انتشرت جلسات النرجيلة في المقاهي والبيوت حتى صارت عند بعض الناس طقساً اجتماعياً يرافق السهر واللقاءات، ويعتقد كثيرون أنها أخف ضرراً من السجائر لأن الدخان يمر عبر الماء ويحمل نكهات الفواكه. لكن الأبحاث الطبية ومنظمات الصحة تحذر من أن مضار الشيشة حقيقية، وأن هذه القناعة الشائعة لا تستند إلى أساس علمي.
نستعرض في هذا المقال مكونات الأرجيلة وكيف تعمل، ونفند أبرز الخرافات المرتبطة بها، ونشرح أضرارها على القلب والرئتين والفم وعلى المحيطين بالمدخن، ثم نقدم خطوات عملية تساعد على الإقلاع.
ما تكشفه الدراسات عن أخطار الأرجيلة
وكما حذرت منظمة الصحة العالمية من الأخطار الصحية لتدخين الشيشة (الارجيلة) التي قالت انها تحمل نفس اخطار السجائر. واضافت ان ابحاثا لاحقة ينبغي ان تجرى لدراسة العلاقة بين «التدخين عبر الماء» وبين عدد من الامراض القاتلة. وقالت المنظمة في وثيقة من سبع صفحات نشرت سابقا ان «استخدام الشيشة لتدخين التبغ لا يعتبر بديلا آمنا لتدخين السجائر. وبعكس التصورات القديمة والاعتقادات الشعبية، فإن الدخان المنبعث من بلسم الشيشة يحتوي على عدد من المواد السامة التي يعرف عنها تسببها في حدوث سرطان الرئة وامراض اخرى».مكونات النرجيلة وطريقة عملها
تتكون الأرجيلة التقليدية من رأس يوضع فيه التبغ المعسل، ويغطى غالباً بورق ألمنيوم مثقوب يوضع فوقه الفحم المشتعل، ثم جسم معدني يصل الرأس بقارورة زجاجية مملوءة جزئياً بالماء، وخرطوم ينتهي بمبسم. وعندما يسحب المدخن الهواء يمر الهواء الساخن عبر الفحم والتبغ فيتكون الدخان، ثم يعبر الماء ويصل إلى الفم.
والتبغ المستخدم عادة هو المعسل، وهو تبغ مخلوط بالدبس أو العسل أو الجلسرين ومنكهات صناعية، وهذا ما يمنح الدخان رائحته الحلوة ويجعل الجلسة طويلة ومستساغة.
خرافات شائعة وحقائق مقابلة
الماء لا ينقي الدخان
يعتقد كثيرون أن الماء يرشح المواد الضارة، والواقع أنه يبرد الدخان فقط فيجعله أنعم على الحلق، فيستنشقه المدخن بعمق أكبر. أما النيكوتين وأول أكسيد الكربون والمعادن الثقيلة والمركبات المسرطنة فيصل معظمها إلى الرئتين.
المعسل الخالي من التبغ ليس آمناً
تروج بعض المنتجات على أنها عشبية أو خالية من النيكوتين، لكن احتراقها بالفحم يولد بدوره دخاناً يحتوي على أول أكسيد الكربون ومواد سامة أخرى، فتبقى الأضرار التنفسية والقلبية قائمة.
الجلسة الواحدة ليست قليلة
تمتد الجلسة عادة ساعة أو أكثر، ويأخذ المدخن خلالها عدداً كبيراً من الأنفاس العميقة، ولهذا تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن حجم الدخان المستنشق في جلسة واحدة قد يفوق بكثير ما يستنشق من سيجارة واحدة.
الأضرار الصحية الرئيسية
- الجهاز التنفسي: ترتبط بالتهابات القصبات وتراجع وظائف الرئة، وتشير الدراسات إلى صلتها بسرطان الرئة وأمراض الانسداد الرئوي.
- القلب والأوعية: يرفع النيكوتين ضغط الدم ونبض القلب، ويقلل أول أكسيد الكربون قدرة الدم على حمل الأكسجين، مما يزيد العبء على القلب.
- التسمم بأول أكسيد الكربون: سجلت المستشفيات حالات دوار وإغماء وصداع شديد بعد جلسات طويلة في أماكن سيئة التهوية، بسبب الغاز المنبعث من الفحم.
- الفم والأسنان: يرتبط التدخين المائي بأمراض اللثة وتصبغ الأسنان ورائحة الفم، وتربطه بعض الأبحاث بسرطانات الفم والمريء.
- الإدمان: يحتوي التبغ على النيكوتين المسبب للاعتماد الجسدي، فيشعر المدخن بالتوتر والرغبة الملحة إذا انقطع عنه.
- الخصوبة والحمل: يحذر الأطباء الحوامل من التدخين بجميع أشكاله لارتباطه بانخفاض وزن المواليد ومضاعفات أخرى.
العدوى ومشاركة المبسم
عندما يتناوب عدة أشخاص على الخرطوم نفسه تزداد فرصة انتقال الجراثيم والفيروسات عبر اللعاب، ومنها فيروسات الزكام وقروح الفم. كما أن الخراطيم والقوارير التي لا تنظف جيداً تشكل بيئة رطبة مناسبة لتكاثر الجراثيم، وهو ما تناولته بعض الدراسات الميدانية.
لمحة عن تاريخ النرجيلة وانتشارها
يرجح المؤرخون أن الأرجيلة ظهرت في شبه القارة الهندية أو بلاد فارس قبل قرون، وكانت تصنع في بداياتها من ثمرة جوز الهند المجوفة، ومن هنا جاء اسمها المأخوذ من كلمة تعني جوز الهند في الفارسية. ثم انتقلت إلى الدولة العثمانية والمشرق العربي، فتطورت أشكالها وزخارفها وصارت جزءاً من ثقافة المقاهي الشعبية. وفي العقود الأخيرة أسهم ظهور المعسل المنكه والمقاهي الحديثة في انتشارها بين الشباب والفتيات، بل وصلت إلى مدن أوروبية وأمريكية كثيرة، وهو ما دفع الجهات الصحية إلى تكثيف حملات التوعية بمخاطرها.
الكلفة المادية والاجتماعية
إلى جانب الكلفة الصحية، تستهلك العادة المتكررة جزءاً ملحوظاً من دخل الأسرة، خاصة عند ارتيادها في المقاهي بشكل يومي. كما أن السهر الطويل المرتبط بجلساتها قد يؤثر في النوم والعمل والدراسة، ويقلل الوقت المخصص للأسرة والنشاط البدني.
التدخين السلبي في المقاهي والبيوت
لا يقتصر الضرر على المدخن نفسه، فالدخان المتصاعد من رأس الأرجيلة ومن زفير المدخنين يملأ الأماكن المغلقة، ويستنشقه العاملون في المقاهي والأطفال في المنازل. ولهذا تفرض دول عديدة قيوداً على التدخين في الأماكن العامة المغلقة، وتنصح الجهات الصحية بعدم التدخين داخل البيوت والسيارات، حماية للأطفال وكبار السن والمصابين بأمراض الصدر.
كيف تقلع عن الأرجيلة؟
- حدد سبباً واضحاً: كصحتك أو أسرتك أو ميزانيتك، واكتبه أمامك.
- اختر موعداً للتوقف: واستعد له بالتخلص من الأدوات في البيت.
- غير الروتين الاجتماعي: اقترح على أصدقائك لقاءات في أماكن لا يدخن فيها، أو أنشطة كالمشي والرياضة.
- تعامل مع الرغبة الملحة: بشرب الماء والتنفس العميق وشغل اليدين والذهن، فهي تخف عادة بعد دقائق.
- اطلب الدعم المتخصص: عيادات الإقلاع عن التدخين يمكنها تقديم إرشاد سلوكي، وتحديد ما إذا كان العلاج الدوائي مناسباً لحالتك بعد تقييم الطبيب.
أسئلة شائعة
هل التدخين المائي أقل ضرراً من السجائر؟
لا تدعم الأدلة هذا الاعتقاد، فمنظمات الصحة تؤكد أنه يحمل أخطاراً مماثلة، وقد يزيد التعرض في الجلسة الطويلة على التعرض من السيجارة الواحدة.
هل يمكن الإدمان على الأرجيلة إذا دخنتها في المناسبات فقط؟
قد يبدأ الأمر عادة اجتماعية متقطعة، لكن النيكوتين يسبب الاعتماد تدريجياً، وكثيرون يجدون أنفسهم يزيدون عدد الجلسات مع الوقت.
هل يقلل استخدام مبسم شخصي من الضرر؟
يقلل المبسم الشخصي من خطر نقل العدوى بين المدخنين، لكنه لا يغير شيئاً في كمية الدخان والمواد السامة التي تصل إلى الجسم.
خلاصة
النرجيلة ليست بديلاً آمناً عن السجائر، فدخانها يحمل النيكوتين وأول أكسيد الكربون ومواد مسرطنة، والماء لا يزيل هذه المواد. ويمتد ضررها إلى المحيطين بالمدخن، ويضاف إليه خطر العدوى عند المشاركة. والإقلاع ممكن بالعزيمة وتغيير العادات والاستعانة بالمختصين عند الحاجة.
.png)
