لبن العصفور: حقيقة المثل الشعبي وأصل العبارة

تتردد عبارة لبن العصفور على ألسنة الناس في البيوت والأسواق، فهي كناية شعبية عن الشيء النادر الذي يصعب الحصول عليه، ويقولها المحب لمن يحب ليؤكد استعداده لتلبية كل طلب مهما كان عسيراً. غير أن وراء هذا التعبير المألوف سؤالاً علمياً طريفاً: هل تفرز الطيور فعلاً مادة تشبه الحليب تغذي بها صغارها؟

في هذا المقال نتعرف إلى أصل المثل ودلالته في الثقافة العربية وغيرها، ثم ننتقل إلى ما يعرفه علماء الأحياء عن حليب الحوصلة، وأنواع الطيور التي تنتجه، وطرق تغذية الفراخ عند الطيور الأخرى، مع إجابات عن أكثر الأسئلة تداولاً حول هذا الموضوع.

ما يقوله العلم عن لبن الطيور

لبن العصفور وحقيقة المثل الشعبي
منذ نعومة اظافرنا ونحن نسمع هذه العبارات " اذا بدك لبن العصفور بجيبلك اياه " ، " انا بعملك كل اشي حتى لبن العصفور بجيبه الك" ومثل هذه الجمل من قبل ان لبن العصفور صعب المنال ولا يمكن فعليا الوصول اليه ، لكن الواقع العلمي متوافق مع هذه المقولات حيث ان للعصفور لبن كما لغيره من الطيور وهو يحتوي على مواد بروتينية (كازينزجين) ودهن ، وسكر اللاكتوز ولكن لبن الطيور عامة يختلف عن اللبن الحيواني في بعض خواصه الطبيعية لأنه ليس سائل ، لكنه على هيئة فتات ابيض اللون هش سريع التكسر اشبه ما يكون بفتات الجبن الابيض.

حيث أنه في زمن حضانه البيض يتحور النسيج الداخلي لحويصلة الطائر تحوراً دهنيا ويزداد سمك الغشاء المبطن لهذه الحويصلة فيبلغ في الأناث مليمترا ونصف ، وفي الذكور ثلاثة مليمترات هذا وعلما بأن هذا الغشاء لا يزيد في الأوقات العادية على جزء من عشرة أجزاء من المليمتر ويفرز كلا من الذكر والأنثى اللبن من الحويصله لذلك يشترك كلاهما في إطعام الصغار ولعلنا جميعا رأينا كيف تضع العصفورة منقارها في فم فراخها معتقدين أنها تطعمهم فقط حبه شعير أو قمح ولكنها في الواقع تطعمهم لبناً حقيقياً تكون في الحويصلة وتقوم بإسترجاعه الى فمها ومن ثم الى منقارها ومنه الى فراخها.

أصل المثل الشعبي ودلالته

ينتمي هذا التعبير إلى طائفة واسعة من الأمثال التي تقوم على المبالغة، إذ يضرب المتكلم مثلاً بشيء يتخيله السامع مستحيلاً أو شبه مستحيل، فيصبح استعداده لإحضاره دليلاً على صدق المودة وكرم النفس. والمعنى الذي يفهمه السامع أن الطيور لا تُحلب كما تُحلب الأبقار والماعز، فمن أين يأتي الإنسان بحليبها؟ ومن هنا جاءت قوة الصورة البلاغية وسرعة انتشارها في اللهجات العامية في بلاد الشام ومصر والعراق والخليج.

حضور العبارة في الحياة اليومية

تستخدم الأمهات هذه الكناية مع أطفالهن، ويستخدمها الأزواج والأصدقاء في سياق الدعابة والتودد، كما يستعملها التجار أحياناً لوصف متجر يجمع كل البضائع، فيقال إن فيه كل شيء حتى حليب الطير. وفي بعض الأحيان تأتي في سياق ساخر لوصف شخص كثير الطلبات لا يرضيه شيء، فيقال إنه يطلب لبن العصفور، أي يطلب المستحيل.

التعبير في ثقافات أخرى

لا يقتصر هذا المعنى على العربية، فصورة حليب الطير بوصفه رمزاً للندرة والترف معروفة في ثقافات أخرى. ففي روسيا وبعض دول أوروبا الشرقية توجد حلوى مشهورة تحمل اسم حليب الطيور، وهي حلوى إسفنجية خفيفة مغطاة بالشوكولاتة، وقد اختير لها هذا الاسم للدلالة على أنها شيء فاخر ونادر. كما يذكر الباحثون في تاريخ الأمثال أن عبارة مشابهة كانت مستعملة في بعض النصوص اليونانية القديمة للإشارة إلى أقصى درجات الرفاهية. ويدل هذا التشابه على أن خيال الشعوب يلتقي كثيراً في اختيار الصور التي تعبر عن المستحيل.

حليب الحوصلة: الحقيقة العلمية وراء العبارة

يطلق علماء الطيور اسم حليب الحوصلة على مادة غذائية تفرزها بطانة الحوصلة لدى أنواع معينة من الطيور خلال موسم التكاثر. والحوصلة جزء متسع من المريء يخزن فيه الطائر الطعام مؤقتاً قبل أن ينتقل إلى المعدة، وهي معروفة لدى من يربي الدجاج والحمام. وفي فترة رعاية الصغار تتغير خلايا هذه البطانة تحت تأثير الهرمونات، فتتكاثر وتمتلئ بالمواد الغذائية ثم تنفصل على هيئة كتل طرية يعيدها الأب أو الأم إلى فم الفرخ.

الطيور التي تنتج هذه المادة

تشير المراجع العلمية إلى أن الظاهرة موثقة بوضوح لدى ثلاث مجموعات رئيسية من الطيور:

  • الحمام واليمام: وهي المثال الأشهر، إذ يعتمد صغار الحمام في أيامها الأولى اعتماداً شبه كامل على هذه المادة، ويشارك الذكر والأنثى معاً في إنتاجها وتقديمها.
  • طيور النحام (الفلامنغو): تفرز إفرازاً مشابهاً من الجزء العلوي من القناة الهضمية، ويكون لونه مائلاً إلى الحمرة بسبب الصبغات التي يحصل عليها الطائر من غذائه.
  • ذكور البطريق الإمبراطوري: يستطيع الذكر في ظروف معينة أن يطعم الفرخ حديث الفقس بإفراز غذائي من المريء إذا تأخرت عودة الأنثى من رحلة البحث عن الطعام في البحر.

بماذا يختلف عن حليب الثدييات؟

رغم التشابه في الاسم والوظيفة، فإن حليب الحوصلة يختلف عن حليب الثدييات في مصدره وتركيبه وقوامه. فهو لا يخرج من غدد ثديية، بل من خلايا بطانة القناة الهضمية، ولا يكون سائلاً بل يشبه الجبن الطري أو الكريمة الكثيفة. ويغلب على تركيبه البروتين والدهون، كما يحتوي على مواد مناعية وعوامل نمو تساعد الفرخ على النمو السريع في أيامه الأولى. ومن الطريف أن هرمون البرولاكتين، وهو الهرمون المسؤول عن إدرار الحليب عند الثدييات، يؤدي دوراً مهماً في تحفيز إنتاج هذه المادة عند الطيور أيضاً، وهو ما يعده العلماء مثالاً على تشابه الحلول البيولوجية بين كائنات متباعدة.

كيف تطعم العصافير صغارها؟

يبقى السؤال قائماً حول العصافير بمعناها الدقيق، أي الطيور الصغيرة المغردة كعصفور الدوري. فالمعروف في علم الطيور أن معظم هذه الأنواع تعتمد في تغذية فراخها على الحشرات واليرقات والديدان الصغيرة، لأنها غنية بالبروتين الذي يحتاجه الصغير للنمو وتكوين الريش. ولذلك نرى الأبوين يترددان على العش عشرات المرات في اليوم الواحد حاملين في مناقيرهما ما يصطادانه.

دور الأبوين في الرعاية

يتقاسم الذكر والأنثى عند كثير من الطيور مهمة الرعاية، فأحدهما يحرس العش أو يدفئ الصغار، والآخر يجلب الطعام، ثم يتبادلان الأدوار. وتفتح الفراخ مناقيرها واسعة عند اقتراب الأبوين، وتكون بطانة الفم عند بعضها ملونة بألوان زاهية تساعد الأبوين على توجيه الطعام إلى المكان الصحيح. ويعد هذا السلوك من أجمل مشاهد الطبيعة التي ألهمت الشعراء والأدباء معاني الحنان والتضحية.

الطعام المهضوم جزئياً

تلجأ أنواع كثيرة من الطيور إلى تقديم طعام مهضوم جزئياً تخرجه من الحوصلة أو المريء، كما تفعل النوارس وبعض الطيور الجارحة والبحرية. وهذا يختلف عن حليب الحوصلة الحقيقي، لأنه طعام ابتلعه الطائر ثم أعاده، وليس مادة تفرزها بطانة الحوصلة نفسها. والخلط بين الأمرين شائع في الكتابات العامة، ولذلك يحرص المختصون على التمييز بينهما.

ما يلاحظه مربو الحمام

يعرف مربو الحمام هذه الظاهرة جيداً، فهم يلاحظون أن الفراخ في أيامها الأولى لا تأكل الحبوب مباشرة، بل تدخل مناقيرها في فم أحد الأبوين وتتلقى منه غذاءً طرياً. ومع مرور الأيام يبدأ الأبوان بخلط هذه المادة بحبوب ملينة، ثم تتحول التغذية تدريجياً إلى الحبوب وحدها حين يقوى جهاز الفرخ الهضمي. ولهذا ينصح المربون عادة بعدم فصل الصغار عن آبائها مبكراً، وبتوفير غذاء متوازن وماء نظيف للأبوين خلال موسم التفريخ، لأن صحتهما تنعكس مباشرة على جودة ما يقدمانه لصغارهما.

دروس من الظاهرة

تكشف هذه الظاهرة أن كثيراً من الأمثال الشعبية تحمل جانباً من الطرافة حين نقارنها بالمعرفة العلمية. فالعبارة التي يقصد بها المستحيل تشير في الواقع إلى شيء موجود في الطبيعة، وإن كان لا يمكن جمعه أو حلبه كما تحلب المواشي. ومن هنا يمكن القول إن المثل صحيح في معناه المجازي، لأن الإنسان لا يستطيع عملياً الحصول على هذه المادة للاستعمال، وهو في الوقت نفسه يلامس حقيقة بيولوجية لم تكن معروفة لعامة الناس حين شاع.

  • تعلمنا الظاهرة أن الطبيعة تبتكر حلولاً متنوعة لمشكلة واحدة هي تغذية الصغار.
  • تذكرنا بأهمية التحقق من المعلومات المتداولة وعدم تعميم ما يصح على نوع واحد على جميع الطيور.
  • تفتح الباب أمام الأطفال والطلاب للتعرف إلى علم الطيور بأسلوب مشوق ينطلق من عبارة يعرفونها.

أسئلة شائعة

هل يمكن للإنسان أن يشرب حليب الطيور؟

لا يوجد استعمال غذائي لهذه المادة عند البشر، فكميتها ضئيلة جداً، وتنتج داخل جسم الطائر لفترة قصيرة، ولا يمكن جمعها بطريقة عملية. ولهذا يبقى المثل الشعبي صادقاً في معناه المجازي.

هل تفرز جميع الطيور هذا الحليب؟

لا، فالظاهرة محدودة بمجموعات معينة أشهرها الحمام والنحام والبطريق الإمبراطوري، أما معظم الطيور الأخرى فتطعم صغارها الحشرات أو البذور أو الأسماك أو طعاماً مهضوماً جزئياً.

لماذا يشارك الذكر في إنتاجه عند الحمام؟

لأن التغيرات الهرمونية المرتبطة بموسم التكاثر تصيب الجنسين معاً، فتتهيأ حوصلة الذكر والأنثى لإنتاج هذه المادة، وهو ما يضمن للفراخ مصدرين للغذاء ويزيد فرص بقائها.

خلاصة

عبارة لبن العصفور كناية عربية جميلة عن النادر والعسير، وتشاركها شعوب أخرى في صورتها ومعناها. أما من الناحية العلمية فإن بعض الطيور، وعلى رأسها الحمام والنحام والبطريق الإمبراطوري، تفرز فعلاً مادة مغذية من بطانة الحوصلة أو المريء تشبه الحليب في وظيفتها وتختلف عنه في تركيبها وقوامها، بينما تعتمد العصافير المغردة غالباً على الحشرات في تغذية فراخها. وهكذا يجمع المثل بين بلاغة اللغة الشعبية وطرافة الحقيقة الطبيعية.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !