قطارات سريعة تودي براكبها الى جهنم..!!

يستعمل الوعاظ والكتّاب أحياناً صوراً حديثة لتقريب المعاني الإيمانية، ومن ذلك تشبيه الذنوب والعادات السيئة بقطارات سريعة تودي براكبها إلى جهنم إن لم يتداركه الله بالتوبة. وفي هذا المقال نعرض هذه القطارات كما وردت، ثم نتوسع في الحديث عن معنى التوبة وشروطها كما يذكرها العلماء، وخطورة التسويف، وأهمية بر الوالدين وأداء الحقوق، ووسائل عملية تعين المسلم على النزول من هذه القطارات والثبات على الطريق المستقيم.

القطارات التي يحذر منها المقال

قطارات سريعة تودي براكبها إلى جهنم
في الحقيقة هذا عدد من القطارات السريعة التي تودي براكبها الى جهنم وبئس المصير ، فإن ركبت احدها اخي الكريم سارع بالتوبة قبل فوات الآوان ، وإنزل منها فأنت لست من اهلها ولا هي من اهلك ، هذه القطارات هي:

القطار الأول


حب الدنيا ونسيان الآخرة والانكباب على هذه الدار الفانية صورة عارية من الفهم الصحيح لما يجب أن يكون عليه المسلم ، وقد وصف هذا النوع من مقارعة الملذات وحب الدنيا اكثر من الأخرة في الاية الكريمة التالية:
{ كَلَّا  بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا }
الفجر : 17 إلى 20

القطار الأول حب الدنيا ونسيان الآخرة

القطار الثاني

نسيان الوالدين في زحمة هذه الحياة وعدم المبالاة بأحزانهم وأفراحهم وعقوقهم، وكم من المسلمين اللذين لا يذكرون اهليهم الا في الاعياد والمناسبات وبعضهم نسي اهله حتى في المناسبات والاعياد ، لذلك فإن عقوق الوالدين قطار سريع يودي بصاحبه الى الجحيم والعياذ بالله ، وهذا نص رباني يحث على الاحسان للوالدين :
{ وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً }  
الإسراء

القطار الثاني من القطارات المودية إلى جهنم

القطار الثالث

السعي في الفساد والإفساد ليلا ونهارا سرا وجهارا ، والفساد مدعاة لغضب الرب ونزول عقابه على القوم المؤمنين ، ومن اعظم الفساد الفساد الظاهر والذي يتباها به الناس ، والذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم "كل امتي معافى الا المجاهر"، وقد ذكرهم الله عز وجل في هذه الاية ووصفهم وصفا دقيقاً:
{ الَّذِينَ طَغَوْا فِي البلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ }
الفجر

القطار الثالث من القطارات المودية إلى جهنم

القطار الرابع

ترك الصلاة وعدم التعبد لله لقد قام الله عز وجل بخلقنا لعبادته ، وليس الله بحاجة لعبادتنا فهو على كل شيء قدير بل نحن محتاجون لعبادته خوفا وطمعاً ووسيلة العبادة الرئيسية والتي امرنا بها هي الصلاة وترك الصلاة قطار سريع يودي بصاحبه الى سقر (نار جهنم) كما في النص القرآني التالي:
 { مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ*  وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِالدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ }
المدثر



لماذا يشبه الذنب بالقطار السريع؟

اختار الكاتب صورة القطار السريع لأنها تعبر عن أمرين: الأول أن الإنسان قد يركبه بخطوة صغيرة ثم يجد نفسه مندفعاً بسرعة لا يتحكم فيها، والثاني أن القطار يمضي إلى محطته الأخيرة ما لم ينزل الراكب في الوقت المناسب. وهذه صورة قريبة من المعنى الذي يذكره العلماء حين يتحدثون عن خطوات الشيطان، فالذنب الكبير يبدأ غالباً بتساهل صغير، ثم يتبعه تساهل آخر، حتى يألف القلب المعصية ويضعف عنده الإحساس بقبحها. ومن هنا جاء التحذير من التهاون بالصغائر ومن الإصرار عليها.

التوبة: باب مفتوح للنزول من القطار

من أعظم ما يطمئن المؤمن أن باب التوبة مفتوح ما دام الإنسان حياً قبل أن تبلغ الروح الحلقوم، وقبل طلوع الشمس من مغربها، كما يقرر العلماء استناداً إلى النصوص الشرعية. وقد وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة تدعو العباد إلى الرجوع إلى الله وتنهاهم عن القنوط من رحمته مهما عظمت ذنوبهم، وهو معنى متكرر في الوعظ الإسلامي.

شروط التوبة عند العلماء

يذكر كثير من العلماء أن التوبة الصادقة تقوم على شروط أساسية:

  1. الإقلاع عن الذنب: أي ترك المعصية فعلاً، فلا يصح أن يدّعي الإنسان التوبة وهو مقيم عليها.
  2. الندم على ما فات: أن يشعر القلب بالأسف والحزن على ارتكاب الذنب.
  3. العزم على عدم العودة: نية صادقة ألا يرجع إلى الذنب في المستقبل.
  4. رد الحقوق إلى أصحابها: إذا تعلق الذنب بحق إنسان آخر كالمال أو العرض، فلا بد من رد الحق أو طلب المسامحة.

وإذا ضعف الإنسان فعاد إلى الذنب بعد توبته، فإن العلماء ينبهون إلى أن عليه أن يجدد التوبة ولا ييأس، فالمهم ألا يستسلم للمعصية ولا يتخذها عادة.

خطر التسويف

من أخطر ما يقع فيه الناس تأجيل التوبة إلى وقت لاحق، كأن يقول أحدهم سأتوب حين أكبر أو حين أتزوج أو حين أتفرغ. والإنسان لا يعلم متى ينتهي أجله، فقد يأتيه الموت فجأة وهو ما يزال في القطار. ولذلك يحث الوعاظ على المبادرة، وعلى اغتنام الصحة قبل المرض، والفراغ قبل الشغل، والشباب قبل الهرم.

بر الوالدين حصن من الانحراف

تحدث المقال عن نسيان الوالدين في زحمة الحياة، وهذا من أكثر ما يقع فيه الأبناء اليوم مع انشغالهم بالعمل والأسرة والأجهزة الحديثة. وقد قرن القرآن الكريم الأمر بالإحسان إلى الوالدين بالأمر بعبادة الله في أكثر من موضع، وأكد العلماء أن عقوق الوالدين من كبائر الذنوب. ومن صور البر العملية:

  • زيارتهما بانتظام والسؤال عنهما هاتفياً عند البعد.
  • الإنفاق عليهما عند الحاجة دون منّ.
  • خفض الصوت عند الحديث معهما وتجنب الضجر من طلباتهما.
  • مشاركتهما أفراحهما وأحزانهما ورعايتهما في الكبر والمرض.
  • الدعاء لهما في الحياة وبعد الممات، وصلة أرحامهما وأصدقائهما.

قطارات أخرى يحذر منها العلماء

آفات اللسان

من أكثر الذنوب انتشاراً ما يتعلق باللسان كالغيبة والنميمة والكذب والسخرية من الناس، وهي ذنوب قد يستخف بها الإنسان لسهولتها، مع أن العلماء عدّوا بعضها من الكبائر لما تسببه من فساد في العلاقات وظلم للآخرين.

أكل الحقوق

ويشمل ذلك أكل مال اليتيم، والغش في البيع، والمماطلة في سداد الديون، وظلم العمال وتأخير أجورهم، وأخذ الميراث بغير حق. وهذه الذنوب تتعلق بحقوق العباد، فلا تكفي فيها التوبة بين العبد وربه، بل لا بد من رد الحق.

التهاون في الفرائض

ومن صور الانحراف ترك الصلاة أو تأخيرها عن وقتها بلا عذر، والتهاون في الزكاة والصيام، وهي أركان يؤكد العلماء مكانتها العظيمة في الدين.

وسائل عملية تعين على الثبات

  1. محاسبة النفس: تخصيص وقت يومي أو أسبوعي لمراجعة الأعمال والنيات.
  2. الصحبة الصالحة: مرافقة من يعين على الخير ويذكّر بالله، والابتعاد عن أصدقاء السوء.
  3. المحافظة على الصلاة وذكر الله: فهما يقويان صلة العبد بربه ويحميان من الغفلة.
  4. تعلم العلم الشرعي: بسؤال أهل العلم الموثوقين وقراءة الكتب المعتمدة، فالجهل باب من أبواب الوقوع في الذنب.
  5. الإكثار من الأعمال الصالحة: كالصدقة ومساعدة المحتاجين وصلة الرحم، فالحسنات يذهبن السيئات كما يقرر العلماء.
  6. تجنب مواطن الفتنة: فالوقاية أسهل من العلاج.
  7. تذكر الموت والآخرة: فالتفكر في قصر الدنيا وزيارة المقابر للعبرة من أنجع ما يوقظ القلب من غفلته.

قطار الانشغال بالشاشات

من صور الغفلة الحديثة التي ينبه إليها الدعاة الانغماس الطويل في الأجهزة ومواقع التواصل، حتى تضيع الصلوات عن أوقاتها، وتنقطع الصلة بالأهل، ويقضي الإنسان ساعات في متابعة ما لا ينفعه، وقد يقع في مشاهدة المحرمات أو نشر الشائعات والإساءة إلى الناس. والتقنية في ذاتها وسيلة يمكن أن تستعمل في الخير كطلب العلم وصلة الرحم، لكن المطلوب أن يضبط المسلم وقته، ويجعل لنفسه حدوداً واضحة، ويتذكر أنه مسؤول عن عمره فيما أفناه. ومن الوسائل المعينة تحديد أوقات لاستعمال الهاتف، وإغلاقه وقت الصلاة والجلوس مع الأسرة، واختيار المحتوى النافع.

التوازن بين الخوف والرجاء

يحذر العلماء من طرفين: من يغتر برحمة الله فيتمادى في المعاصي، ومن ييأس من رحمته فيترك العمل ويستسلم للذنب. والمنهج الوسط أن يعيش المسلم بين الخوف من عقاب الله والرجاء في رحمته، فالخوف يمنعه من الذنب، والرجاء يدفعه إلى التوبة والعمل الصالح. وصورة القطارات في هذا المقال إنما تهدف إلى التحذير والتنبيه، لا إلى التيئيس، فالراكب يستطيع دائماً أن ينزل ما دام في العمر بقية.

أسئلة شائعة

هل يقبل الله توبة من عاد إلى الذنب مراراً؟

يذكر العلماء أن على المسلم أن يجدد التوبة كلما أذنب، وألا ييأس من رحمة الله، مع الصدق في العزم على الترك. وللتفاصيل يُرجع إلى أهل العلم.

كيف يتوب من ظلم إنساناً؟

بالإضافة إلى الندم والإقلاع، يرد الحق إلى صاحبه أو يطلب منه المسامحة، فإن تعذر ذلك يسأل أهل العلم عن الطريقة المناسبة لحالته.

ما أول خطوة للنزول من قطار المعصية؟

الاعتراف بالخطأ مع النفس، ثم ترك الذنب فوراً، والابتعاد عن الأسباب والأماكن والأشخاص الذين يدفعون إليه.

خلاصة

تشبيه الذنوب بالقطارات السريعة صورة وعظية تنبه إلى أن المعصية تبدأ صغيرة ثم تجر صاحبها بسرعة إلى عواقب وخيمة. والطريق إلى النجاة هو التوبة الصادقة بشروطها، والمبادرة إليها دون تسويف، وبر الوالدين وأداء الحقوق، والمحافظة على الفرائض، وصحبة الصالحين، مع التوازن بين الخوف والرجاء، والرجوع إلى العلماء الموثوقين في المسائل الشرعية، وحسن الظن بالله الذي يفرح بتوبة عباده.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !