تحتل الشطة مكانة خاصة في مطابخ كثير من الشعوب، فهي تضفي على الأطعمة نكهة لاذعة مميزة، ويحرص عليها محبو المذاقات القوية في الشرق والغرب. وفي السنوات الأخيرة ازداد الاهتمام العلمي بالفكرة القائلة إن الفلفل الحار الأحمر يحرق السعرات ويسهم في ضبط الشهية، فأُجريت حوله دراسات متعددة.
نعرض في هذا المقال ما نقلته الأخبار عن إحدى هذه الدراسات، ثم نتعرف إلى مادة الكابسيسين المسؤولة عن الحرارة، وأنواع الفلفل ودرجات حدته، وقيمته الغذائية، وما يقوله العلم عن علاقته بالوزن، إضافة إلى أضراره المحتملة والفئات التي ينبغي لها الحذر.
نتائج الدراسة عن الفلفل والشهية

أثبتت دراسة علمية حديثة أن تناول الفلفل الحار أو “الشطة” بمعدلات معتدلة يساعد في حرق السعرات الحرارية ويعمل على خفض الشهية، خاصة بين الأشخاص الغير معتادين على تناوله.
ما هو الفلفل الحار؟
الفلفل الحار ثمار نباتات تنتمي إلى جنس الفليفلة من الفصيلة الباذنجانية، وهي الفصيلة نفسها التي تضم الطماطم والباذنجان والبطاطس. ويعود أصل هذه النباتات إلى الأمريكتين، حيث زرعها السكان الأصليون منذ زمن بعيد، ثم انتقلت إلى أوروبا وآسيا وأفريقيا بعد الرحلات البحرية الكبرى، وسرعان ما أصبحت جزءًا أساسيًا من مطابخ الهند وجنوب شرق آسيا والمكسيك وشمال أفريقيا وغيرها.
ويُستهلك الفلفل الحار بأشكال متعددة: طازجًا أو مجففًا أو مطحونًا، أو في صورة صلصات ومعاجين مثل الشطة والهريسة، كما يُستخدم مسحوقه في خلطات التوابل المختلفة. وتتنوع أصنافه تنوعًا كبيرًا في الحجم واللون ودرجة الحدة، من الأصناف الحلوة الخالية تقريبًا من الحرارة إلى أصناف شديدة اللذع.
الكابسيسين سر الحرارة
تعود الحرارة اللاذعة في هذه الثمار إلى مجموعة من المركبات أشهرها الكابسيسين، ويتركز معظمه في الأغشية البيضاء الداخلية التي تحمل البذور، لا في البذور نفسها كما يظن كثيرون. وعندما يلامس الكابسيسين الفم يرتبط بمستقبلات عصبية مسؤولة عن الإحساس بالحرارة، فيرسل الدماغ إشارات تشبه الإحساس بالحرق، رغم عدم وجود ارتفاع حقيقي في درجة حرارة الأنسجة.
لماذا لا يطفئ الماء اللسعة الحارة؟
الكابسيسين مادة لا تذوب في الماء بسهولة، بل تذوب في الدهون، ولهذا فإن شرب الماء قد ينشر المادة في الفم بدل إزالتها. أما منتجات الألبان كالحليب واللبن فتساعد على تخفيف الإحساس باللسعة، لاحتوائها على دهون وبروتينات ترتبط بالكابسيسين.
مقياس سكوفيل
تُقاس حدة هذه الثمار بمقياس يحمل اسم الصيدلي الأمريكي ويلبر سكوفيل الذي ابتكره في أوائل القرن العشرين. وكان يعتمد في الأصل على تخفيف المستخلص حتى يتوقف المتذوقون عن الإحساس بحرارته، أما اليوم فتُقاس نسبة المركبات الحارة بأجهزة تحليل مخبرية أكثر دقة. ويبدأ المقياس من الأصناف الحلوة الخالية من الحرارة، ويرتفع تدريجيًا حتى أنواع شديدة الحدة.
أنواع شائعة من الفلفل الحار
- الهالابينو: صنف مكسيكي متوسط الحرارة، يُستخدم طازجًا أو مخللًا.
- الكايين: صنف أحمر رفيع يُجفف ويطحن غالبًا ليصبح مسحوقًا حارًا شائع الاستخدام.
- الشطة البلدية: أصناف محلية صغيرة تنتشر في المطابخ العربية، وتختلف حدتها باختلاف الصنف.
- الهابانيرو: صنف صغير شديد الحرارة ذو نكهة فاكهية.
- البابريكا: مسحوق من فلفل أحمر قد يكون حلوًا أو خفيف الحرارة، ويستخدم لإضفاء اللون والنكهة.
الفلفل الحار في المطبخ العربي
عرفت المطابخ العربية الفلفل الحار وأدخلته في أطباق كثيرة، وإن تفاوتت درجة الإقبال عليه من بلد إلى آخر. ففي بلدان المغرب العربي تشتهر الهريسة التونسية المصنوعة من الفلفل الأحمر المجفف مع الثوم والتوابل وزيت الزيتون، وتقدم مع الكسكس والأطباق المختلفة. وفي اليمن ودول الخليج تنتشر صلصات حارة تقدم مع الأرز واللحوم، بينما يُضاف الفلفل الحار في بلاد الشام إلى بعض المقبلات والمخللات، ويُصنع منه دبس الفلفل المعروف في عدد من المناطق.
طرق حفظ الفلفل الحار
- التجفيف: يُنشر الفلفل في مكان جيد التهوية بعيدًا عن الرطوبة حتى يجف، ثم يحفظ كاملًا أو مطحونًا.
- التجميد: يمكن تجميد الفلفل الطازج كاملًا أو مقطعًا في أكياس محكمة لاستخدامه لاحقًا.
- التخليل: يُحفظ في محلول من الخل والملح، وهي طريقة شائعة في كثير من البيوت.
- الصلصات والمعاجين: يُطحن مع الزيت والثوم والملح ويحفظ في أوعية زجاجية نظيفة في الثلاجة.
ويُفضَّل حفظ المسحوق المطحون في عبوات محكمة الإغلاق بعيدًا عن الضوء والحرارة، لأن تعرضه لهما يُفقده لونه ونكهته مع مرور الوقت.
القيمة الغذائية للفلفل الحار
إلى جانب نكهتها المميزة، تحتوي هذه التوابل على عناصر غذائية مفيدة، وإن كانت الكميات التي يتناولها الناس عادة صغيرة نسبيًا. ومن أبرز ما يحتويه:
- فيتامين ج: تُعد الثمار الطازجة من المصادر الجيدة لهذا الفيتامين المهم للمناعة وصحة الجلد.
- فيتامين أ ومضادات الأكسدة: مثل الكاروتينات التي تمنح الفلفل الأحمر لونه الزاهي.
- الألياف الغذائية: بكميات قليلة تسهم في دعم الهضم.
- سعرات حرارية منخفضة: فهو يضيف النكهة إلى الطعام دون أن يزيد السعرات بشكل ملحوظ.
ماذا يقول العلم عن الفلفل وإنقاص الوزن؟
تشير بعض الدراسات إلى أن الكابسيسين قد يرفع إنفاق الطاقة بدرجة طفيفة لفترة مؤقتة بعد تناوله، وهو ما يُعرف بالتوليد الحراري الغذائي، كما تشير دراسات أخرى إلى أنه قد يقلل الشهية لدى بعض الأشخاص، خاصة غير المعتادين على الطعام الحار. غير أن الباحثين ينبهون إلى أن هذا التأثير محدود في حجمه، ويختلف من شخص لآخر، وقد يضعف مع الاعتياد على الطعام الحار.
حدود هذه النتائج
من المهم وضع هذه النتائج في سياقها الصحيح، فكثير من الدراسات أجريت على عدد محدود من المشاركين ولفترات قصيرة. ولا يمكن اعتبار الفلفل الحار وسيلة سحرية لإنقاص الوزن، فالأساس يبقى في التوازن بين السعرات المتناولة والمحروقة، واتباع نظام غذائي متوازن، وممارسة النشاط البدني بانتظام، والحصول على نوم كافٍ.
كيف يمكن الاستفادة منه بشكل معقول؟
- استخدمه لإضفاء نكهة على الأطعمة الصحية كالخضروات المشوية والبقوليات والشوربات بدل الصلصات الغنية بالدهون.
- ابدأ بكميات صغيرة إذا لم تكن معتادًا عليه، وزدها تدريجيًا حسب قدرتك على التحمل.
- لا تعتمد على المكملات المركزة دون استشارة الطبيب، فهي تختلف عن التوابل الطبيعية في تركيزها.
- اجمع بينه وبين عادات صحية أخرى، فأثره وحده يبقى محدودًا.
الأضرار المحتملة ومن يجب عليه الحذر
رغم أن الفلفل الحار آمن لمعظم الناس عند تناوله باعتدال ضمن الطعام، فإن الإفراط فيه قد يسبب بعض الأعراض المزعجة، كما تحتاج فئات معينة إلى الحذر:
- مرضى الارتجاع المريئي وحرقة المعدة: قد يزيد الطعام الحار من أعراضهم لدى بعضهم.
- من يعانون من القولون العصبي: قد يلاحظ بعضهم تهيجًا في الأمعاء بعد الأطعمة الحارة.
- مرضى البواسير والشرخ الشرجي: قد يشعرون بانزعاج إضافي بعد تناوله.
- الأطفال الصغار: تكون أفواههم وأجهزتهم الهضمية أكثر حساسية.
- من يتناولون أدوية معينة: يُنصح باستشارة الطبيب أو الصيدلي عند استخدام المكملات المحتوية على الكابسيسين.
نصائح عند التعامل مع الفلفل الحار
ارتدِ قفازات عند تقطيع الأنواع شديدة الحرارة، وتجنب لمس العينين والوجه بعد ملامسته، واغسل يديك جيدًا بالماء والصابون. وإذا شعرت بلسعة قوية في الفم فتناول قليلًا من الحليب أو اللبن أو قطعة خبز لتخفيفها.
أسئلة شائعة
هل الفلفل الحار يحرق الدهون فعلًا؟
تشير بعض الأبحاث إلى أنه قد يرفع حرق الطاقة بدرجة بسيطة ومؤقتة، لكنه لا يغني عن الغذاء المتوازن والنشاط البدني، ولا يُعد علاجًا للسمنة.
هل يضر الفلفل الحار المعدة؟
لا يسبب ضررًا لأغلب الأصحاء عند تناوله باعتدال، لكنه قد يزيد الأعراض لدى من يعانون من مشكلات هضمية، ويُنصح هؤلاء باستشارة الطبيب.
هل البابريكا مثل الفلفل الحار؟
البابريكا مسحوق فلفل أحمر، وقد تكون حلوة أو خفيفة الحرارة، ولذلك تحتوي عادة على كمية أقل من الكابسيسين مقارنة بالكايين والشطة.
هل الأجزاء البيضاء والبذور هي الأكثر حرارة؟
تتركز المادة الحارة أساسًا في الأغشية البيضاء الداخلية التي تلتصق بها البذور، ولذلك فإن إزالة هذه الأغشية مع البذور يخفف الحدة بشكل ملحوظ لمن يفضل نكهة أهدأ.
خلاصة
يجمع الفلفل الأحمر بين النكهة القوية والقيمة الغذائية الجيدة، وتشير أبحاث متعددة إلى أن مادة الكابسيسين قد تسهم بقدر محدود في رفع حرق الطاقة وتقليل الشهية لدى بعض الأشخاص. غير أن هذا الأثر لا يحل محل نمط الحياة الصحي، ويبقى الاعتدال في تناوله واستشارة الطبيب عند وجود مشكلات هضمية أو صحية هو النهج الأسلم للاستمتاع بفوائده.
.png)