أسماك لا تسبح بل تمشي

حين نسمع عن أسماك لا تسبح بل تمشي يبدو الأمر غريباً، لكن عالم البحار مليء بالمفاجآت، ومنها عائلة صغيرة من الأسماك تعرف بالأسماك ذات اليد، تستخدم زعانفها الصدرية والحوضية كأنها أطراف تتنقل بها على قاع البحر بدلاً من السباحة الطويلة في الماء.

بعد عرض الخبر الأصلي، نقدم في هذا المقال تعريفاً علمياً بهذه الأسماك، وأماكن انتشارها، وطريقة تنقلها وتكاثرها، والأخطار التي تهددها، وجهود حمايتها، إلى جانب أمثلة أخرى من الأسماك التي تستطيع المشي أو الزحف بطرق مختلفة.

تفاصيل الخبر عن الأسماك الماشية


أسماك لا تسبح بل تمشي على قيعان البحار

من المعروف بأن الاسماك تسبح سباحة في البحار، ولكن خبر اليوم يتحدث عن هذه الاسماك التي تقوم بالمشي على ساقين في قيعان البحار والمحيطات في المناطق الضحلة ، فقد أعلنت منظمة الكومنولث للبحوث العلمية والصناعية في استراليا CSIRO عن إكتشاف مدهش للغاية ، حين إكتشفت وجود تسعة أنواع جديدة من الأسماك التي تسير بالفعل على قاع البحر !!

العجيب في هذه العائلة السمكية المميزة هو إستخدامها زعانفها للسير على قيعان البحار والمحيطات بدلاً من السباحة فيها ، لذا أطلق عليها العلماء أسم “السمكة ذات اليد” لاستخدامها زعانفها كأيدي تسير بها على قيعان البحار والمحيطات !

ويقول العلماء أن هذه الأسماك كانت “تمشي” في بحار ومحيطات العالم قبل 50 مليون سنة لكنها لا تتواجد اليوم إلا في جنوب وشرق إستراليا فقط .!

المثير هو أن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها مشاهدة السمكة الوردية ذات اليد وهي نوع جديد ظهر في العام 1999 ، وهو ما سيدفع العلماء لاعتبارها رسمياً نوعاً جديداً من أنواع الأسماك .

وكانت CSIRO قد نشرت هذه الصور في بحث يدعو لمزيد من الإهتمام والحماية للحياة البحرية الثرية في إستراليا ، ومما يثير الدهشة حقاً هو أننا كلما زاد تقدمنا كلما زاد جهلنا وإحساسنا بمدى ضآلتنا أمام كل هذا الجمال الذي نعيش فيه ، وهو أمر منطقي حين نتذكر أننا لا نتحدث عن إبداع كأي إبداع ، بل نتحدث عن إبداع الخالق سبحانه وتعالى .

صور
سمكة تمشي بزعانفها كالساقين في المياه الضحلة

اكتشاف أسماك تمشي في سواحل أستراليا

نوع من الأسماك الماشية في قاع المحيط

أسماك نادرة تمشي على ساقين بدل السباحة

ما هي الأسماك ذات اليد؟

الأسماك ذات اليد مجموعة من الأسماك البحرية الصغيرة تنتمي إلى رتبة أسماك الصياد أو أبو الشص، وهي رتبة تضم أسماكاً غريبة الشكل مشهورة بزوائد تستخدمها لجذب الفرائس. وسميت بهذا الاسم لأن زعانفها الصدرية تشبه الأيدي الصغيرة، وتستخدمها مع زعانفها الحوضية للمشي على قاع البحر، فتبدو كأنها تزحف أو تتمشى بين الصخور والأعشاب البحرية.

ويتراوح طول معظم أنواعها بين بضعة سنتيمترات وما يزيد على عشرة سنتيمترات بقليل، وتتميز بأشكال وألوان متنوعة، فمنها المرقط ومنها الأحمر والوردي، ولكل نوع نقوش تميزه عن غيره.

أين تعيش هذه الأسماك؟

تعيش الأسماك ذات اليد في المياه الساحلية الضحلة نسبياً في جنوب وشرق أستراليا، وتتركز معظم أنواعها حول جزيرة تسمانيا. وهي أسماك قليلة التنقل، تقضي حياتها في مساحات صغيرة من القاع، ولا تملك مرحلة يرقات تسبح بعيداً كما هو الحال في كثير من الأسماك، وهذا يجعل انتشارها الجغرافي محدوداً للغاية.

ويعتقد العلماء، كما ذكر الخبر، أن أقارب هذه الأسماك كانت أوسع انتشاراً في الماضي الجيولوجي، وتشير بعض الأحافير إلى وجود أسماك مشابهة في أماكن أخرى من العالم قبل ملايين السنين، قبل أن يتقلص نطاقها إلى ما هو عليه اليوم.

كيف تمشي الأسماك ذات اليد؟

تتحرك هذه الأسماك بخطوات بطيئة متناوبة، إذ تثبت زعانفها على القاع وتدفع جسمها إلى الأمام، وتستخدم ذيلها أحياناً للتوازن. وتستطيع السباحة لمسافات قصيرة عند الضرورة، كالهروب من خطر، لكنها تفضل المشي في معظم الأوقات. ويرى العلماء أن هذا السلوك يناسب نمط حياتها، فهي تعيش بين الصخور والأعشاب وتتغذى على الكائنات الصغيرة التي تعيش في القاع، كالقشريات الدقيقة والديدان.

التكيف مع البيئة

يساعد المشي هذه الأسماك على البقاء قريبة من مخابئها، وعلى التسلل نحو فرائسها دون إثارة الماء، كما يقلل حاجتها إلى بذل طاقة كبيرة في السباحة. وهذا مثال على كيفية تكيف الكائنات الحية مع بيئاتها بطرق مدهشة.

التكاثر ورعاية البيض

تضع إناث الأسماك ذات اليد بيضها في كتل على أجسام ثابتة في القاع، مثل سيقان النباتات البحرية أو بعض أنواع الإسفنج، وتشير الدراسات إلى أن الإناث في بعض الأنواع تبقى قرب البيض لحراسته حتى يفقس. وتخرج الصغار وهي تشبه الأسماك البالغة في شكلها، وتبدأ حياتها على القاع مباشرة، ولذلك فإن فقدان الأماكن المناسبة لوضع البيض يشكل خطراً كبيراً على بقاء هذه الأنواع.

الأخطار التي تهددها

تصنف عدة أنواع من الأسماك ذات اليد ضمن الكائنات المهددة بالانقراض، ومنها السمكة المرقطة ذات اليد التي كانت من أوائل الأسماك البحرية التي أدرجت على قوائم الأنواع المهددة بشدة. ومن أبرز التهديدات:

  • الأنواع الدخيلة: مثل بعض نجوم البحر التي وصلت إلى المياه الأسترالية عبر مياه صابورة السفن، وتتغذى على البيض واللافقاريات التي تضع عليها هذه الأسماك بيضها.
  • تدهور الموائل: بسبب التلوث والترسبات والتنمية الساحلية وأعمال الموانئ.
  • محدودية الانتشار: فبعض الأنواع تعيش في مساحات صغيرة جداً، وأي ضرر محلي قد يهدد وجودها بالكامل.
  • التغير المناخي: الذي قد يؤثر في حرارة المياه والنظم البيئية الساحلية.

جهود الحماية

تعمل مؤسسات بحثية وبيئية في أستراليا على حماية هذه الأسماك من خلال مراقبة أعدادها، ودراسة سلوكها، وإنشاء برامج للتربية في الأسر بهدف إعادة إطلاقها في الطبيعة. ومن الأفكار التي طبقت في هذا المجال وضع مواقع صناعية لوضع البيض في الأماكن التي تراجعت فيها النباتات البحرية الطبيعية. كما يشارك الغواصون المتطوعون في رصد هذه الأسماك والإبلاغ عن مشاهداتها، وهو ما يساعد العلماء على معرفة مواقعها بدقة أكبر. وتسهم حملات التوعية في تعريف الصيادين والزوار بأهمية عدم إزعاج هذه الأسماك أو جمعها، وبضرورة تنظيف معدات القوارب والغوص لتجنب نقل الكائنات الدخيلة من مكان إلى آخر.

منظمة CSIRO الأسترالية

الجهة المذكورة في الخبر هي منظمة الكومنولث للبحوث العلمية والصناعية، وهي الوكالة الحكومية الأسترالية الرئيسية للبحث العلمي، وتعمل في مجالات متعددة تشمل البيئة والزراعة والطاقة والفضاء والعلوم البحرية. وقد أسهمت في دراسة التنوع الحيوي البحري الغني حول السواحل الأسترالية ووصف كثير من الأنواع الجديدة.

أسماك أخرى تمشي أو تزحف

ليست الأسماك ذات اليد وحدها التي تتنقل بطرق غير مألوفة، فهناك أمثلة أخرى معروفة:

  • نطاط الطين: سمكة تعيش في مناطق المد والجزر وغابات المانغروف، وتستطيع البقاء خارج الماء فترات وتقفز وتزحف على الطين مستخدمة زعانفها الصدرية.
  • سمك الضفدع: من أقارب الأسماك ذات اليد، ويتحرك أحياناً على القاع مستخدماً زعانفه.
  • سمك الكهوف المتسلق: نوع وصفه العلماء في كهوف تايلاند يستطيع تسلق الصخور قرب الشلالات.
  • الأكسولوتل أو السمندل المكسيكي: يسمى أحياناً السمكة الماشية، لكنه ليس سمكة في الحقيقة بل برمائي يعيش في الماء ويمشي على قاع البحيرات، وكثيراً ما يخلط الناس بينه وبين الأسماك.

وتهم هذه الكائنات العلماء لأنها تساعدهم على فهم كيف انتقلت الحياة في الماضي السحيق من الماء إلى اليابسة، وكيف تطورت الأطراف من الزعانف.

ماذا يخبرنا المشي عند الأسماك عن تطور الحياة؟

يهتم علماء الأحياء التطورية بالأسماك التي تستخدم زعانفها للمشي، لأنها تقدم نماذج حية تساعد على فهم مرحلة مهمة في تاريخ الحياة، هي انتقال الفقاريات من الماء إلى اليابسة. وتشير الأحافير إلى وجود كائنات انتقالية عاشت قبل مئات ملايين السنين، جمعت بين صفات الأسماك وصفات رباعيات الأطراف، ومن أشهرها أحفورة تيكتاليك التي اكتشفت في القطب الشمالي الكندي، وكانت تمتلك زعانف قوية تحتوي على عظام تشبه عظام الأطراف.

ولا يعني ذلك أن الأسماك ذات اليد أسلاف للحيوانات البرية، فهي أسماك حديثة نسبياً تطورت لديها هذه القدرة بشكل مستقل، لكن دراسة طريقة حركتها والعضلات والأعصاب التي تتحكم فيها تساعد الباحثين على فهم كيف يمكن لزعنفة أن تؤدي وظيفة الطرف.

أهمية اكتشاف الأنواع الجديدة ووصفها

عندما يعلن العلماء عن نوع جديد، فإنهم يمرون بعملية دقيقة تسمى الوصف العلمي، تتضمن دراسة عينات من الكائن ومقارنتها بالأنواع المعروفة، وتحديد الصفات التي تميزه، ثم نشر ذلك في مجلة علمية محكمة مع اسم علمي جديد. وتكمن أهمية هذه العملية في أن حماية أي كائن تبدأ بمعرفته وتسميته، فلا يمكن وضع خطط لحماية نوع لم يعرف بعد. ولهذا يرى كثير من العلماء أن تسريع جهود اكتشاف الأنواع وتوثيقها أمر ضروري في ظل تسارع فقدان التنوع الحيوي في العالم.

أسئلة شائعة

هل تستطيع الأسماك ذات اليد السباحة؟

نعم، تستطيع السباحة لمسافات قصيرة عند الحاجة، لكنها تفضل المشي على القاع في معظم الأوقات.

أين يمكن مشاهدة هذه الأسماك؟

تعيش في مياه جنوب وشرق أستراليا وخاصة حول تسمانيا، ويصعب مشاهدتها لصغر حجمها وندرة بعض أنواعها.

لماذا تعد مهددة بالانقراض؟

لأنها محدودة الانتشار وبطيئة التنقل، وتتأثر بشدة بالأنواع الدخيلة وتدهور موائلها الساحلية.

خلاصة

الأسماك ذات اليد مثال مدهش على تنوع أشكال الحياة في البحار، فهي أسماك اختارت المشي على القاع بدلاً من السباحة، وتعيش في نطاق جغرافي ضيق يجعلها شديدة الحساسية لأي تغير في بيئتها. ويذكرنا اكتشاف أنواع جديدة منها بأن المحيطات ما زالت تخفي الكثير، وأن حماية هذه الكائنات مسؤولية تتطلب وعياً وجهوداً علمية متواصلة، وتعاوناً بين الباحثين والجهات الحكومية والمجتمعات الساحلية.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !