الزايرجة أو الزيارجة من الموضوعات التي تثير فضول القراء المهتمين بتاريخ العلوم الخفية في التراث العربي، إذ ارتبطت بعلم الحروف والأعداد، وبقيت محاطة بالغموض والأسرار. وقد اشتهرت بفضل حديث المؤرخ ابن خلدون عنها في مقدمته الشهيرة.
نعرض في هذا المقال النص الذي يتحدث عن الزايرجة كما ورد، ثم نقدم قراءة تاريخية موضوعية لها: معناها، ومن تُنسب إليه، وكيف وصفها ابن خلدون وما رأيه فيها، وصلتها بعلم الحروف وحساب الجمّل، وموقف العلماء من ادعاءات معرفة المستقبل.
ما يقوله أهل هذا الفن عن الزايرجة

معنى الزايرجة وأصلها
الزايرجة في الاصطلاح التاريخي أداة أو جدول معقد يتكون من دوائر متداخلة وخطوط وحروف وأرقام، كان أصحابها يزعمون أنهم يستخرجون منه أجوبة عن الأسئلة بعمليات حسابية على حروف السؤال. ويُختلف في أصل الكلمة، فيرى بعض الباحثين أنها ذات أصل فارسي، ولم يُحسم ذلك بشكل قاطع.
نسبتها إلى أبي العباس السبتي
تشتهر في المصادر زايرجة تُعرف بزايرجة العالم، وتُنسب إلى أبي العباس أحمد السبتي، وهو من متصوفة المغرب الذين عاشوا في القرن السادس الهجري، واشتهر في مراكش بالكرم والإحسان إلى الفقراء. وقد ارتبط اسمه في الذاكرة الشعبية المغربية بالبركة والولاية، ونُسبت إليه هذه الأداة، وإن كانت صحة النسبة موضع نظر عند الباحثين.
الزايرجة في مقدمة ابن خلدون
خصص عبد الرحمن بن خلدون في مقدمته فصلًا للحديث عن علوم الحروف والسحر والطلسمات، وتحدث فيه عن الزايرجة ووصف طريقتها، وأشار إلى من اشتغلوا بها في زمانه. ويُعد كلامه من أهم المصادر التاريخية عنها، لأنه صادر عن مؤرخ عرف بالتحليل والنقد.
كيف فسّرها ابن خلدون؟
يُفهم من كلام ابن خلدون أنه لم يعدّ الزايرجة طريقًا إلى معرفة الغيب، بل رأى أنها صناعة تقوم على قوانين حسابية في تركيب الحروف، تستخرج من حروف السؤال كلامًا يتناسب معه، وأن الجواب الذي يظهر إنما هو نتيجة لهذه العمليات لا اطلاع على المستقبل. وبهذا قدم تفسيرًا عقليًا لما كان يبدو للناس أمرًا خارقًا، مع اعترافه بأنها صناعة دقيقة تحتاج إلى مهارة.
موقفه من علوم الغيب عمومًا
كان ابن خلدون في مواضع متعددة من المقدمة ناقدًا لدعاوى معرفة المستقبل بالنجوم أو الحروف أو غيرها، وبيّن ما فيها من ضعف وما يترتب عليها من أضرار، وهو ما يجعل الاستشهاد به في مدح هذا الفن محتاجًا إلى قراءة كلامه كاملًا في سياقه.
علم الحروف وحساب الجمّل
ترتبط الزايرجة بما عُرف بعلم الحروف، الذي يقوم على إعطاء كل حرف من حروف الأبجدية قيمة عددية وفق ترتيب أبجد هوز، فالألف واحد، والباء اثنان، وهكذا حتى الغين التي تساوي ألفًا. ويُعرف هذا النظام بحساب الجمّل.
استخدامات مشروعة لحساب الجمّل
استُخدم هذا الحساب في التراث استخدامات أدبية وتاريخية لا علاقة لها بادعاء الغيب، ومن أشهرها:
- التأريخ الشعري: كان الشعراء يصوغون شطرًا أو كلمة يساوي مجموع حروفها سنة حدث معين، كبناء مسجد أو وفاة عالم.
- ترقيم الكتب والفقرات: استُخدمت الحروف الأبجدية بديلًا عن الأرقام في بعض المخطوطات.
- الألغاز والفنون البلاغية: وظفها الأدباء في التعمية والألغاز.
الاستخدامات التنجيمية
في المقابل، استخدم بعض المشتغلين بالعلوم الخفية هذا الحساب في ادعاء معرفة المستقبل أو التأثير في الأحداث أو كتابة الأحجبة، وهذه الاستخدامات هي التي تعرضت لانتقاد العلماء والمفكرين.
موقف العلماء من هذه الفنون
يذهب جمهور علماء المسلمين إلى أن معرفة الغيب مختصة بالله تعالى، وأن ادعاء الكشف عن المستقبل بالحروف أو النجوم أو غيرها من الوسائل لا يجوز تصديقه، ويحذرون من الذهاب إلى من يدّعون ذلك، لما فيه من مخالفة لعقيدة التوحيد، ومن استغلال لحاجات الناس وأموالهم. ومن أراد معرفة الحكم الشرعي التفصيلي فعليه الرجوع إلى أهل العلم المعتبرين.
بين الدراسة التاريخية والممارسة
من المهم التفريق بين دراسة هذه الفنون بوصفها ظاهرة ثقافية وتاريخية، وهو أمر يقوم به المؤرخون وباحثو تاريخ العلوم والأنثروبولوجيا، وبين ممارستها أو الاعتقاد بها. فالدراسة تساعد على فهم كيف فكّر الناس في عصور مختلفة، وكيف تداخلت المعرفة العلمية بالمعتقدات الشعبية.
الزايرجة في تاريخ الأفكار
يلاحظ بعض مؤرخي الأفكار تشابهًا بين فكرة الزايرجة القائمة على دوائر متحركة وتركيبات حروف، وبين أدوات مماثلة ظهرت في أوروبا في العصور الوسطى، كالآلة المنطقية التي ابتكرها الفيلسوف ريمون لول في القرن الثالث عشر الميلادي، والتي قامت على أقراص دوارة تجمع المفاهيم. ويرى بعض الباحثين أن لول ربما تأثر بالبيئة الأندلسية والمغربية، بينما يتحفظ آخرون على هذا الربط لغياب الأدلة المباشرة. ومهما يكن، فإن هذه الأفكار تُذكر أحيانًا في سياق تاريخ محاولات الإنسان صناعة أدوات تركيبية تولّد الأفكار آليًا.
القيمة الأدبية للنصوص
تتسم النصوص التي كُتبت عن الزايرجة بأسلوب مسجوع غامض يكثر من الأوصاف والمبالغات، وهو أسلوب شائع في كتابات العلوم الخفية التي تحرص على إحاطة موضوعها بالهيبة والسرية. ويهتم دارسو الأدب بهذه النصوص من زاوية لغتها ورموزها وأسلوبها.
لماذا يستمر الاهتمام بهذه الفنون؟
رغم تقدم العلوم الحديثة، لا يزال الاهتمام بالزايرجة وما يشبهها حاضرًا لدى بعض الناس، ويفسر الباحثون ذلك بعوامل نفسية واجتماعية، منها رغبة الإنسان في معرفة ما سيحدث له، وقلقه من المجهول، وحاجته إلى الطمأنينة في أوقات الأزمات. كما يجذب الغموض والأسلوب المسجوع المليء بالأوصاف الكبيرة فئة من القراء الذين يبحثون عن أسرار خفية.
مخاطر الاستغلال
يستغل بعض المحتالين هذا الفضول، فيدّعون امتلاك أسرار الحروف والأعداد، ويتقاضون أموالًا مقابل كشف المستقبل أو حل المشكلات، وقد يتسببون في أضرار مادية ونفسية وأسرية. ولذلك تحذر الجهات الدينية والقانونية في كثير من الدول من التعامل مع مدعي هذه القدرات.
أهمية التفكير النقدي
يساعد التفكير النقدي على التمييز بين المعرفة القائمة على الدليل والتجربة، وبين الادعاءات التي لا يمكن التحقق منها. فحين يُقال إن أداة ما تكشف المستقبل، يحق للقارئ أن يسأل: هل جُربت بطريقة منهجية؟ وهل يمكن تكرار نتائجها؟ وهي أسئلة تجيب عنها التجربة العلمية بالنفي.
أسئلة شائعة
هل الزايرجة علم حقيقي؟
من الناحية العلمية لا يوجد دليل على قدرتها على كشف المستقبل، وقد فسرها ابن خلدون بأنها صناعة حسابية تركيبية لا اطلاع فيها على الغيب.
من هو أبو العباس السبتي؟
متصوف مغربي عاش في القرن السادس الهجري، واشتهر في مراكش بالإحسان إلى الفقراء، وتُنسب إليه زايرجة العالم.
ما حساب الجمّل؟
نظام يعطي كل حرف عربي قيمة عددية وفق ترتيب أبجد هوز، واستُخدم في التأريخ الشعري والترقيم، كما استُخدم في العلوم الخفية.
خلاصة
الزايرجة أداة تراثية قائمة على تركيب الحروف والأعداد، اشتهرت بنسبتها إلى أبي العباس السبتي وبحديث ابن خلدون عنها في مقدمته، حيث قدم لها تفسيرًا حسابيًا ينفي عنها معرفة الغيب. ودراستها اليوم تكون من زاوية تاريخ الأفكار والثقافة، مع الحذر من الادعاءات المرتبطة بها، والتمسك بأن علم الغيب لله وحده.
.png)