أصبح الضوء المركز الذي يخرج من أجهزة خاصة جزءاً من حياتنا اليومية، فنجده في قارئات الأسعار بالمتاجر، وفي عيادات طب العيون والأسنان، وفي مصانع قطع المعادن، وفي شبكات الاتصالات التي تنقل بيانات الإنترنت عبر الألياف الضوئية. ويتناول هذا المقال الليزر (Laser): معناه ومبدأ عمله واستخداماته المختلفة، ثم يضيف لمحة تاريخية عن نشأة هذه التقنية، وشرحاً مبسطاً لمكونات الجهاز، وتصنيف درجات الخطورة، وقواعد السلامة الواجب اتباعها عند التعامل مع هذه الأشعة.
تعريف الليزر وخصائصه وأنواعه
لمحة تاريخية عن نشأة الليزر
تعود الأسس النظرية لهذه التقنية إلى عام 1917 حين تحدث ألبرت أينشتاين عن مفهوم الانبعاث المستحث، أي أن الذرة المثارة يمكن أن تُحفَّز بفوتون خارجي لتطلق فوتوناً مماثلاً له في الطاقة والاتجاه والطور. وبقيت الفكرة نظرية لعقود حتى جاءت الخمسينيات، فطُوّر جهاز الميزر الذي يعمل بالموجات الدقيقة بدلاً من الضوء المرئي، وكان للعالم الأمريكي تشارلز تاونز دور بارز فيه.
وفي عام 1960 نجح الفيزيائي الأمريكي ثيودور مايمان في تشغيل أول جهاز عملي باستخدام بلورة من الياقوت الصناعي، فكان ذلك بداية عصر جديد. وقد وُصف الاختراع في بداياته بأنه حل يبحث عن مشكلة، لكن التطبيقات توالت بعد ذلك في مجالات لم يكن يتخيلها أحد.
مكونات جهاز الليزر الأساسية
مهما اختلف نوع الجهاز وحجمه، فإنه يتكون عادة من ثلاثة عناصر رئيسية تعمل معاً.
الوسط الفعال
وهو المادة التي تحدث فيها عملية التضخيم، وقد تكون بلورة صلبة أو غازاً أو سائلاً صبغياً أو مادة شبه موصلة، ونوع هذا الوسط هو الذي يحدد الطول الموجي للضوء الناتج.
مصدر الضخ
وهو مصدر الطاقة الذي يرفع الإلكترونات في الوسط الفعال إلى مستويات طاقة أعلى، وقد يكون مصباحاً وامضاً أو تفريغاً كهربائياً أو تياراً كهربائياً مباشراً أو جهازاً آخر من النوع نفسه. والهدف من الضخ هو تحقيق ما يسمى الانقلاب السكاني، أي أن يصبح عدد الذرات المثارة أكبر من عدد الذرات في الحالة الأرضية.
المرنان الضوئي
ويتكون غالباً من مرآتين متقابلتين، إحداهما عاكسة بالكامل والأخرى عاكسة جزئياً. ويرتد الضوء بينهما مرات كثيرة فيتضخم في كل مرور، ثم يخرج جزء منه عبر المرآة الجزئية على شكل حزمة مركزة.
الأنماط المستمرة والنبضية
تعمل بعض الأجهزة بشكل متواصل فتطلق شعاعاً ثابت الشدة، بينما يعمل بعضها الآخر بنبضات قصيرة جداً قد تصل مدتها إلى أجزاء ضئيلة من الثانية. وتسمح النبضات القصيرة بتركيز طاقة هائلة في زمن قصير، وهو ما يفيد في القطع الدقيق للمواد وفي بعض الإجراءات الطبية التي تتطلب أقل قدر من الحرارة المنتقلة إلى الأنسجة المجاورة، كما يستخدمها الفيزيائيون لدراسة الظواهر التي تحدث بسرعة فائقة داخل الجزيئات.
تطبيقات إضافية في الحياة المعاصرة
- الاتصالات: تعتمد شبكات الألياف الضوئية على ليزرات صغيرة من أشباه الموصلات لنقل كميات هائلة من البيانات لمسافات طويلة.
- القياس الدقيق: تستخدم أجهزة قياس المسافات في البناء والمساحة، وقد استُخدمت عاكسات وضعت على سطح القمر في رحلات أبولو لقياس بعده عن الأرض بدقة كبيرة.
- الطب: في تصحيح النظر، وعلاج بعض أمراض الشبكية، وإزالة الشعر والوشوم، وبعض العمليات الجراحية الدقيقة، ويحدد الطبيب المختص مدى ملاءمة كل إجراء للمريض.
- الصناعة: في القطع واللحام والنقش على المعادن والخشب والبلاستيك بدقة عالية.
- البحث العلمي: في التحليل الطيفي، وتبريد الذرات، ودراسة التفاعلات الكيميائية السريعة.
- الحياة اليومية: في قارئات الباركود والطابعات وأجهزة العرض ومؤشرات العروض التقديمية.
تصنيف درجات الخطورة وقواعد السلامة
تُصنف الأجهزة دولياً في فئات بحسب قدرتها على إحداث الضرر، تبدأ من الفئة الأولى الآمنة في ظروف الاستخدام العادي، وتنتهي بالفئة الرابعة عالية القدرة التي قد تسبب حروقاً للجلد وإصابات خطيرة للعين، بل قد تشعل الحرائق. وتأتي بينهما فئات وسيطة تشمل كثيراً من المؤشرات الضوئية المتداولة.
إرشادات عامة للوقاية
- عدم توجيه الشعاع إلى العين مطلقاً، حتى لو كان الجهاز صغيراً.
- عدم توجيه المؤشرات نحو الطائرات أو السيارات لأن ذلك قد يسبب حوادث خطيرة ويعد مخالفة قانونية في كثير من الدول.
- استعمال النظارات الواقية المناسبة للطول الموجي في المختبرات والمصانع.
- إبعاد الأجهزة عن متناول الأطفال.
أسئلة شائعة
لماذا يكون ضوء الليزر بلون واحد؟
لأن الفوتونات تنتج عن انتقال إلكتروني محدد في الوسط الفعال، فتحمل طاقة متقاربة جداً، أي طولاً موجياً واحداً تقريباً.
هل كل أنواعه مرئية؟
لا، فبعضها يعمل في نطاق الأشعة تحت الحمراء أو فوق البنفسجية، ولا تراه العين مع أنه قد يكون خطيراً عليها.
ما الفرق بين ضوء المصباح العادي وهذا الضوء؟
ضوء المصباح ينتشر في كل الاتجاهات ويتكون من أطوال موجية متعددة غير متوافقة في الطور، أما هذا الضوء فمتماسك ومركز في اتجاه واحد وطول موجي محدد.
خلاصة
انطلقت هذه التقنية من فكرة نظرية في بدايات القرن العشرين، ثم تحولت بعد أول جهاز عملي عام 1960 إلى أداة لا غنى عنها في الطب والصناعة والاتصالات والبحث العلمي. ومع ما تقدمه من فوائد كبيرة، يبقى الالتزام بقواعد السلامة ضرورياً لتجنب أضرارها، خاصة على العين.
.png)
