معتز العزايزة | شخصية ملهمة في الإبداع والعطاء

برزت خلال السنوات الأخيرة أسماء شابة نقلت صورة الواقع الفلسطيني إلى العالم بأدوات بسيطة، في مقدمتها هاتف وكاميرا وحساب على منصات التواصل. ويأتي المصور معتز العزايزة في طليعة هؤلاء، إذ تحولت عدسته إلى نافذة يطل منها ملايين المتابعين على تفاصيل الحياة والمعاناة في قطاع غزة.

في هذا المقال نتعرف إلى سيرته، ثم نتناول ظاهرة صحافة المواطن وأثرها، وأخلاقيات التصوير في مناطق النزاع، والمخاطر التي يواجهها الصحفيون، والدروس التي يمكن أن يستفيد منها الشباب الطامحون إلى العمل في الإعلام الرقمي.

سيرة المصور ومسيرته المهنية

يُعد معتز عزايزة واحداً من أكثر الأصوات الصحفية الفلسطينية تأثيراً على مستوى العالم خلال السنوات الأخيرة، إذ تحوّل من مصور شاب مغمور إلى واحد من أبرز الشهود البصريين على الأحداث التي شهدها قطاع غزة، بفضل تغطيته المباشرة والمكثفة التي وصلت إلى ملايين المتابعين حول العالم عبر منصات التواصل الاجتماعي. في هذا المقال نستعرض السيرة الذاتية الموثقة لهذه الشخصية الإعلامية، ومسيرته المهنية، وأبرز محطاته منذ بداياته وحتى اليوم.

من هو معتز عزايزة؟

معتز هلال محمد عزايزة، صحفي ومصور فلسطيني وُلد في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة عام 1999. أنهى دراسته الجامعية وحصل على شهادة البكالوريوس في اللغة الإنجليزية من جامعة الأزهر بمدينة غزة عام 2021. ومنذ سنوات مبكرة من مسيرته، اتجه نحو مجال التصوير الفوتوغرافي والصحفي، حيث عمل متطوعاً في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني ابتداءً من عام 2017، قبل أن يبدأ بالتعاون مع جهات إعلامية دولية.

البدايات المهنية

قبل أن تتغير حياته بشكل جذري، عمل عزايزة مصوراً متعاوناً مع قناة "إيه بي سي نيوز" الأمريكية، كما شغل منصب صانع محتوى في وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، حيث كان يوثق من خلال عدسته تفاصيل الحياة اليومية في قطاع غزة قبل اندلاع الحرب، وينشر مقاطع فيديو تُظهر أجمل الأماكن والمعالم الفلسطينية باللغة الإنجليزية لجمهور عالمي واسع.

التحوّل إلى صوت عالمي خلال الحرب

مع اندلاع الحرب على قطاع غزة عقب أحداث السابع من أكتوبر 2023، تحوّل تركيز عزايزة بشكل كامل من توثيق الحياة اليومية إلى توثيق واقع الحرب ومجرياتها على الأرض، عبر مقاطع فيديو وصور نشرها يومياً على حسابه في إنستغرام. وخلال فترة قصيرة، ارتفع عدد متابعيه ليتجاوز الملايين حول العالم، ليصبح أحد أهم المصادر البصرية المباشرة التي نقلت الأحداث في غزة إلى الجمهور الدولي في وقت كانت فيه إمكانية وصول الصحفيين الأجانب إلى القطاع محدودة للغاية.

وصف عزايزة نفسه في أكثر من مناسبة بأنه "مصور" أكثر من كونه "صحفياً" بالمعنى المهني التقليدي، مؤكداً أن هدفه الأساسي كان نقل الصورة كما هي دون تدخل أو تحليل، ليترك للمشاهد حرية تكوين رأيه الخاص. وقد استمر في هذه التغطية اليومية لمدة 108 أيام متواصلة تحت ظروف بالغة الصعوبة.

خسارة شخصية أثناء التغطية

لم تكن مسيرة عزايزة في توثيق الحرب بعيدة عن التجربة الشخصية المؤلمة، إذ فقد عدداً كبيراً من أفراد عائلته خلال الأحداث، من بينهم عدد من أقاربه الذين قُتلوا في ضربة جوية استهدفت منزل العائلة في مخيم دير البلح في أكتوبر 2023. وقد شكّلت هذه الخسارة الشخصية جزءاً محورياً من قصته التي تناقلتها وسائل الإعلام العالمية، بوصفه صحفياً يوثق مأساة يعيشها هو شخصياً في الوقت ذاته.

مغادرة غزة والانتقال إلى الدوحة

في نهاية يناير 2024، وبعد أشهر من التغطية المستمرة تحت القصف، تمكّن عزايزة من مغادرة قطاع غزة عبر معبر رفح الحدودي متجهاً إلى مصر، ثم إلى العاصمة القطرية الدوحة. ووصف في مقابلات صحفية لاحقة، من بينها مقابلة مع شبكة "سي إن إن"، هذا القرار بأنه كان من أصعب القرارات في حياته، معبراً عن شعوره بالانقسام بين الحرص على سلامته الشخصية واستمرار معاناة من تركهم خلفه في غزة.

الظهور الإعلامي العالمي

بعد مغادرته، حظي عزايزة باهتمام إعلامي دولي واسع، وشارك في عدد من البرامج الحوارية البارزة، من بينها برنامج المذيع مهدي حسن على قناة "إم إس إن بي سي" في يناير 2024، حيث تحدث عن المخاطر التي واجهها أثناء توثيقه للأحداث تحت القصف. كما أجرت معه الأمم المتحدة مقابلة تحدث خلالها عن شعوره تجاه المجتمع الدولي وتجربته الشخصية كصحفي في منطقة نزاع.

أثره على مستوى التوثيق الصحفي الرقمي

يمثل معتز عزايزة نموذجاً بارزاً لما بات يُعرف بـ"صحافة المواطن" أو الصحافة الرقمية المباشرة، حيث اعتمد بشكل أساسي على هاتفه المحمول وحسابه على إنستغرام لنقل الأحداث لحظة بلحظة، متجاوزاً القنوات الإعلامية التقليدية التي واجهت قيوداً في الوصول إلى المنطقة. وقد أُشيد بتجربته على نطاق واسع باعتبارها مثالاً على كيفية تأثير الأفراد العاديين المسلحين بأدوات التواصل الحديثة في تشكيل الرأي العام العالمي تجاه قضايا كبرى.

خاتمة

تمثل قصة معتز عزايزة نموذجاً فريداً لصحفي شاب وجد نفسه في قلب حدث تاريخي مصيري، فحوّل عدسة هاتفه إلى نافذة يطل من خلالها العالم على واقع لم يكن بالإمكان الوصول إليه بسهولة عبر القنوات التقليدية. وبين الألم الشخصي الذي عاشه وفقدان أفراد من عائلته، والمسؤولية المهنية التي حملها على عاتقه، ترك عزايزة بصمة واضحة في المشهد الإعلامي الرقمي المعاصر، وأصبح اسمه مرتبطاً بواحدة من أكثر التجارب الصحفية تأثيراً في السنوات الأخيرة.

دير البلح: المدينة التي نشأ فيها

تقع دير البلح في المنطقة الوسطى من قطاع غزة، وتُعرف ببساتين النخيل التي اشتق منها اسمها، وبقربها من ساحل البحر المتوسط. وتضم المدينة مخيماً للاجئين الفلسطينيين، وتحمل أرضها آثاراً تعود إلى حقب تاريخية قديمة. وفي هذه البيئة التي تجمع بين البحر والزراعة والمخيم، تشكلت نظرة المصور الشاب إلى المكان وأهله، وهو ما انعكس في صوره الأولى عن جمال غزة قبل أن تتحول عدسته إلى توثيق الحرب.

صحافة المواطن وتغير المشهد الإعلامي

يُقصد بصحافة المواطن قيام أفراد ليسوا بالضرورة صحفيين محترفين بجمع الأخبار ونشرها عبر الإنترنت، معتمدين على الهواتف الذكية والشبكات الاجتماعية. وقد غيرت هذه الظاهرة معادلة الإعلام التقليدي، إذ لم يعد الخبر حكراً على المؤسسات الكبرى ومراسليها.

عوامل قوة هذا النوع من الإعلام

  • القرب من الحدث: فالمصور ابن المكان، يعرف ناسه ولغته وتفاصيله.
  • السرعة: تُنشر الصورة أو المقطع خلال دقائق دون المرور بسلسلة تحرير طويلة.
  • الطابع الإنساني: يركز على القصص الفردية والوجوه أكثر من الأرقام المجردة.
  • الوصول المباشر إلى الجمهور: دون وسيط، ما يتيح تفاعلاً فورياً مع المتابعين.

تحديات المصداقية

في المقابل يواجه هذا النوع من الإعلام تحديات تتعلق بالتحقق من المعلومات، وانتشار المقاطع المضللة أو المقتطعة من سياقها، ولذلك تؤكد مؤسسات الإعلام على أهمية توثيق مكان الصورة وزمانها، والتمييز بين نقل المشهد والتعليق عليه.

أخلاقيات التصوير في مناطق النزاع

يطرح التصوير في أوقات الحروب أسئلة أخلاقية دقيقة يتداولها المختصون في الصحافة، منها:

  1. احترام كرامة الضحايا والمصابين، وتجنب الصور التي تمتهن إنسانيتهم.
  2. مراعاة خصوصية الأطفال والعائلات، والحصول على موافقتهم حين يكون ذلك ممكناً.
  3. الموازنة بين ضرورة إظهار الحقيقة وتجنب الإثارة غير المبررة.
  4. التنبيه إلى المحتوى القاسي قبل عرضه على الجمهور.
  5. الصدق في التعليق المرافق للصورة وعدم تحميلها ما لا تحتمل.

المخاطر التي يواجهها الصحفيون

تعد مناطق النزاع المسلح من أخطر بيئات العمل الإعلامي، وتصدر منظمات معنية بحرية الصحافة تقارير متكررة عن الصحفيين الذين يفقدون حياتهم أو يصابون أثناء التغطية. ويكفل القانون الدولي الإنساني للصحفيين المدنيين الحماية بوصفهم مدنيين ما داموا لا يشاركون في الأعمال القتالية. ومن الإجراءات التي يوصي بها خبراء السلامة ارتداء الدروع والخوذ التي تحمل علامة الصحافة، والتدريب على الإسعافات الأولية، والتواصل الدائم مع فريق أو جهة تتابع تحركات الصحفي.

الأثر النفسي للتغطية

لا تقتصر المخاطر على الجانب الجسدي، فالتعرض اليومي لمشاهد الموت والدمار قد يترك آثاراً نفسية عميقة، خاصة حين يكون المصور نفسه جزءاً من المجتمع المنكوب. ولهذا تتزايد الدعوات إلى توفير الدعم النفسي للعاملين في الإعلام بعد انتهاء مهامهم.

دور المنصات الاجتماعية في نقل الصورة

أسهمت خوارزميات منصات مثل إنستغرام في إيصال المحتوى المصور إلى جمهور واسع خلال وقت قصير، لكنها في الوقت نفسه تخضع لسياسات إشراف على المحتوى قد تؤدي إلى حذف بعض المنشورات أو تقييد انتشارها، وهو ما يثير نقاشاً مستمراً حول حرية التعبير ومعايير النشر.

دروس للشباب الطامحين في الإعلام الرقمي

  • إتقان أساسيات التصوير والمونتاج ورواية القصة بالصورة.
  • تعلم لغة أجنبية تتيح مخاطبة جمهور عالمي، كما فعل العزايزة بدراسته للإنجليزية.
  • بناء الثقة مع الجمهور عبر الصدق والاستمرارية.
  • الحرص على السلامة الشخصية وعدم المجازفة دون ضرورة.
  • الاطلاع على مواثيق الشرف الصحفي وأخلاقيات المهنة.

أسئلة شائعة

ما التخصص الجامعي لمعتز العزايزة؟

درس اللغة الإنجليزية في جامعة الأزهر بغزة، وهو ما ساعده على مخاطبة الجمهور الدولي بلغته.

ما الفرق بين المصور الصحفي وصانع المحتوى؟

يعمل المصور الصحفي غالباً وفق معايير مؤسسية في التحقق والتحرير، بينما يتمتع صانع المحتوى بحرية أكبر في الأسلوب، وقد يجمع بعض الأشخاص بين الدورين.

لماذا انتشرت تغطيته عالمياً؟

لأنها جاءت من داخل الحدث مباشرة وبلغة يفهمها جمهور واسع، في وقت كان وصول الإعلام الأجنبي إلى القطاع محدوداً.

خلاصة

تمثل تجربة هذا المصور الفلسطيني نموذجاً على قدرة الفرد في العصر الرقمي على التأثير في الرأي العام العالمي، كما تكشف الثمن الإنساني الباهظ الذي يدفعه من ينقل الحقيقة من قلب المأساة. وتبقى قصته مصدر إلهام لجيل يرى في الصورة الصادقة وسيلة للعطاء والدفاع عن الإنسان.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !