كشف النقاب عن شعلة أولمبياد لندن ‎

تعد الشعلة الأولمبية من أبرز رموز الألعاب الأولمبية الحديثة، إذ تنتقل من مهدها في اليونان إلى البلد المضيف في رحلة تجوب المدن والقرى قبل أن توقد المرجل في حفل الافتتاح. وقد أثار الكشف عن شعلة أولمبياد لندن 2012 اهتماماً واسعاً بتصميمها الذهبي المثقب وفكرتها الرمزية المرتبطة بعدد حامليها.

يضم هذا المقال الخبر المنشور في حينه عن تصميم الشعلة، ثم يعرض تاريخ تقليد الشعلة الأولمبية، وطريقة إيقادها، ومعاني رحلتها، والتحديات الهندسية في تصميم المشاعل، مع إجابات عن أسئلة شائعة.

تفاصيل تصميم شعلة لندن

شعلة أولمبياد لندن 2012

كشفت اللجنة المنظمة لدورة الألعاب الأولمبية القادمة (لندن 2012) اليوم الأربعاء النقاب عن نموذج الشعلة الخاصة بالدورة والتي سيشارك ثمانية آلاف شخص في حملها خلال رحلتها في أرجاء المملكة المتحدة.


ويبلغ طول الشعلة 80 سنتيمتراً ووزنها 800 جرام لتصبح من أخف نماذج الشعلة وزناً عبر التاريخ الأوليمبي وطلي النموذج بلون ذهبي كما نقشت بكاملها بدوائر صغيرة مفرغة بلغ عددها 8000 دائرة في إشارة إلى عدد حاملي الشعلة خلال رحلتها.

ومن خلال هذه الدوائر المفرغة، يمكن رؤية لهب الشعلة بدلا من رؤيته من رأس الشعلة فقط.

وصمم الشعلة مجموعة من أمهر المصممين الهندسيين في العالم حيث اتخذت شكل يشبه قضيب أحد طرفيه أكثر عرضاً من الطرف الآخر فيما يأخذ شكل مثل قاعدته هي رأس الشعلة ولكنها ذات بعد محدود بينما رأس المثلث هي المؤخرة التي سيمسك بها حاملو الشعلة.
صور
تصميم شعلة دورة الألعاب الأولمبية لندن 2012

صور للشعلات السابقة
الكشف عن نموذج الشعلة الأولمبية في لندن

أصل الشعلة في التراث الأولمبي

ترتبط فكرة النار في الألعاب الأولمبية بجذورها الإغريقية القديمة، حيث كانت النار تحظى بمكانة رمزية في الطقوس الدينية، وكانت تبقى مشتعلة في بعض المعابد في أولمبيا. ومع إحياء الألعاب الأولمبية الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر بمبادرة من البارون الفرنسي بيير دي كوبرتان، استعيدت بعض الرموز القديمة تدريجياً.

وقد ظهر مرجل النار الأولمبية في دورة أمستردام عام 1928، ثم بدأ تقليد تتابع الشعلة من اليونان إلى المدينة المضيفة في دورة برلين عام 1936، ومنذ ذلك الحين أصبحت رحلة الشعلة جزءاً ثابتاً من الاستعداد لكل دورة صيفية، كما اعتمد تقليد مشابه للدورات الشتوية لاحقاً.

كيف توقد الشعلة؟

توقد الشعلة في موقع أولمبيا القديم في اليونان خلال احتفال رمزي، تؤدي فيه ممثلات يرتدين أزياء تحاكي كاهنات العصر الإغريقي دوراً تمثيلياً، وتستخدم مرآة مقعرة تجمع أشعة الشمس في نقطة واحدة فتشعل اللهب. ثم تنقل النار إلى أول حامل للشعلة، لتبدأ رحلتها داخل اليونان قبل تسليمها إلى ممثلي البلد المضيف.

رحلة الشعلة ومعانيها

لا تقتصر رحلة الشعلة على نقل النار من مكان إلى آخر، بل تحمل معاني رمزية متعددة تتجاوز الرياضة:

  • السلام والصداقة: يعبر اللهب عن قيم التلاقي بين الشعوب التي تقوم عليها الحركة الأولمبية.
  • الاستمرارية: تربط النار بين الألعاب القديمة والحديثة، وبين دورة وأخرى.
  • مشاركة المجتمع: يحمل المشعل رياضيون ومتطوعون وأشخاص من خلفيات متنوعة، فيشعر المجتمع بأن الحدث يخصه.
  • التعريف بالبلد المضيف: تمر الرحلة بالمعالم التاريخية والطبيعية فتصبح فرصة للترويج الثقافي والسياحي.

من يحمل الشعلة؟

تختار اللجان المنظمة المشاركين في التتابع عادة من فئات متنوعة، منهم رياضيون معروفون، وأشخاص قدموا خدمات لمجتمعاتهم، وشباب ملهمون، ويتم الترشيح بطرق مختلفة من دورة إلى أخرى. ويحمل كل شخص المشعل لمسافة قصيرة قبل أن يسلم اللهب إلى الشخص التالي عبر إشعال شعلته منها، ولذلك تصنع آلاف النسخ من التصميم نفسه.

هندسة تصميم المشاعل الأولمبية

يواجه مصممو المشاعل تحديات هندسية حقيقية، فهي يجب أن تكون خفيفة يسهل حملها والركض بها، وجميلة تعبر عن هوية البلد المضيف، وموثوقة لا ينطفئ لهبها بسهولة في الرياح والأمطار وتغير الارتفاعات ودرجات الحرارة.

عناصر التصميم الأساسية

  1. المادة: تستخدم غالباً سبائك معدنية خفيفة كالألمنيوم لتحقيق التوازن بين الخفة والمتانة.
  2. نظام الوقود: تعتمد المشاعل الحديثة على أسطوانة غاز مضغوط صغيرة داخل الجسم، مع آلية تنظيم تحافظ على ثبات اللهب.
  3. المقبض: يصمم بحيث يبقى بارداً نسبياً ومريحاً لليد.
  4. الرمزية: يحمل الشكل أو الزخارف دلالات مرتبطة بالمدينة المضيفة أو بقيم الدورة.

وقد صمم شعلة لندن 2012 الثنائي البريطاني إدوارد باربر وجاي أوسغربي، وجاء تصميمها بالشكل الثلاثي والثقوب الدائرية التي تشير إلى عدد حامليها، كما يوضح الخبر المنشور أعلاه. وتسهم الثقوب في تخفيف الوزن وفي تبديد الحرارة، إضافة إلى بعدها الجمالي.

شعلة لندن في سياق تاريخ المدينة الأولمبي

تتميز لندن بأنها من المدن القليلة التي استضافت الألعاب الأولمبية الصيفية أكثر من مرة، إذ استضافتها في عامي 1908 و1948 قبل دورة 2012. وجاءت دورة 1948 بعد الحرب العالمية الثانية في ظروف اقتصادية صعبة، فعرفت باسم ألعاب التقشف، وهو ما يعطي دورة 2012 بعداً تاريخياً خاصاً في ذاكرة المدينة.

محطات لافتة في تاريخ تتابع الشعلة

سعت البلدان المضيفة عبر العقود إلى ابتكار طرق مميزة لنقل النار الأولمبية، تعكس طبيعتها الجغرافية وتقدمها التقني، فتحولت الرحلة إلى عرض ثقافي يتابعه الملايين. ومن الأمثلة المعروفة على ذلك:

  • نقل الشعلة تحت الماء قرب الحاجز المرجاني العظيم في أستراليا قبيل دورة سيدني عام 2000، باستخدام شعلة خاصة صممت لتبقى مشتعلة تحت سطح البحر.
  • صعود الشعلة إلى قمة جبل إيفرست ضمن مسار دورة بكين عام 2008.
  • استخدام وسائل نقل تقليدية كالقوارب والخيول والقطارات في دورات مختلفة، إلى جانب الطائرات التي تنقل اللهب في مصابيح آمنة بين القارات.

سر حامل الشعلة الأخير

جرت العادة أن تحتفظ اللجان المنظمة بسرية هوية الشخص أو الأشخاص الذين يوقدون المرجل في حفل الافتتاح حتى اللحظة الأخيرة، وهي لحظة ينتظرها الجمهور بشغف، وغالباً ما يكون المختار رمزاً رياضياً أو وطنياً يحمل دلالة خاصة. ويعد إيقاد المرجل ذروة حفل الافتتاح وإعلاناً رمزياً لبدء المنافسات، ويبقى اللهب مشتعلاً طوال أيام الدورة حتى يطفأ في حفل الختام.

مصير المشاعل بعد الرحلة

في كثير من الدورات الحديثة يتاح للمشاركين في التتابع الاحتفاظ بالمشعل الذي حملوه أو اقتناؤها، فتتحول إلى تذكار شخصي ثمين. كما تحفظ نماذج منها في المتاحف الرياضية، ومنها المتحف الأولمبي في مدينة لوزان السويسرية حيث مقر اللجنة الأولمبية الدولية، الذي يعرض مجموعة من المشاعل التاريخية تتيح للزائر تتبع تطور التصميم من دورة إلى أخرى.

رموز أولمبية أخرى مرتبطة بالشعلة

يقف هذا الرمز الناري إلى جانب رموز أخرى تشكل الهوية البصرية للحركة الأولمبية، أبرزها الحلقات الخمس المتداخلة التي صممها كوبرتان لتعبر عن اتحاد القارات، والعلم الأولمبي ذو الخلفية البيضاء، والشعار اللاتيني الذي يعني الأسرع والأعلى والأقوى، إضافة إلى القسم الأولمبي الذي يؤديه ممثلو الرياضيين والحكام في الافتتاح. وتتكامل هذه الرموز مع النار الأولمبية لتذكر العالم بأن الألعاب ليست مجرد منافسة على الميداليات، بل مناسبة للتعارف والاحترام المتبادل.

الشعلة في الألعاب البارالمبية

للألعاب البارالمبية المخصصة للرياضيين من ذوي الإعاقة لهبها الخاصة ورحلتها المستقلة، وهي رحلة أقصر عادة من نظيرتها الأولمبية. وترتبط بريطانيا ارتباطاً تاريخياً بهذه الحركة، إذ تعد بلدة ستوك ماندفيل الإنجليزية مهد المنافسات الرياضية التي نظمت لمصابي الحرب في منتصف القرن العشرين، والتي تطورت لاحقاً إلى الألعاب البارالمبية المعروفة اليوم. ولذلك حملت استضافة لندن للدورتين معاً عام 2012 رمزية خاصة لدى المهتمين بالرياضة الشاملة للجميع.

الأبعاد الثقافية والاقتصادية لرحلة الشعلة

يمثل التتابع فرصة للمدن والبلدات الصغيرة كي تشارك في الحدث الأولمبي الكبير، حتى لو لم تستضف أي منافسة. فتنظم المجتمعات المحلية احتفالات على طول المسار، وتخرج المدارس والعائلات لمشاهدة اللهب وهو يمر في شوارعها. كما تستفيد الجهات الراعية والإعلام من الرحلة في الترويج، ويستغلها البلد المضيف لعرض تراثه ومعالمه أمام العالم. وفي المقابل تتطلب الرحلة جهوداً لوجستية وأمنية كبيرة لتنظيم المسار وحماية المشاركين والجمهور.

الشعلة بوصفها عملاً فنياً

ينظر كثير من المصممين ونقاد الفن إلى المشاعل الأولمبية بوصفها قطعاً من التصميم الصناعي الذي يعكس ذوق عصره، فبعضها تأثر بالفن الكلاسيكي وزخارفه، وبعضها مال إلى البساطة الحديثة والخطوط الهندسية النظيفة. ويمكن من خلال مقارنة المشاعل عبر الدورات المختلفة تتبع تطور المواد وتقنيات التصنيع وأذواق التصميم خلال قرن تقريباً. وهذا ما يجعل كل شعلة جديدة محل اهتمام ونقاش واسع عند الكشف عنها، تماماً كما حدث مع شعلة لندن الذهبية.

أسئلة شائعة

هل تبقى الشعلة مشتعلة طوال رحلتها؟

تحرص اللجان المنظمة على حفظ اللهب الأصلي في مصابيح خاصة تشبه مصابيح عمال المناجم، تستخدم لإعادة إشعال المشعل إذا انطفأت لأي سبب، وكذلك لنقل النار بالطائرات بين البلدان.

لماذا تختلف الشعلة من دورة إلى أخرى؟

لأن كل بلد مضيف يرغب في التعبير عن هويته وثقافته وتقنياته الخاصة، فيكلف مصممين بابتكار شكل جديد يحمل رسالة الدورة.

متى ظهر تتابع الشعلة لأول مرة؟

بدأ تقليد التتابع من أولمبيا إلى المدينة المضيفة في الألعاب الأولمبية الصيفية عام 1936 في برلين، واستمر منذ ذلك الحين جزءاً من الطقوس الأولمبية.

خلاصة

الشعلة الأولمبية رمز يجمع بين التاريخ الإغريقي القديم والروح الحديثة للحركة الأولمبية، وتوقد بأشعة الشمس في أولمبيا ثم تنتقل عبر آلاف الأيدي إلى المدينة المضيفة. وقد جاء تصميم شعلة لندن 2012 مثالاً على المزج بين الرمزية والهندسة، بثقوبه الدائرية التي تعبر عن حامليها ووزنه الخفيف. وتبقى رحلة الشعلة في كل دورة مناسبة تحتفي فيها الشعوب بقيم السلام والمشاركة والتنافس الشريف، وتجدد صلة الحاضر بإرث رياضي عريق يمتد آلاف السنين.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !