لماذا لا يقع العنكبوت في شباكه؟

يطرح كثيرون سؤالًا طريفًا وعلميًا في آن واحد: لماذا لا يقع العنكبوت في شباكه رغم أنها مصممة للإمساك بالحشرات وتثبيتها؟ والإجابة تكشف عن مزيج مدهش من الهندسة الدقيقة والتكيفات الجسدية والسلوكية التي يمتلكها هذا الكائن الصغير.

في هذا المقال نشرح تركيب الحرير وأنواعه، والفرق بين الخيوط اللاصقة وغير اللاصقة، والتكيفات التي تحمي العنكبوت من الالتصاق، ونتعرف على أنواع الشباك واستخداماتها المختلفة، مع حقائق علمية وإجابات عن أسئلة شائعة.

كيف ينسج العنكبوت شبكته؟

في الواقع ، فإن هذا الخيط الصغير الذي يظهر أمام العين المجردة مصنوع بالطريقة نفسها التي يصنع بها كابل الفحم ، حيث يتكون من خيوط عدة متناهية في الصغر ملتفة حول بعضها ، وقد يبلغ سمك الخيط الواحد منها( 1 ) من مليون من الإنش . ومواد الصنع شائعة جدا ، حيث يوجد في هكتار واحد من أحد المقاطعات البريطانية مثلا ، اكثر من مليوني وربع عنكبوت . ولكل عنكبوت مغازل خاصة ، عادة يبلغ عدده ثلاثة . وهذه المغازل طبيعية موجودة اسفل البطن . ويوجد قرب كل مغزل فتحات غدة صغيرة تخرج منها المادة التي تكون الخيوط الحريرية ، وهي مادة تتشكل في غدد العنكبوت . واثناء هندسة النسيج ، يقوم العنكبوت بجمع الخيوط الثلاثة معا لتكوين خصلة قوية ومتينة .
شبكة العنكبوت وسر عدم وقوعه في خيوطها


تغزل العناكب التي تعيش خارج المنزل نوع من النسيج معروف باسم الفلك نسبة الى شكله الدائري ، وهو قطعة هندسية رائعة من الخطوط المتناسقة التي تظهر بشكل بهي جدا تحت أشعة الفجر الأولى . وأنثى العنكبوت هي التي تقوم بمهمة بناء النسيج . وتستخدم ضغط بطنها ، لتدفع الخيوط الحرارية خارج الغدد الست الموجودة في بطنها ، وتقوم بربط طرف الخيط الأول ، المعروف باسم الجسر ، بساق عشبة ما ، أو ورقة شجر.

ثم تهبط الى الأرض مع الخصلة ، وهي مستمرة بعملية الحياكة ، ثم تنزل الى الأرض وتصعد إلى نقطة أخرى مرتفعة ، لتسحب الخيط بقوة ، وتربطه في مكانه جيدا باستخدام مادة لاصقة تخرج من إحدى غددها أيضا . فتقوم أولا بتثبيت خصلة ، بشكل أفقي دائما ، ثم تسقط خيطين حريرين في كل طرف من أطراف الخيط الأول ، وذلك لتكوين جسور أخرى اقل ارتفاعا من الأولى والتي ستصبح أساس شبكة العمل . ثم تقوم بغزل خيوط عدة داخل شبكة العمل هذه ، على أن تلتقي الخيوط جميعا في الوسط . وهنا يأتي العمل الذكي ، حيث تقوم بوضع المادة اللاصقة على الخيوط الخارجية من الشبكة فقط ، وعندما تنتهي كليا من صنع الشبكة تكمل عملية وضع الغراء في الداخل وعلى بعض المقاطع فقط بحيث تترك مكانا لها لتتحرك عليه بسهوله .

بعد إنجاز الشبكة ، تقوم العنكبوته بصنع عش صغير لها بالجوار ، وعادة ما تقوم بلف ورقة شجر وتضع لنفسها بالداخل سريرا مريحا من الحرير . لأنها بالطبع قد تنتظر طويلا قبل وصول ضحيتها الأولى .

واخيرا تقوم بوصل خيط انذار بين عشها والنسيج ، كي تشعر بأي اهتزاز قد يحدث على النسيج نتيجة سقوط أي حشرة عليه. وعند حدوث هذا الاهتزاز تسرع الى وسط النسيج لتعرف الشيء الذي ستتعامل معه . وبسبب الضعف الحاد في الرؤية عندها ستعتمد العنكبوته على حواسها الأخرى لتحديد صفات الفريسة . فإذا كانت ضخمة ومميتة تطلق سراحها من بعيد ، اما إذا كانت كبيرة ولا تؤكل ، كاليعسوب ، فستلفها بخيوط الحرير من بعيد أيضا ،باستخدام عضو متخصص آخر ، هو الغدة العنقودية الشكل . تجهد الحشرة الفريسة نفسها بمحاولة التخلص من الشرك ، بعد ذلك تبدأ العنكبوته بالتقدم نحوها عبر الخيوط الآمنة التي تركتها لنفسها دون مادة لاصقة ، وإذا صدف أن أخطأت مرة ووضعت أرجلها على المادة اللاصقة فإن جسمها سيفرز مادة كالزيت تعمل كمحلل كيميائي للغراء ، يساعدها على التحرر من جديد .

ما العنكبوت؟

العنكبوت ليس حشرة كما يظن البعض، بل ينتمي إلى طائفة العنكبيات التي تضم أيضًا العقارب والقراد والحلم. ويتميز بثمانية أرجل وجسم مقسم إلى جزأين رئيسيين، هما الرأس الصدري والبطن، بينما تمتلك الحشرات ستة أرجل وجسمًا من ثلاثة أجزاء. وتعيش العناكب في معظم بيئات اليابسة تقريبًا، ووصف العلماء عشرات الآلاف من أنواعها، وتملك جميعها القدرة على إنتاج الحرير، لكن ليست كلها تبني شباكًا للصيد.

الحرير: مادة استثنائية

يتكون حرير العنكبوت من بروتينات خاصة تُخزن في الغدد على هيئة سائل، ثم تتصلب عند خروجها عبر المغازل وتعرضها للشد. ويتميز بقوة كبيرة مقارنة بوزنه، حتى إن الباحثين يقارنونه بالفولاذ عند تساوي الوزن، كما يتمتع بمرونة عالية تسمح له بالتمدد وامتصاص طاقة الحشرة المندفعة دون أن ينقطع.

أنواع الخيوط في الشبكة الواحدة

يستطيع العنكبوت إنتاج أنواع متعددة من الحرير من غدد مختلفة، ولكل نوع وظيفة محددة:

  • خيوط الإطار والأشعة: قوية وجافة، تشكل الهيكل الذي تمتد عليه الشبكة من المركز إلى الأطراف.
  • الخيط الحلزوني اللاصق: يلتف حول المركز ويغطى بقطيرات دقيقة من مادة لزجة، وهو المسؤول عن احتجاز الفريسة.
  • خيط الأمان: يسحبه العنكبوت خلفه أثناء الحركة ليتدلى منه إذا سقط.
  • حرير التغليف: يستخدمه في لف الفريسة وتثبيتها، وكذلك في صنع أكياس البيض.

أسرار عدم الالتصاق

المشي على الخيوط الجافة

السبب الأول والأهم أن الشبكة ليست لاصقة بالكامل، فالأشعة الممتدة من المركز والمنطقة الوسطى غالبًا جافة، ويعرف العنكبوت مواضعها جيدًا، فيتحرك عليها ويتجنب قدر الإمكان الدوس على الخيوط الحلزونية اللزجة.

تركيب الأرجل

تنتهي أرجل العناكب الناسجة للشباك بمخالب دقيقة تعمل مثل الخطاطيف، فتمسك بالخيط بدل أن تلتصق به، إلى جانب شعيرات خاصة تقلل مساحة التلامس مع المادة اللزجة. ويصف الباحثون حركة العنكبوت على شبكته بأنها دقيقة ومحسوبة، إذ يلمس الخيوط بأطراف أرجله فقط.

طبقة واقية محتملة

اقترحت بعض الدراسات أن أرجل بعض الأنواع مغطاة بطبقة كيميائية تقلل التصاقها بالحرير اللزج، وإن كانت آلية ذلك وأهميتها لا تزال موضع بحث، ولا يتفق العلماء على أنها تنطبق على كل العناكب.

التنظيف المستمر

تقضي العناكب وقتًا في تنظيف أرجلها بأجزاء فمها، فتزيل ما يعلق بها من بقايا، مما يحافظ على فعاليتها في الحركة.

ومع كل ذلك فإن العنكبوت قد يعلق أحيانًا في شبكته إذا اضطرب أو تمزقت الخيوط، لكنه يتخلص من ذلك عادة بسهولة بفضل قوته وخبرته.

أنواع الشباك

  • الشبكة الدائرية: الشكل الكلاسيكي المعروف بأشعته وحلزونه، وتبنيه عناكب الحدائق.
  • الشبكة العشوائية: خيوط متشابكة دون نظام واضح، وتشاهد كثيرًا في زوايا المنازل.
  • الشبكة القمعية: سطح من الحرير ينتهي بأنبوب يختبئ فيه العنكبوت منتظرًا الفريسة.
  • الشبكة الصفائحية: طبقة أفقية تعلوها خيوط تعثر الحشرات فتسقط عليها.

وهناك عناكب لا تبني شباكًا للصيد أصلًا، مثل العناكب القافزة والذئبية التي تطارد فرائسها أو تكمن لها، لكنها تستخدم الحرير في أغراض أخرى كخيط الأمان وأكياس البيض.

كيف يتعامل العنكبوت مع فريسته؟

عندما تعلق حشرة في الشبكة تبدأ بالاضطراب محاولة التحرر، فتنتقل الاهتزازات عبر الخيوط إلى العنكبوت الذي يكون في المركز أو في مخبأ قريب متصل بخيط إشارة. ويستطيع من خلال شدة هذه الاهتزازات وإيقاعها أن يميز إلى حد ما بين فريسة صغيرة وجسم كبير أو ورقة شجر سقطت، ثم يقترب سالكًا الأشعة الجافة.

  1. يقترب بحذر ويحدد موقع الفريسة بدقة.
  2. يلدغها بأنيابه ليحقن السم الذي يشل حركتها.
  3. يلفها بسرعة بحرير التغليف بمساعدة أرجله الخلفية.
  4. ينقلها إلى المركز أو المخبأ ليتغذى عليها لاحقًا.

ولا تأكل العناكب طعامها بالمضغ كما تفعل الحيوانات الأخرى، بل تفرز عصارات هاضمة تذيب أنسجة الفريسة ثم تمتصها، وهي طريقة تعرف بالهضم الخارجي. وتستطيع كثير من الأنواع الصبر على الجوع فترات طويلة إذا شحّت الفرائس.

إعادة بناء الشبكة

تتلف الشباك بفعل الرياح والأمطار وحركة الفرائس، لذلك تعيد عناكب كثيرة بناءها بشكل متكرر، وقد تأكل بعض الأنواع الحرير القديم لتعيد استخدام بروتيناته في إنتاج خيوط جديدة، وهو مثال على الاقتصاد في الطاقة والموارد.

استلهام الإنسان من حرير العنكبوت

جذبت خصائص هذا الحرير اهتمام العلماء والمهندسين، فهم يدرسونه لتطوير مواد خفيفة وقوية يمكن أن تستخدم في الخيوط الجراحية والأنسجة الطبية والملابس الواقية. وبما أن تربية العناكب على نطاق واسع صعبة بسبب طبيعتها الانفرادية وميل بعضها إلى افتراس بعض، يحاول الباحثون إنتاج بروتينات مشابهة بطرق التقنية الحيوية.

أسئلة شائعة

هل كل العناكب سامة؟

تمتلك معظم العناكب سمًا تستخدمه لشل فرائسها، لكن الغالبية العظمى منها غير خطيرة على الإنسان، وعدد قليل فقط من الأنواع قد يسبب لدغات تحتاج إلى رعاية طبية.

هل العنكبوت مفيد للإنسان؟

نعم، فهو يتغذى على أعداد كبيرة من الحشرات، ومنها الذباب والبعوض وآفات المحاصيل، فيسهم في التوازن البيئي.

هل ذُكر بيت العنكبوت في القرآن الكريم؟

نعم، فهناك سورة تحمل اسم العنكبوت، وفيها تشبيه لمن يتخذون من دون الله أولياء ببيت العنكبوت في وهنه، ويتناول المفسرون دلالات هذا التشبيه في كتبهم.

خلاصة

لا يقع العنكبوت في شباكه لأنه يعرف أي الخيوط لاصق وأيها جاف، ولأن أرجله مزودة بمخالب وشعيرات تقلل الالتصاق، إضافة إلى عادات التنظيف المستمر. وهذه الشبكة الرقيقة التي نراها في الحدائق والزوايا تخفي وراءها هندسة متقنة ومادة تدرسها المختبرات الحديثة بحثًا عن تطبيقات مفيدة للإنسان.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !