دماء صناعية بواسطة الخلايا الجذعية

تمثل فكرة إنتاج دماء صناعية بواسطة الخلايا الجذعية أحد أحلام الطب الحديث، فلو أمكن تصنيع خلايا حمراء في المختبر بكميات كبيرة لتراجع الاعتماد على المتبرعين، ولأصبح بالإمكان توفير وحدات مطابقة لأصحاب الفصائل النادرة، وتقليل مخاطر العدوى المنقولة. وقد قطع العلماء خطوات مهمة في هذا الطريق خلال العقدين الأخيرين.

نعرض في هذا المقال الخبر الأصلي عن جهود الباحثين البريطانيين، ثم نتوسع في شرح ماهية الخلايا الجذعية وأنواعها، وكيف تتحول إلى كريات حمراء، والتحديات العلمية والاقتصادية التي تواجه هذه التقنية، وأبرز التجارب السريرية المعروفة، والفرق بينها وبين بدائل الدم الكيميائية، والقضايا الأخلاقية المرتبطة بها.

تفاصيل الخبر العلمي

خلايا الدم الحمراء في مجرى الدم

يبدو أن المستقبل يحمل لنا العديد من الإكتشافات والتطورات التي لم تخطر لنا ببال، فهاهو اكتشاف جديد يدق أبواب الطب ليرفع الكثير من المعاناة عن المرضى وينقذ حياة الكثيرين ، فقد طور علماء بريطانيون دماء صناعية في المعمل عن طريق الخلايا الجذعية ومن المتوقع أن تصبح جاهزة للتجربة على الإنسان خلال عامين فقط!

تخيلوا ما سيحدثه هذا الإكتشاف من ثورة وفوائد كبيرة جداً في عالم الطب، فهو يؤمن مصدر جاهز للدماء في أي مكان وأي وقت بغض النظر عن فصيلة دم المريض!

كما أن هذه الدماء تتميز بخلوها من الأمراض الخطيرة التي يمكن أن توجد في دماء المتبرعين الطبيعية، وسيصبح من الأسهل والأسرع إنقاذ حياة الكثيرين ممن يتعرضون لحوادث على الطرقات أو كالجنود في ساحات المعارك.
دماء صناعية مصنعة بواسطة الخلايا الجذعية

من الجدير بالذكر أن الخلايا الجذعية تعتبر خلايا أولية يمكن أن يبنى منها خلايا أخرى لمناطق أخرى من جسم الإنسان، أي أنها تعتبر ”قطع غيار” يمكن استخدامها وقت الحاجة! لذا قام باستخدامها باحثين من جامعتي بريستول وإدنبرج وقاموا بتوليد مئات الآلاف من خلايا الدم الحمراء من خلايا جذعية مأخوذة من نخاع العظم، ولكن للأسف هذا العدد الكبير من خلايا الدم الحمراء لا يكفي حيث يحتاج الشخص العادي إلى حوالي 2.5 مليون خلية دم حمراء في عملية نقل الدم الواحدة.
التبرع بالدم وأهمية الدم الصناعي مستقبلا
يتوقف الأمر الآن على نوعية الخلايا الجذعية المستخدمة لإنتاج خلايا الدم الحمراء، فالباحثين يطمحون لإستخدام خلايا جذعية من الأجنة البشرية في عمر 4 أو 5 أيام و الناتجة عن التلقيح الصناعي والمتبرع بها خصيصاً لصالح البحث العلمي، أي أنها لا تكون أجنة كاملة أو حية بعد، فالخلايا الجذعية في هذه المرحلة من الأجنة يمكنها أن تتضاعف بسهولة مما يولد الكثير من خلايا الدم الحمراء صانعة الدماء المطلوبة، ويقول العلماء أن الخلايا الجذعية المأخوذة من جنين واحد فقط يمكنها أن تولد ما تحتاجه بريطانيا كلها من دماء!
جنين بشري بعمر عشرة أسابيع والأبحاث على الخلايا الجذعية

يواجه العلماء الكثير من الإنتقادات بهذا الصدد، حيث أن استخدام الأجنة في الأبحاث العلمية المتطورة يثير استهجان الكثيرين ، ويقول السيد ترنر المدير الطبي لخدمات نقل الدم الاسكتلندية أن هذا الإكتشاف المدهش سيكون ذا فائدة كبيرة جداً وإذا كانت القوانين ستمنع استخدام الخلايا الجذعية من الأجنة فإن العلماء سيحاولون الحصول على خلايا مشابهه من مصادر أخرى.

يذكر أيضاً أن فرنسا تقوم بأبحاث مشابهة لإنتاج دم صناعي وبدأت بالفعل في إجراء تجاربها الأولية على الإنسان. يبدو أن السباق في أوجه بين كبريات الدول لإنتاج هذه الدماء التي ستحدث ثورة كبيرة حول العالم وستغير الكثير من مجريات الأمور في عالم الطب.

ما هي الخلايا الجذعية؟

الخلايا الجذعية خلايا غير متخصصة تمتلك قدرتين أساسيتين: أن تنقسم لتنتج نسخاً من نفسها، وأن تتمايز لتصبح خلايا متخصصة كخلايا العضلات أو الأعصاب أو الدم. وتختلف أنواعها في مدى قدرتها على التحول.

أنواع الخلايا الجذعية

  • الخلايا الجذعية الجنينية: تؤخذ من أجنة مبكرة جداً، وتستطيع التحول إلى أي نوع تقريباً من خلايا الجسم، لكنها تثير جدلاً أخلاقياً.
  • الخلايا الجذعية البالغة: توجد في أنسجة البالغين كنخاع العظم، ومنها الخلايا الجذعية المكونة للدم، وقدرتها على التحول أكثر محدودية.
  • خلايا الحبل السري: تجمع من دم الحبل السري بعد الولادة، وتحتوي على خلايا جذعية مكونة للدم.
  • الخلايا الجذعية المستحثة: خلايا بالغة كخلايا الجلد يعاد برمجتها في المختبر لتعود إلى حالة تشبه الحالة الجنينية. وقد طور هذه التقنية العالم الياباني شينيا ياماناكا، ونال عنها جائزة نوبل في الطب عام 2012 بالاشتراك مع البريطاني جون غوردون، وهي تقلل من الحاجة إلى استخدام الأجنة.

كيف تتحول الخلية الجذعية إلى كرية حمراء؟

تتكون الكريات الحمراء في الجسم داخل نخاع العظم عبر سلسلة من المراحل، تبدأ بخلية جذعية مكونة للدم، ثم خلايا سلفية، ثم خلايا تبدأ بتصنيع الهيموغلوبين، وفي النهاية تطرد الخلية نواتها لتصبح كرية حمراء ناضجة على شكل قرص مقعر الوجهين، وهو شكل يمنحها مرونة للمرور عبر الشعيرات الدقيقة ومساحة أكبر لنقل الأكسجين. ويحاول العلماء في المختبر محاكاة هذه الرحلة بإضافة عوامل نمو ومواد كيميائية معينة إلى المزارع الخلوية على مراحل محددة.

لماذا يصعب الإنتاج بكميات كبيرة؟

يحتاج المريض في عملية النقل الواحدة إلى عدد هائل من الكريات الحمراء يقدر بمئات المليارات بل يتجاوز التريليون في الوحدة الواحدة، وهو رقم يفوق بكثير ما تنتجه المختبرات في العادة. ومن هنا جاءت الإشارة في الخبر إلى أن الكميات المنتجة لا تكفي بعد. ويضاف إلى ذلك أن نسبة من الخلايا المنتجة مخبرياً لا تطرد نواتها أو لا تنضج بالكامل، وأن المزارع تحتاج إلى أوساط غذائية وعوامل نمو مرتفعة الثمن، مما يجعل كلفة الوحدة الواحدة حالياً أعلى بكثير من كلفة الوحدة المتبرع بها.

تجارب سريرية وخطوات عملية

أعلن باحثون في المملكة المتحدة عام 2022 عن تجربة سريرية تُعد من الأولى من نوعها، نُقلت فيها كميات صغيرة جداً من كريات حمراء مزروعة مخبرياً إلى متطوعين أصحاء، بهدف دراسة مدة بقائها في الجسم مقارنة بالكريات الطبيعية، وشارك فيها فريق من جامعات بريطانية بالتعاون مع هيئة الدم الوطنية. ولا تهدف مثل هذه التجارب في مراحلها الأولى إلى علاج المرضى مباشرة، بل إلى التأكد من السلامة وفهم سلوك الخلايا المصنعة. ويؤكد الباحثون أن الطريق ما زال طويلاً قبل الاستخدام الروتيني.

من سيستفيد أولاً؟

يرى العلماء أن المستفيدين الأوائل المحتملين هم المرضى الذين يحتاجون إلى نقل متكرر مدى الحياة، كمرضى فقر الدم المنجلي والثلاسيميا، لأن النقل المتكرر من متبرعين مختلفين قد يؤدي إلى تكون أجسام مضادة تجعل إيجاد وحدات متوافقة أمراً صعباً. كما يمكن أن تفيد التقنية أصحاب الفصائل النادرة جداً الذين يصعب العثور على متبرعين مطابقين لهم.

الفرق بين الخلايا المصنعة وبدائل الدم الكيميائية

يخلط بعض الناس بين الكريات الحمراء المزروعة من خلايا جذعية، وبين ما يسمى بدائل الدم أو حاملات الأكسجين الصناعية. فالنوع الأول خلايا حية حقيقية تطابق الكريات الطبيعية في وظيفتها، أما النوع الثاني فهو مواد كيميائية أو بروتينية مصممة لحمل الأكسجين، كالمحاليل القائمة على الهيموغلوبين المعدل أو مركبات الفلوروكربون. وقد واجهت كثير من هذه البدائل مشكلات تتعلق بالسلامة والآثار الجانبية، ولم تحقق انتشاراً واسعاً في معظم دول العالم.

القضايا الأخلاقية

يثير استخدام الخلايا الجذعية الجنينية نقاشاً أخلاقياً ودينياً في كثير من المجتمعات، يتعلق بالوضع الأخلاقي للجنين المبكر وحدود البحث العلمي. وتختلف القوانين بين الدول في السماح بهذه الأبحاث وشروطها. ولهذا اتجه كثير من الباحثين إلى الخلايا المستحثة أو الخلايا البالغة وخلايا الحبل السري بوصفها بدائل أقل إثارة للجدل. ويرجع المهتمون في العالم الإسلامي إلى المجامع الفقهية والهيئات العلمية لمعرفة الضوابط الشرعية في هذا المجال.

تقنيات مساندة في المختبر

يستعين الباحثون بأدوات حديثة لتسريع هذا المجال، منها المفاعلات الحيوية التي تسمح بزراعة الخلايا في أحجام كبيرة مع التحكم الدقيق في الحرارة والأكسجين والمغذيات، وتقنيات تعديل الجينات التي تمكن من إنشاء خطوط خلوية قادرة على الانقسام فترات طويلة قبل تحفيزها على النضج. كما يدرس العلماء طرقاً لتقليل كلفة عوامل النمو المستخدمة في المزارع، لأنها من أكبر بنود الإنفاق في هذه العملية. ويأمل العلماء أن تنخفض الكلفة تدريجياً مع تطور هذه الأدوات، كما حدث في تقنيات طبية كثيرة من قبل.

هل نستغني يوماً عن التبرع؟

يتفق المختصون على أن التبرع بالدم سيبقى ضرورياً في المستقبل المنظور، فالتقنيات المخبرية ما زالت في مراحل البحث، وكلفتها مرتفعة، وكمياتها محدودة. ولذلك تواصل بنوك الدم في العالم دعوة الأصحاء إلى التبرع المنتظم، فوحدة واحدة قد تسهم في إنقاذ حياة مريض في حادث أو عملية جراحية أو ولادة متعسرة.

أسئلة شائعة

هل أصبح الدم الصناعي متاحاً في المستشفيات؟

لا، فالكريات الحمراء المزروعة مخبرياً ما زالت في مرحلة التجارب السريرية المبكرة، ولا تستخدم روتينياً في العلاج.

هل يمكن أن يكون الدم المصنع خالياً من الأمراض؟

من مزاياه المتوقعة إمكانية إنتاجه في ظروف مختبرية مضبوطة، مما يقلل نظرياً من خطر العدوى المنقولة، لكن ذلك يحتاج إلى إثبات عبر التجارب.

ما الفصيلة التي يسعى العلماء لإنتاجها؟

يركز بعض الباحثين على إنتاج كريات من فصيلة سلبية العامل الريسوسي ومن مجموعة يمكن نقلها لمعظم المرضى، لأنها الأكثر فائدة في الحالات الطارئة.

خلاصة

إنتاج الكريات الحمراء من الخلايا الجذعية إنجاز علمي واعد قد يغير مستقبل نقل الدم، خاصة لمرضى النقل المتكرر وأصحاب الفصائل النادرة. لكن التحديات المتعلقة بالكميات والكلفة والنضج الكامل للخلايا ما زالت كبيرة، والتجارب السريرية في بداياتها. وإلى أن تتحقق هذه الوعود، يبقى التبرع الطوعي الركيزة الأساسية لإنقاذ الأرواح.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !