بحيرة تقتل كل من اقترب منها !!

تبدو من الأعلى كبحيرة هادئة بألوان لافتة تتدرج بين الأحمر والبرتقالي والأخضر، لكنها في الحقيقة واحدة من أشهر المسطحات المائية الملوثة في العالم. إنها حفرة بيركلي في مدينة بيوت بولاية مونتانا الأمريكية، التي تعرف في المقالات العربية باسم البحيرة التي تقتل كل من اقترب منها. في هذا المقال نعرض ما يتداول عنها، ثم نشرح كيف تحولت من منجم نحاس مفتوح إلى بحيرة حمضية سامة، وما ظاهرة تصريف المناجم الحمضي، وجهود معالجتها، والكائنات الدقيقة الغريبة التي تعيش فيها، مع أمثلة لبحيرات خطرة أخرى حول العالم وما فيها من مبالغات شائعة.

حكاية البحيرة السامة

بحيرة سامة تقتل كل من اقترب منها


تصور انك تجد بحيرة شكلها فى غاية الجمال وعندما تقترب منها تفاجىء ان ملابسك قد اتحرقت وعيونك انعمت وجلدك بدأ بالذوبان وحلقك تلف.

اى انك انحرقت واصبت بالعمى والخرس وذاب جلدك ومت هذا كله فى دقائق!!

تقع هذه البحيرة في بيركلي ، في ولاية مونتانا يبلغ طولها 1 ميل بعرض نصف ميل وعمقها 270 متر . كانت في السابق منجم نحاس. تبدو حقا جميلة في هذه الصورة....

يمكنك شراء التذاكر لمشاهدتها من على مكان خاص. لكنها رغم جمالها الى أنها سامة جداً لدرجة لا يستطيع اي كائن العيش فيها.

على أي حال تقتل هذه البحيرة كل شيء تقريبا يأتي بالقرب منها. حيث أنه يُمنع السياح من الغوص فيها .وهذا ما تنصح به السلطات بشدة. لكن ما سبب تكون هذه البحيرة القاتلة و السامة، كما ذكرنا سابقاً فقد كانت هذه البحيرة منجما للنحاس اغلق عام 1982 و غُمرت مخلفات المنجم بالمياه الجوفية .

تتكون مياه البحيرة بشكل كبير من المنجنيز و مركبات النحاس و الحديد التي تذيب ملابسك و تحرق عيونك و تذيب جلدك و تتلف الحلق و ...

حسناً, لقد اتضحت الصورة. يمكن تشبيها كالمياه الحارقة، لا يوجد أسماك في البحيرة ولا يوجد عشب حولها و حتى البعوض لايقترب منها ليضع بيضه.

وهنالك خطط تجري لفلترة هذه المياه و ضخها لجعل مستويات السم تحت السيطرة و لكن تشير البيانات الى أن تنفيذ هذه الخطط سيستغرق وقتاً طويلاً.
بحيرة بيركلي السامة في الولايات المتحدة

لكن المفاجأة و قد صدق الله تعالى حينما قال: ( يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) ; سورة الروم (19) ،

فقد اكتشف العلماء مؤخراً وجود مئات المايكروبات الفريدة من نوعها و البكتيريا و الطحالب و الفطريات التي تحتويهم هذه الحفرة السامة و التي من الممكن أن تساعد في علاج أمراض السرطان.

من منجم نحاس إلى بحيرة حمضية

عرفت مدينة بيوت في ولاية مونتانا منذ أواخر القرن التاسع عشر بأنها من أغنى مناطق التعدين في الولايات المتحدة، حتى لقبت بالتل الأغنى على الأرض، لكثرة ما استخرج منها من النحاس والفضة وغيرهما. وكان التعدين في البداية يتم عبر أنفاق عميقة تحت الأرض، ثم تحول في منتصف القرن العشرين إلى أسلوب الحفر المفتوح، فنشأت حفرة بيركلي الضخمة التي توسعت على مدى عقود.

وطوال سنوات التشغيل كانت المضخات تعمل باستمرار لسحب المياه الجوفية ومنعها من إغراق المنجم والأنفاق المحيطة به. وعندما توقف التعدين وأوقفت المضخات في أوائل الثمانينيات، بدأت المياه الجوفية تتسرب إلى الحفرة وترتفع تدريجياً، حاملة معها معادن ذائبة من الصخور المكشوفة، فتكونت البحيرة التي نراها اليوم، وما زال منسوبها يتغير بحسب عمليات الضخ والمعالجة.

لماذا أصبحت المياه سامة؟

تحتوي الصخور في منطقة المنجم على معادن كبريتيدية، مثل البيريت الذي يعرف بذهب المغفلين. وحين تتعرض هذه المعادن للهواء والماء، تتأكسد وتنتج حمض الكبريتيك، الذي يذيب بدوره معادن ثقيلة من الصخور المحيطة مثل النحاس والزنك والحديد والمنغنيز والكادميوم والزرنيخ. ولهذا تتميز مياه الحفرة بحموضة عالية جداً تقارب حموضة بعض الأحماض المستعملة في المنازل، وبتركيزات مرتفعة من المعادن الذائبة، وهو ما يمنحها ألوانها اللافتة.

ظاهرة تصريف المناجم الحمضي

ما يحدث في حفرة بيركلي مثال واضح على ظاهرة بيئية تعرف بتصريف المناجم الحمضي، وهي من أخطر المشكلات المرتبطة بالتعدين حول العالم. فالمياه الحمضية المحملة بالمعادن قد تتسرب إلى الأنهار والمياه الجوفية، فتقتل الأسماك والكائنات المائية، وتلوث مصادر الشرب والري، وقد يستمر أثرها عقوداً أو قروناً بعد إغلاق المنجم.

طرق المعالجة

  • المعادلة الكيميائية: بإضافة مواد قلوية كالجير إلى المياه لرفع درجة الحموضة وترسيب المعادن.
  • الأراضي الرطبة الاصطناعية: تستخدم فيها النباتات والبكتيريا لامتصاص المعادن وتحسين جودة المياه.
  • استعادة المعادن: حيث يمكن استخلاص بعض المعادن الذائبة كالنحاس من المياه، فتتحول المشكلة إلى مورد جزئي.
  • منع التأكسد: بتغطية الصخور المكشوفة وعزلها عن الهواء والماء.

إدارة الموقع اليوم

أدرجت الحفرة والمنطقة المحيطة بها ضمن مواقع التنظيف البيئي الكبرى في الولايات المتحدة، وتخضع لبرنامج طويل الأمد لمراقبة منسوب المياه ومعالجتها قبل أن تصل إلى مستوى يهدد المياه الجوفية المحيطة. وتعمل محطة معالجة على ضخ جزء من المياه وتنقيتها، كما تتضمن الإجراءات وسائل لإبعاد الطيور المهاجرة عن سطح البحيرة، بعد حوادث نفقت فيها أعداد كبيرة من الطيور التي حطت على مياهها.

الحياة في البيئة القاتلة

من المفارقات المدهشة أن الباحثين اكتشفوا في هذه المياه الحمضية كائنات دقيقة قادرة على العيش فيها، من بكتيريا وفطريات وطحالب، تنتمي إلى ما يسمى الكائنات المحبة للظروف القاسية. وقد درس علماء هذه الكائنات بحثاً عن مركبات كيميائية جديدة قد تكون لها تطبيقات طبية، وأعلنوا عن مركبات أظهرت نشاطاً في التجارب المخبرية، لكن مثل هذه النتائج تبقى في مراحلها البحثية الأولى، ولا تعني وجود علاج متاح.

أهمية دراسة الكائنات المتطرفة

تهم هذه الكائنات العلماء لأسباب متعددة؛ فهي تكشف عن حدود الحياة على الأرض، وتفيد في فهم إمكانية وجود حياة في بيئات قاسية على كواكب أخرى، كما يمكن الاستفادة من بعضها في التعدين الحيوي ومعالجة التلوث، أي استخدام الكائنات الدقيقة لاستخلاص المعادن أو تنظيف المياه الملوثة.

بين الحقيقة والمبالغة

تصف بعض المقالات المتداولة البحيرة بعبارات مثيرة، كأن مجرد الاقتراب منها يذيب الجلد ويحرق الملابس خلال دقائق. والحقيقة أن المياه حمضية وسامة فعلاً وخطرة عند ملامستها أو شربها أو التعرض الطويل لها، وأن الطيور التي تحط عليها مدة طويلة معرضة للنفوق، لكن الزوار يشاهدونها بأمان من منصة مراقبة مخصصة دون أن يصيبهم أذى. فالخطر الحقيقي يكمن في الملامسة المباشرة، لا في الاقتراب من بعيد.

بحيرات خطرة أخرى حول العالم

  1. بحيرة نيوس في الكاميرون: بحيرة بركانية شهدت عام 1986 انطلاقاً مفاجئاً لكمية هائلة من غاز ثاني أكسيد الكربون المتراكم في أعماقها، فانتشر الغاز في الوديان المحيطة وتسبب في وفاة عدد كبير من السكان والحيوانات، وتعمل الجهات المختصة منذ ذلك الحين على تفريغ الغاز تدريجياً.
  2. بحيرة ناترون في تنزانيا: بحيرة شديدة القلوية وعالية الحرارة، لكنها في الوقت نفسه موطن مهم لتكاثر طيور الفلامنغو التي تكيفت مع ظروفها.
  3. نهر ريو تينتو في إسبانيا: نهر أحمر اللون شديد الحموضة بسبب تاريخ طويل من التعدين والمعادن الطبيعية في المنطقة، ويدرسه العلماء لكائناته الدقيقة الفريدة.
  4. البحيرات الحمضية البركانية: كبحيرة فوهة بركان كاواه إيجين في إندونيسيا، التي تعد من أكثر البحيرات حموضة في العالم.

مدينة بيوت وتاريخ التعدين

لا يمكن فهم قصة الحفرة دون معرفة تاريخ مدينة بيوت نفسها، فقد نمت المدينة بسرعة مع اكتشاف المعادن، واستقطبت عمالاً مهاجرين من بلدان أوروبية عديدة، فأصبحت في أوائل القرن العشرين من أكبر مدن المنطقة وأكثرها حيوية. وشهدت المدينة أيضاً صراعات عمالية حادة حول ظروف العمل والأجور في المناجم الخطرة. ومع تراجع التعدين انخفض عدد السكان، وتحولت المدينة إلى البحث عن مصادر دخل أخرى، منها السياحة التاريخية التي تعرض تراث التعدين، وتعد منصة مشاهدة الحفرة جزءاً منها.

دروس بيئية من حفرة بيركلي

تقدم قصة هذه البحيرة درساً بليغاً عن الكلفة البيئية طويلة الأمد للتعدين غير المنضبط، فالأرباح التي تحققت على مدى عقود خلفت وراءها مشكلة قد تستمر أجيالاً، وتتطلب أموالاً وجهوداً ضخمة للسيطرة عليها. ولهذا تتجه التشريعات البيئية الحديثة في كثير من الدول إلى إلزام شركات التعدين بوضع خطط لإغلاق المناجم وإعادة تأهيل المواقع، وتخصيص ضمانات مالية لذلك قبل البدء في الاستخراج.

أسئلة شائعة

أين تقع حفرة بيركلي؟

تقع في مدينة بيوت بولاية مونتانا في شمال غرب الولايات المتحدة، وهي منجم نحاس مفتوح سابق امتلأ بالمياه الجوفية الحمضية بعد توقف التعدين.

هل يمكن زيارة البحيرة؟

نعم، يمكن مشاهدتها من منصة مراقبة مخصصة للزوار، لكن لا يسمح بالاقتراب من المياه أو ملامستها.

هل تشكل البحيرة خطراً على المياه الجوفية؟

هذا هو مصدر القلق الأكبر، ولهذا تراقب الجهات المختصة منسوب المياه وتضخ جزءاً منها للمعالجة حتى لا يصل إلى مستوى يسمح بتسربها إلى المياه المحيطة.

لماذا تتغير ألوان البحيرة؟

بسبب المعادن الذائبة فيها وتفاعلاتها الكيميائية، إضافة إلى زاوية الضوء والطقس والكائنات الدقيقة، فتظهر بدرجات مختلفة من الأحمر والبرتقالي والأخضر.

خلاصة

حفرة بيركلي ليست بحيرة طبيعية، بل أثر من آثار التعدين، تكونت حين امتلأ منجم نحاس مفتوح بمياه جوفية تحولت إلى سائل حمضي مشبع بالمعادن الثقيلة. وهي اليوم موقع خاضع للمراقبة والمعالجة، وموضوع لأبحاث علمية عن كائنات دقيقة تتحدى الظروف القاسية، وتذكير دائم بأهمية حماية البيئة عند استغلال ثروات الأرض، وبأن ما يبدو جميلاً من بعيد قد يخفي خطراً حقيقياً لا يظهر إلا لمن يعرف قصته.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !