بايروكينيزس (Pyrokinesis)

يثير مصطلح بايروكينيزس (Pyrokinesis) فضول محبي الغموض والخيال العلمي، فهو يشير إلى قدرة مزعومة على إشعال النار أو التحكم فيها بقوة العقل وحدها. وقد اشتهر هذا المفهوم بفضل الروايات والأفلام والمسلسلات، حتى صار جزءًا من ثقافة القوى الخارقة في الأعمال الشعبية.

نعرض في هذا المقال المعلومات المتداولة حول المصطلح وأمثلته، ثم نتناول موقف العلم من الظواهر النفسية الخارقة، وتفسيرات حوادث الاحتراق الغامضة، وكيف تعاملت السينما والأدب مع هذه الفكرة، ولماذا يميل الناس إلى تصديق مثل هذه القصص.

المصطلح ونظرياته وأمثلته المتداولة


ظاهرة بايروكينيزس Pyrokinesis إشعال النار بقوة العقل

هي كلمة مشتقة من اليونانية بمعنى (πυρ (PUR، والتي تعني "النار والبرق" و κίνησις كان (كينسيس، ومعناها "الحركة")، والتي صيغت من قبل روائي الرعب المعروف (ستيفن كينغ) ويقصد بها القدرة على إشعال  أو السيطرة على اطلاق النار من خلال العقل ، والذي أعطاه لبطل رواياته (تشارلي ماكجي) في فلم ( Firestarter).
مشهد تمثيلي لظاهرة الحرق الذاتي بايروكينيزس

وهي كلمة موازية ل التحريك الذهني ، وإن كان يمكن القول إن "تيلي ل" (اي "من بعيد") بدلا من "كينسيس" هو الجزء الذي يجب ان يكون ، ليتحقق المعنى بشكل دقيق.

لقد ظهر هذا المعنى في العديد من الافلام والكتب ، والمسلسلات التلفزيونية ، واكتسب ذلك شعبية كبيرة جداً ، ولعل من اشهر هذه الافلام فلم " الفتاة تحترق " وفلم "العدو من خلفنا" ، وغيرها من الافلام.

نظريات

لقد عبرت معظم الاعمال السينمائية عن هذه الظاهرة بأنها القدرة على تسريع حركة الذرات والجزيئات في جسم الكائن المراد اشعال النار به ، مما يعمل على زيادة الطاقة الحرارية في هذا الجسم ، ومن خلال هذه الطاقة الحرارية العالية جداً ، تشب النار في الشخص المراد احراقه ، او تندفع النيران من الشخص اليه عن طريق الطاقة الحركية كذلك ، ويفسر نقل النار من الشخص صاحب هذه الميزة الى الاخر بأن المقصود بتسريع الذرات لا يقتصر على الاشخاص والاحياء بل قد يمتد ليشمل الهواء الذي يتم من خلاله نقل النار الى الشخص الأخر.

ستيفن كينغ، والمؤلفين غريش واينبرغ يقولان بأن نقل النار او اشعالها في جسم ما  "ممكن بشكل غامض" .

أمثلةعلى ( pyrokinesis)

في حالة (أندروود)  ، وقد حدثت هذه القصة في القرن 19في الولايات المتحدة الأمريكية ، وقد حققت هذه القصة شهرة كبيرة جداً ، فقد ادعى (اندراود) القدرة على التحكم في عناصر النار المختلفة .
شخص احترق دون سبب معروف في ظاهرة الاحتراق الذاتي
صورة حقيقية لاحد الاشخاص الذين احرقوا دون سبب معين

لكن العلماء قالوا بأنه قد اخفى قطعة من الفوسفور، أو قام بإلقاءها ويذكر أن درجة احتراق الفسفور الابيض تصل الى ثلاثين درجة مؤية اي اقل من درجة حرارة جسم الانسان ، ففي حال القاءها على جسم ما فستنحرق بمجرد ملامسته ، وقد يشتعل الفسفور بسهولة بمجرد النفخ او تدليكه باي شيء ذو حرارة منخفضة نسبياً.

في مارس 2011، ظهرت فتاة عمرها لا يتجاوز الثلاثة سنوات في الفلبين ، تمتلك القدرة على اشعال النار دون اتصال مباشر ، واكتسبت هذه الفتاة اهتمام وسائل الإعلام حيث كان لديها القدرة على اشعال وسادة عن بعد دون اي وسيلة او دون لمس الوسادة حتى.

وقد شهد عمدة البلدة التي تقيم فيها الفتاة بنفسه مباشرة كيف احترقت السادة بمجرد ان نظرت اليها الفتاة ، كما شهد هذه الحالة مدير الشرطة المحلية .

احتفال يتراشق فيه أشخاص بالنيران المشتعلة
صورة لإحتفال حيث يقوم هؤولاء الاشخاص بتراشق النيران والتي يقومون بإشعالها لا إرادياً

الباراسيكولوجيا والقوى الذهنية المزعومة

يندرج هذا المفهوم ضمن ما يسمى بالباراسيكولوجيا أو علم النفس الموازي، وهو مجال يدرس ادعاءات مثل التخاطر، والاستبصار، والتنبؤ بالمستقبل، وتحريك الأشياء بالعقل الذي يعرف بالتيليكينيزس. وقد أجريت تجارب كثيرة في القرن العشرين لاختبار هذه الادعاءات، لكن المجتمع العلمي لم يقبل نتائجها، لأن التجارب التي أظهرت نتائج إيجابية لم تصمد غالبًا أمام إعادة الاختبار في ظروف محكمة، أو تبين وجود ثغرات في تصميمها.

لماذا يرفض العلماء فكرة إشعال النار بالعقل؟

  • غياب الآلية: لا يعرف العلم أي طريقة يمكن للدماغ أن ينقل بها طاقة كافية إلى جسم بعيد لرفع حرارته حتى الاشتعال.
  • قانون حفظ الطاقة: الاشتعال يحتاج إلى طاقة كبيرة، والدماغ البشري يستهلك قدرًا محدودًا من الطاقة لا يكفي لذلك.
  • عدم التكرار: لم يتمكن أي شخص من إثبات هذه القدرة أمام لجان علمية محايدة.
  • وجود تفسيرات بديلة: معظم الحالات المروية لها تفسيرات طبيعية أو تكشف عن خدع.

الخدع والتفسيرات الكيميائية

أشار المقال إلى الفوسفور الأبيض، وهو مثال جيد على المواد التي استخدمها المحتالون والسحرة الاستعراضيون لإيهام الناس بإشعال النار دون مصدر ظاهر، لأنه يشتعل ذاتيًا عند تعرضه للهواء في درجات حرارة منخفضة نسبيًا. وهناك مواد أخرى تتفاعل كيميائيًا فتطلق حرارة تكفي للاشتعال عند خلطها، ويعرفها الكيميائيون منذ زمن. وتعد هذه الخدع جزءًا من تاريخ عروض السحر المسرحي، وقد كشف كثير منها الباحثون والسحرة المحترفون أنفسهم الذين يعرفون أسرار المهنة.

تحذير مهم

الفوسفور الأبيض مادة شديدة الخطورة تسبب حروقًا عميقة وتسممًا، ولا يجوز التعامل معها خارج المختبرات المتخصصة، ولا ينبغي لأحد محاولة تقليد أي خدع نارية رآها في الأفلام أو المقاطع المصورة.

ظاهرة الاحتراق البشري التلقائي

ترتبط فكرة إشعال النار بالعقل أحيانًا بحوادث وُجد فيها أشخاص متوفون وقد احترقت أجسادهم بشكل شبه كامل، بينما بقيت الأشياء من حولهم سليمة نسبيًا، فأطلق عليها اسم الاحتراق البشري التلقائي. ويفسر كثير من الباحثين هذه الحالات بما يعرف بأثر الفتيلة، إذ تشتعل الملابس من مصدر خارجي كسيجارة أو مدفأة أو شمعة، ثم تعمل الدهون في الجسم كوقود يحترق ببطء لساعات، مثلما تعمل الشمعة حول فتيلها، فتبقى النار محصورة في مكان صغير. وكثيرًا ما كان الضحايا من كبار السن أو ممن يعيشون وحدهم أو تعرضوا لظروف صحية أفقدتهم القدرة على الحركة.

الفكرة في الأدب والسينما

شكلت رواية ستيفن كينغ التي تحمل اسم مشعلة النار علامة بارزة في تقديم هذه الفكرة للجمهور، إذ تروي قصة الطفلة تشارلي مكغي التي تمتلك هذه القدرة نتيجة تجارب أجريت على والديها، وتلاحقها جهة حكومية سرية تريد استغلالها. وقد تحولت الرواية إلى فيلم في الثمانينيات، ثم أعيد إنتاجه في السنوات الأخيرة. كما ظهرت شخصيات تملك قدرات نارية في القصص المصورة الأمريكية، وفي الرسوم المتحركة اليابانية، وفي ألعاب الفيديو، حيث تمثل النار رمزًا للقوة والغضب والخطر في آن واحد.

رمزية النار في الثقافات

للنار حضور قوي في الأساطير القديمة، فهي مصدر للدفء والنور والطعام، لكنها أيضًا قوة مدمرة. وتروي الأساطير اليونانية قصة بروميثيوس الذي سرق النار من الآلهة ومنحها للبشر، ولعل هذا الحضور العميق للنار في المخيلة الإنسانية يفسر جاذبية فكرة السيطرة عليها بالعقل.

القدرات الخارقة في الثقافة الشعبية العربية

لم تكن فكرة القوى الخارقة غريبة على التراث العربي، فقد حفلت الحكايات الشعبية وقصص ألف ليلة وليلة بشخصيات تملك قدرات عجيبة، كالسحرة الذين يحولون البشر إلى حيوانات، والمردة الذين يخرجون من القماقم، والمصابيح والخواتم السحرية. وتتقاطع هذه الحكايات مع الأفكار الحديثة عن القوى الذهنية في أنها تعبر عن حلم الإنسان القديم بتجاوز حدود جسده والسيطرة على الطبيعة. ويستمتع القارئ بهذه القصص بوصفها أدبًا وخيالًا، دون أن يخلط بينها وبين الواقع.

وفي العصر الحديث تأثر جمهور الشباب العربي كثيرًا بالأفلام الأجنبية والقصص المصورة والرسوم اليابانية، فانتشرت مصطلحات القوى الخارقة بأسمائها الإنجليزية، وظهرت صفحات ومنتديات تناقش هذه الأفكار، بعضها بروح الخيال والمتعة، وبعضها يروج لها على أنها حقائق قابلة للتعلم، وهو ما يستدعي الحذر.

لماذا نصدق القصص الخارقة؟

يفسر علماء النفس ميل الناس إلى تصديق هذه القصص بعوامل عدة، منها الرغبة في وجود قوى تتجاوز حدود الحياة اليومية، والانحياز التأكيدي الذي يجعلنا نتذكر ما يدعم معتقداتنا وننسى ما يعارضها، وقوة السرد الدرامي الذي يجعل القصة الغريبة أكثر رسوخًا في الذاكرة من التفسير العلمي الهادئ. كما تسهم الصور المعدلة والمقاطع المفبركة في انتشار مثل هذه الادعاءات بسرعة على الإنترنت.

ويضاف إلى ذلك أن بعض الأشخاص قد يقعون ضحية لمن يدعي تعليم هذه القدرات مقابل المال، عبر دورات أو كتب تعد بنتائج مستحيلة، وهو استغلال لفضول الناس ورغبتهم في التميز.

كيف تفكر بطريقة نقدية؟

  1. اسأل عن مصدر القصة ومن شاهدها مباشرة.
  2. ابحث عن تفسير طبيعي قبل اللجوء إلى التفسير الخارق.
  3. تذكر أن الادعاءات الاستثنائية تحتاج إلى أدلة استثنائية.
  4. تحقق هل خضعت الحالة لفحص علمي محايد أم بقيت روايات متناقلة.

أسئلة شائعة

هل يوجد إنسان يستطيع إشعال النار بعقله؟

لا يوجد دليل علمي موثق على ذلك، والحالات المروية لم تثبت عند الفحص المحايد.

ما أصل الكلمة؟

تتكون من مقطعين يونانيين، الأول يعني النار، والثاني يعني الحركة، وقد انتشرت بقوة عبر رواية مشعلة النار.

هل الاحتراق البشري التلقائي حقيقي؟

توجد حالات احتراق غامضة موثقة، لكن معظم الباحثين يفسرونها بأسباب طبيعية مثل أثر الفتيلة ووجود مصدر اشتعال خارجي.

خلاصة

تبقى القدرة على إشعال النار بالعقل فكرة خيالية جذابة أكثر منها حقيقة علمية، وقد أسهم الأدب والسينما في شهرتها. أما الحوادث الغامضة المنسوبة إليها فلها في الغالب تفسيرات كيميائية أو فيزيائية، والتفكير النقدي هو أفضل وسيلة للتمييز بين المتعة التي تقدمها القصص الخارقة والحقائق التي يقدمها العلم.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !