تعد جلسات التفكير الجماعي من أهم الأدوات التي تعتمد عليها المؤسسات والفرق الناجحة لحل المشكلات وتطوير المنتجات والخدمات، وفي هذه الحلقة الثانية من سلسلة ابتكار الأفكار نركز على تصميم حلقة التفكير وتنظيمها. وإلى جانب ما يعرضه المقال الأصلي من أدوار ومراحل، نتناول هنا الأصول المنهجية لهذا الأسلوب، والفرق بين توليد الأفكار وتقييمها، ومهارات رئيس الحلقة، وأدوات عملية لتحفيز الخيال، إضافة إلى الأخطاء الشائعة التي تفسد الجلسات، وكيفية تحويل الأفكار المختارة إلى خطة تنفيذ واقعية قابلة للقياس.
تصميم حلقة ابتكار الأفكار

2-تحديد المهمة*من هو صاحب المشكلة؟*معروض أو مركب:
تصنف المشاكل إلى فئتين:
-مشاكل معروضة : تحدث لنا، ولا نستطيع التحكم فيها، ويمكن اعتبارها عوائق في طريقنا.
-مشاكل مركبة : وهي تحديات نضعها بأنفسنا، ونطلق عليها مشاكل.
تعمل طريقة ابتكار الأفكار على المشاكل المركبة بصورة فعالة .
*تحويل المشكلة
*تحرير هيكلية المشكلة:
تصنف المشكلة حسب هيكليتها إلى فئتين؛ فهي إما أن تكون حسنة الهيكلية وتمتاز بوضوح في الشروط الأساسية والأهداف ووسائل التنفيذ.
*المهمة كما هي:
اطلب من صاحب المشكلة أن يقدم وصفاً واقعياً للمشكلة.
3-وضع جدول مواعيدعادة تكون حلقة ابتكار الأفكار لا تتجاوز 45 دقيقة؛ وذلك لأن مستويات الطاقة ( توليد الأفكار) مرتفعة في الحلقة القصيرة.
تنقسم الحلقة إلى ثلاثة أجزاء:-استكشاف المشكلة كما يقترحها صاحب المشكلة أو المهمة.
-توليد الأفكار يولد الفريق أفكار لمعالجة المهمة.
-تطوير الحل: يقيّم الفريق نقاط القوة والضعف في الأفكار المطروحة.
*مراحل الإجراء:
يرتبط نجاح أي حلقة ابتكار للأفكار بالحدس والتصميم الدقيق.
*تحديد الأهداف:
تساعد عملية تحديد الأهداف والمواعيد النهائية من حلقة ابتكار الأفكار على حسن أداء فريق الحلقة.
الفكرة هي منتج عقلي فردي، والتفكير الفردي هو الأفضل لتوليد الأفكار، بينما التفكير الجماعي هو الأفضل لاعتماد الفكرة، ومن ثم يقوم التفكير الجماعي من خلال تنشيط الأفكار أو دمجها أو تطويرها أو تحسينها أو تعديلها.
لا بد من تهيئة بيئة الحلقة الابتكارية للأفكار؛ لأن ذلك سيؤثر على نتاجها من حيث حجم ونوعية المكان ووسائل الراحة والأمن، ونوعية الأدوات والمعدات المستخدمة في حلقة ابتكار الأفكار
الحلقة الثالثة
الجذور المنهجية لحلقات الابتكار
يشبه الأسلوب الموصوف في هذه السلسلة منهجيات معروفة في أدبيات الإبداع المؤسسي، أشهرها العصف الذهني الذي نشره رجل الإعلان الأمريكي أليكس أوزبورن في منتصف القرن العشرين، ومنهجية تعرف باسم سينكتكس طورها باحثون في مجال الإبداع، وتقوم على توزيع أدوار محددة داخل المجموعة، مثل قائد الجلسة وصاحب المشكلة والمشاركين، واستخدام التشبيه والاستعارة لرؤية المشكلة من زوايا غير مألوفة. ويلاحظ القارئ أن الأدوار الثلاثة المذكورة في المقال، أي رئيس الحلقة والزبون والمفكرين، قريبة من هذا التقسيم.
لماذا التفكير الجماعي؟
يجمع التفكير الجماعي بين خبرات ومعارف متنوعة، فيرى المهندس ما لا يراه المسوق، ويلتقط موظف خدمة العملاء تفاصيل يغفل عنها المدير. وعندما تُدار الجلسة جيداً يبني المشاركون على أفكار بعضهم، فتولد من الفكرة البسيطة فكرة أنضج. لكن الجلسات الجماعية قد تتعثر أيضاً إذا سيطر عليها صوت واحد أو خاف المشاركون من النقد، ولهذا كان تصميم الحلقة وإدارتها أمراً حاسماً.
توليد الأفكار وتقييمها: مرحلتان منفصلتان
من أهم المبادئ في جلسات الابتكار الفصل بين مرحلة توليد الأفكار ومرحلة الحكم عليها. ففي المرحلة الأولى يطلب من المشاركين إطلاق أكبر عدد ممكن من الأفكار دون نقد أو تقييم، حتى الغريب منها، لأن الفكرة غير الواقعية قد تفتح الباب لفكرة عملية. ويطلق الباحثون على هذا النوع من التفكير اسم التفكير التباعدي، أي التفكير الذي يتسع ويتفرع في اتجاهات كثيرة.
أما المرحلة الثانية فتعتمد على التفكير التقاربي، أي تضييق الخيارات وفحصها وفق معايير واضحة كالتكلفة والجدوى والأثر المتوقع والوقت اللازم. والخلط بين المرحلتين من أكثر أسباب فشل الجلسات، إذ يؤدي النقد المبكر إلى إسكات المشاركين وقتل الأفكار قبل أن تنضج.
قواعد ذهبية لمرحلة التوليد
- تأجيل الحكم على الأفكار حتى انتهاء مرحلة التوليد.
- الترحيب بالأفكار الجريئة وغير المألوفة.
- التركيز على الكم في البداية، لأن الكثرة تزيد فرص الوصول إلى فكرة متميزة.
- البناء على أفكار الآخرين وتطويرها بدلاً من رفضها.
- تدوين كل فكرة بوضوح أمام الجميع.
مهارات رئيس الحلقة
رئيس الحلقة أو الميسر ليس صاحب الأفكار، بل هو مدير العملية. ودوره أن يهيئ المناخ الآمن، ويضبط الوقت، ويوزع فرص الحديث بعدل، ويعيد الجلسة إلى مسارها عند الانحراف. ومن المهارات التي يحتاجها:
- الحياد: فلا يفرض رأيه ولا ينحاز لفكرة على حساب أخرى أثناء التوليد.
- الإصغاء النشط: بأن يعيد صياغة أفكار المشاركين ليتأكد من فهمها ويشجع على تطويرها.
- طرح الأسئلة المفتوحة: مثل كيف يمكن أن؟ وماذا لو؟ وما الذي يمنعنا من؟
- إدارة الشخصيات المختلفة: فيشجع الصامتين بلطف، ويحد من سيطرة المتحدثين كثيراً دون إحراجهم.
- التلخيص المرحلي: ليعرف الجميع أين وصلت الجلسة وما الخطوة التالية.
دور صاحب المشكلة
صاحب المشكلة، أو الزبون كما يسميه المقال، هو الشخص الذي يملك صلاحية تنفيذ الحل ويعرف تفاصيل الموقف. ووجوده ضروري لأنه يوضح الخلفية ويجيب عن الأسئلة، ثم يختار في النهاية الأفكار الجديرة بالتطوير. لكن عليه أن يحذر من رفض الأفكار مبكراً، وأن يستمع بانفتاح حتى إلى ما يبدو له غير قابل للتطبيق في البداية.
أدوات عملية لتحفيز الخيال
إعادة صياغة المشكلة
كثيراً ما تتغير الحلول بتغير طريقة صياغة السؤال. فبدلاً من السؤال كيف نخفض التكاليف؟ يمكن السؤال كيف نقدم القيمة نفسها بموارد أقل؟ أو كيف يمكن أن يساعدنا العملاء أنفسهم في تقليل التكلفة؟ وتبدأ صياغات كثيرة بعبارة كيف يمكننا، لأنها تفتح الباب للاحتمالات بدلاً من إغلاقه.
التشبيه والاستعارة
ومعناه أن نسأل: كيف تحل الطبيعة أو مجال آخر مختلف تماماً مشكلة تشبه مشكلتنا؟ فقد يستوحي فريق تنظيم الطوابير في مستشفى أفكاراً من طريقة عمل خلية النحل أو من نظام إدارة المطارات.
أسلوب سكامبر
وهو قائمة أسئلة شهيرة تساعد على تطوير فكرة أو منتج قائم، وتشمل الاستبدال والدمج والتكييف والتعديل والاستخدام في غرض آخر والحذف والعكس أو إعادة الترتيب. ويطرح الميسر كل سؤال على حدة ليستخرج من المشاركين أفكاراً جديدة.
الكتابة الصامتة
يكتب فيها كل مشارك أفكاره على ورقة أو بطاقات بصمت لعدة دقائق، ثم تجمع الأفكار وتناقش. وتفيد هذه الطريقة في إعطاء المشاركين الخجولين فرصة متساوية، وتقلل من تأثر الجميع بأول فكرة تطرح.
أخطاء شائعة تفسد الجلسات
- دعوة عدد كبير جداً من المشاركين، فيضيع الوقت ويقل التفاعل.
- غياب صاحب القرار، فتتحول الأفكار إلى أوراق لا تنفذ.
- مشكلة غامضة أو واسعة جداً، فيتشتت المشاركون.
- حضور مدير يخشى الموظفون إبداء الرأي أمامه، دون تهيئة مناخ آمن.
- إنهاء الجلسة دون خطوات تالية محددة ومسؤولين عنها.
من الفكرة إلى التنفيذ
الجلسة الناجحة لا تنتهي بقائمة أفكار، بل بخطة. فبعد اختيار الأفكار الأفضل يحدد الفريق ما يحتاجه كل منها من موارد، ومن المسؤول عن تطويرها، وما المؤشرات التي ستقاس بها النتائج، ومتى تكون المراجعة التالية. ومن المفيد تجربة الفكرة على نطاق صغير أولاً، كنموذج أولي أو تجربة محدودة، قبل تعميمها، لأن التجربة تكشف ما لا تكشفه النقاشات النظرية.
بناء ثقافة الابتكار
لا تكفي جلسة واحدة لصنع مؤسسة مبتكرة، فالابتكار ثقافة تبنى بالتكرار، وبتقدير أصحاب الأفكار، وبالتسامح مع الأخطاء التي تحدث أثناء التجربة، وبإشراك الموظفين في مختلف المستويات. وعندما يشعر الناس أن أفكارهم تسمع وتنفذ، تزداد رغبتهم في المشاركة.
توثيق الجلسة
يُستحسن أن يكلف أحد المشاركين بتوثيق الأفكار والقرارات، وأن ترسل نسخة منها إلى الجميع بعد الجلسة، حتى لا تضيع الأفكار الجيدة ويبقى الالتزام بالخطوات التالية واضحاً للجميع.
أسئلة شائعة
ما الفرق بين المشكلة المعروضة والمشكلة المركبة؟
المعروضة تفرضها الظروف ولا نختارها، أما المركبة فهي تحد نضعه لأنفسنا لتحقيق هدف أو تحسين وضع، وتكون أكثر قابلية للتعامل معها بأساليب الابتكار.
كم تستغرق جلسة ابتكار الأفكار؟
لا توجد مدة ثابتة، لكن كثيراً من الميسرين يفضلون جلسات مركزة تتراوح بين ساعة وثلاث ساعات مع فترات راحة، لأن الإجهاد الذهني يقلل جودة الأفكار.
هل يمكن عقد حلقات الابتكار عن بعد؟
نعم، فهناك أدوات رقمية للوحات التفاعلية والبطاقات الإلكترونية، مع ضرورة تنظيم الحوار جيداً حتى لا يضيع صوت أحد.
خلاصة
تصميم حلقة ابتكار الأفكار يبدأ باختيار فريق متنوع وتوزيع الأدوار بوضوح، وصياغة المشكلة بطريقة تفتح الاحتمالات، ثم الفصل بين توليد الأفكار وتقييمها، واستخدام أدوات تحفيز الخيال بإدارة ميسر محايد. وتكتمل الفائدة عندما تتحول الأفكار المختارة إلى خطة تنفيذ واضحة ضمن ثقافة مؤسسية تشجع الإبداع وتقدره.


