تظل قضية القاتل المعروف باسم زودياك من أشهر الألغاز الجنائية في تاريخ الولايات المتحدة، فقد روع منطقة خليج سان فرانسيسكو في أواخر الستينيات، وأرسل رسائل وشفرات إلى الصحف والشرطة، ثم اختفى دون أن تُكشف هويته رسميًا. ولا تزال القضية تثير اهتمام المحققين الهواة والصحفيين وصناع الأفلام حتى اليوم.
نقدم في هذا المقال صورة أدق عن الجرائم المؤكدة، ونشرح قصة الشفرات التي حُل بعضها بعد عقود، ونعرض أبرز المشتبه بهم وأسباب تعثر التحقيق، وأثر القضية في الثقافة الشعبية.
سيرة القاتل كما يرويها المقال
في العام 1969 أرسل (زودياك) إلى الشرطة رسالة جديدة طلب فيها زيارة مواقف سيارات نائية في ذات المدينة ، وبالفعل ذهبت الشرطة إلى ذلك المكان وكانت المفاجأة العثور على جثتين تعود لكل من (دارلين اليزابيث) و (مايكل رينو)!!.![]() |
| رسالة كتبها زودياك |
الجرائم المؤكدة بحسب المحققين
تتداول المصادر الشعبية أرقامًا مبالغًا فيها عن عدد الضحايا، لكن المحققين ينسبون إليه رسميًا خمس جرائم قتل ومحاولتين نجا فيهما الضحايا، وقعت جميعها بين أواخر عام 1968 وخريف عام 1969 في مناطق متفرقة من شمال ولاية كاليفورنيا:
- ديسمبر 1968: هجوم على الشابين ديفيد فاراداي وبيتي لو جنسن قرب مدينة بنيشا، وقد قتلا كلاهما.
- يوليو 1969: هجوم في مدينة فاليخو قُتلت فيه دارلين فيرين ونجا مرافقها مايكل ماجو رغم إصابته.
- سبتمبر 1969: هجوم بالسكين قرب بحيرة بيريسا، توفيت فيه سيسيليا شيبرد ونجا براين هارتنل.
- أكتوبر 1969: مقتل سائق سيارة الأجرة بول ستاين في سان فرانسيسكو، وأرسل القاتل بعدها قطعة من قميصه إلى الصحافة دليلًا على مسؤوليته.
الادعاءات والجرائم المشتبه بها
ادعى القاتل في رسائله أنه قتل عددًا أكبر بكثير، ووصل الرقم الذي زعمه إلى سبعة وثلاثين، لكن الشرطة لم تؤكد ذلك. كما تربط بعض الروايات بينه وبين جريمة قتل طالبة في مدينة ريفرسايد عام 1966، دون إثبات قاطع، ويظل ارتباط هذه الحالة وغيرها بالقضية محل خلاف بين الباحثين.
الرسائل والشفرات
ما ميز هذه القضية عن غيرها رسائل القاتل المتعددة إلى صحف سان فرانسيسكو، التي كان يفتتحها بعبارة تعريفية ويختمها برمز دائرة يتقاطع فيها خطان يشبه علامة التصويب. وطالب الصحف بنشر رسائله على صفحاتها الأولى، مهددًا بارتكاب مزيد من الجرائم إن لم تفعل.
شفرة الأربعمئة وثمانية رموز
أرسل القاتل في صيف 1969 شفرة مقسمة على ثلاث صحف، وتمكن زوجان من كاليفورنيا من حلها خلال أيام قليلة، وتبين أن نصها يتحدث عن متعة القتل ولا يكشف اسمه كما وعد.
شفرة الثلاثمئة وأربعين رمزًا
ظلت هذه الشفرة عصية على الحل نحو خمسين عامًا، حتى أعلن فريق من الهواة المتخصصين في فك الشفرات نهاية عام 2020 أنه نجح في حلها بمساعدة برامج حاسوبية، وأكد مكتب التحقيقات الفيدرالي صحة الحل. غير أن النص لم يتضمن بدوره هوية القاتل، فبقي اللغز قائمًا.
المشتبه بهم ولماذا لم تُحل القضية؟
فحص المحققون على مر السنين آلاف البلاغات وعشرات المشتبه بهم، وكان أشهرهم رجلًا يدعى آرثر لي ألين، أحاطت به قرائن ظرفية عديدة، لكن لم تتوفر أدلة كافية لتوجيه اتهام إليه، ولم تتطابق خطوط اليد أو بصمات الأصابع المتاحة معه بشكل قاطع، وتوفي عام 1992 دون محاكمة. وظهرت لاحقًا ادعاءات كثيرة من أفراد ومجموعات تزعم كشف هويته، لكن الجهات الرسمية لم تعتمد أيًا منها.
أسباب تعثر التحقيق
- تعدد الجهات القضائية، إذ وقعت الجرائم في نطاق اختصاص أكثر من مدينة ومقاطعة، مما أضعف التنسيق أحيانًا.
- محدودية تقنيات الطب الشرعي في الستينيات مقارنة باليوم.
- أخطاء في جمع الأدلة وحفظها في بعض مسارح الجرائم.
- كثرة البلاغات الكاذبة والادعاءات التي استنزفت جهود المحققين.
- حذر القاتل وتنويعه لأساليب الهجوم والأسلحة.
هل ما زال الأمل قائمًا؟
يعلق بعض المحققين آمالًا على تقنيات الحمض النووي الحديثة وعلم الأنساب الجيني، التي ساعدت في حل قضايا قديمة أخرى، لكن نجاحها يتوقف على وجود عينات بيولوجية صالحة من الأدلة المحفوظة.
ما الذي عرفه المحققون عن القاتل؟
اعتمدت الشرطة في رسم صورة تقريبية للقاتل على شهادات الناجين وبعض الشهود، فقد وصفه الناجون بأنه رجل أبيض ممتلئ الجسم نسبيًا، وارتدى في هجوم بحيرة بيريسا غطاء رأس غريبًا يحمل رمزه المعروف. وبعد مقتل سائق الأجرة نشرت الشرطة رسمًا تقريبيًا لوجهه استنادًا إلى روايات شهود رأوه في المكان، وأصبح هذا الرسم من أشهر الصور المرتبطة بالقضية.
محاولات التحليل النفسي
حاول محللون وخبراء في علم الجريمة استنتاج ملامح شخصيته من رسائله وسلوكه، فرأى بعضهم أنه كان يسعى إلى الشهرة والسيطرة، ويستمتع بإثارة الذعر واستعراض ذكائه أمام الشرطة والصحافة. غير أن هذه القراءات تبقى استنتاجات غير مؤكدة، ولا تغني عن الأدلة المادية التي ظلت غائبة.
توقف الجرائم
لا يعرف أحد على وجه اليقين لماذا توقفت الهجمات المؤكدة بعد عام 1969، رغم استمرار الرسائل سنوات، وتتعدد الفرضيات بين الوفاة أو السجن بسبب جرائم أخرى أو الانتقال إلى مكان آخر، دون دليل يرجح إحداها.
زودياك في الثقافة الشعبية
ألهمت القضية كتبًا وأفلامًا ووثائقيات عديدة، من أشهرها كتاب الصحفي ورسام الكاريكاتير روبرت غرايسميث الذي عمل في إحدى صحف سان فرانسيسكو آنذاك، والفيلم الذي أخرجه ديفيد فينشر عام 2007 مستندًا إلى كتابه. كما استلهمت أعمال خيالية كثيرة شخصية القاتل الذي يتحدى الشرطة برسائله، وأصبحت القضية مثالًا يُدرس في علم الجريمة عن دور الإعلام في قضايا القتل المتسلسل.
الإعلام بين الإخبار والإثارة
يناقش الباحثون كيف استغل القاتل الصحافة لنشر الرعب وتضخيم صورته، وكيف وازنت الصحف بين واجب إعلام الجمهور وخطر منح المجرم الشهرة التي يسعى إليها، وهي مسألة أخلاقية ما زالت مطروحة في التغطيات الإعلامية للجرائم.
أسئلة شائعة
كم عدد ضحايا زودياك المؤكدين؟
ينسب إليه المحققون خمس جرائم قتل مؤكدة ومحاولتين نجا فيهما ضحيتان، رغم أنه ادعى في رسائله عددًا أكبر بكثير.
هل عُرفت هوية القاتل؟
لا، فما زالت القضية مفتوحة رسميًا لدى بعض الجهات، ولم يُوجه اتهام لأي شخص حتى الآن.
لماذا سُمي زودياك؟
لأنه أطلق على نفسه هذا الاسم في رسائله، والكلمة تعني دائرة الأبراج، وارتبطت برمز الدائرة المتقاطعة الذي وقع به رسائله.
خلاصة
قضية زودياك مزيج نادر من العنف والغموض والتحدي العلني للسلطات، فقد بقيت هوية القاتل مجهولة رغم مرور عقود وحل بعض شفراته. وتكشف القضية حدود أدوات التحقيق في زمنها، وتذكّر بأهمية التوثيق الدقيق والتمييز بين الحقائق المؤكدة والروايات المبالغ فيها.
.png)

.jpg)