نكهتها، كما تنخفض فيها نسبة سكر اللاكتوز.
القيمة الغذائية بين الإيجابيات والتحفظات
يُعد هذا الغذاء مصدرًا جيدًا للبروتين عالي الجودة، وللكالسيوم والفسفور اللازمين للعظام والأسنان، كما يحتوي على فيتامين B12 والزنك وفيتامين A. لكن كثيرًا من أصنافه مرتفع في الدهون المشبعة والصوديوم والسعرات الحرارية، ولذلك يوصي أخصائيو التغذية بالاعتدال في الكمية واختيار الأنواع المناسبة للحالة الصحية.
هل يناسب من يعانون من عدم تحمل اللاكتوز؟
يتحمل كثير ممن لديهم حساسية من سكر الحليب كميات صغيرة من الأصناف الصلبة المعتّقة، لأن معظم اللاكتوز يتحلل أثناء التعتيق. أما الطازجة فقد تسبب لهم أعراضًا أكثر. ويختلف التحمل من شخص لآخر، ولذا يحسن التجربة بحذر واستشارة المختص.
دور الأحياء الدقيقة في التصنيع
تعتمد صناعة كثير من الأصناف على بكتيريا حمض اللاكتيك التي تحوّل سكر الحليب إلى حمض، فتساعد على التخثر وتمنح الطعم الحامضي الخفيف وتحمي المنتج من الكائنات الضارة. وفي بعض الأنواع تُضاف فطريات معينة، كتلك التي تكوّن القشرة البيضاء المخملية في الكاممبير والبري، أو العروق الزرقاء في الروكفور. أما الثقوب المميزة في بعض الأصناف السويسرية فتنتج عن غاز ثاني أكسيد الكربون الذي تطلقه بكتيريا خاصة أثناء التعتيق. وتحتفظ بعض الأصناف غير المطبوخة بجزء من البكتيريا النافعة، مما جعلها موضع اهتمام الباحثين في مجال صحة الأمعاء، وإن كانت هذه الأبحاث ما تزال في طور التطور.
المنفحة ومصادرها
المنفحة خليط من الإنزيمات يُستخرج تقليديًا من معدة العجول الرضيعة، ويؤدي إلى تخثر بروتين الكازين. ومع تزايد الطلب ظهرت بدائل ميكروبية ونباتية، ولذلك يحرص بعض المستهلكين على قراءة الملصق لمعرفة مصدرها لأسباب دينية أو غذائية، ويمكن الاستفسار من الشركة المصنعة عند عدم وضوح البيانات.
مصل اللبن
السائل المتبقي بعد فصل الخثارة ليس نفاية كما كان يُعامل قديمًا في بعض الأماكن، بل يُستخلص منه اليوم مسحوق البروتين المعروف، ويُستعمل في صناعة أنواع من الريكوتا وبعض المخبوزات والمشروبات، كما يُقدَّم في بعض الأرياف علفًا للماشية أو يُشرب مباشرة لقيمته الغذائية.
نصائح لاختيار الأنسب وتناوله باعتدال
- قارن بين الأصناف في ملصق القيمة الغذائية، وانتبه خاصة إلى نسبة الصوديوم.
- اختر الأنواع قليلة الدسم أو قليلة الملح إذا كنت تعاني من ارتفاع الضغط أو الكوليسترول.
- انقع الأصناف شديدة الملوحة كالعكاوي والنابلسية في الماء قبل تناولها لتقليل ملحها.
- اجعل الحصة معتدلة، وقدمها مع الخضار والخبز الأسمر بدلًا من الأطعمة المصنعة.
- تجنب الأجبان المصنوعة من حليب غير مبستر إذا كنتِ حاملًا، لاحتمال تلوثها ببكتيريا الليستيريا.
التخزين السليم
تُحفظ الأصناف الطرية في الثلاجة في أوعية محكمة وتُستهلك سريعًا، بينما تُلف الصلبة بورق مخصص أو ورق زبدة ثم تُوضع في كيس لتتنفس دون أن تجف. وأي عفن يظهر على الأصناف الطرية يستدعي التخلص منها كاملة.
أسئلة شائعة
هل يسبب زيادة الوزن؟
قد يسهم في زيادة الوزن إذا أُكل بكميات كبيرة لأنه غني بالسعرات، لكن الحصص المعتدلة يمكن أن تكون جزءًا من نظام متوازن.
ما الفرق بين الجبن الطبيعي والمطبوخ؟
المطبوخ أو المعالج يُصنع بخلط أصناف مع مستحلبات وأملاح ثم تسخينها، ويحتوي غالبًا على صوديوم أعلى من الطبيعي.
هل يناسب الأطفال؟
يمكن أن يكون مصدرًا جيدًا للكالسيوم والبروتين للأطفال، مع اختيار الأصناف المبسترة وقليلة الملح.
خلاصة
يجمع هذا الغذاء العريق بين القيمة الغذائية والتنوع الهائل في النكهات، فهو مصدر للبروتين والكالسيوم وفيتامين B12، لكنه يحتاج إلى اعتدال بسبب دهونه وملحه. واختيار الصنف المناسب لحالتك الصحية، والانتباه إلى الكمية وطريقة الحفظ، يتيح لك الاستمتاع به بصورة صحية.
.png)