تعد شركة فوكسكون التايوانية من أكبر شركات تصنيع الإلكترونيات بالتعاقد في العالم، وتجمع في مصانعها أجهزة لعلامات تجارية شهيرة. وقد لفت الأنظار إعلانها أن فوكسكون تزيد استخدام الإنسان الآلي في التصنيع بصورة كبيرة، في خطوة تعكس تحولًا أوسع في الصناعة العالمية نحو الأتمتة.
بعد عرض تفاصيل الخبر كما نُشر، نتعرف في هذا المقال على الشركة وطبيعة عملها، ونشرح مفهوم الروبوتات الصناعية وأنواعها، ودوافع الشركات للاعتماد عليها، وأثر الأتمتة في سوق العمل، وكيف يمكن للعاملين الاستعداد لهذا التحول.
تفاصيل خطة فوكسكون للأتمتة
- شركة فوكسكون التايوانية لتصنيع الالكترونيات
وتستخدم فوكسكون حاليا عشرة آلاف آلة تقوم بعمليات التصنيع الأساسية.
وقد تعرضت الشركة سابقا لمشاكل كبيرة خاصة بالعمالة مثل خلافات حول الاجور وانتحار عاملين.
وقد ألقى جو تصريحاته في لقاء للعمالة في لانجو ونقلتها أولا تشاينا بيزينس نيوز وصحيفة فاينانشال تايمز.
وقد قالت الشركة في تصريح لاحق إن جو يريد أن يرقي مليون موظف "لدرجة اكبر فيما يتعلق بقيمة (العمل) "
وأضاف جو إن الخطوة التي تتخذها الشركة تجاه الاعتماد على الروبوت تهدف إلى نقل "أعمال آلية لأعمال ذات قيمة أكبر في التصنيع مثل البحث والتطوير والابتكار".
رواتب أكبر
وتجري معظم عمليات التصنيع في فوكسكون في الصين والاجور في المصنع آخذة في الزيادة.
وتحاول فوكسكون، كغيرها من الشركات، محاولة ضغط النفقات، بنقل أعمال التصنيع من تايوان إلى الصين، حيث يمكن الحصول على العاملة والاراضي والطاقة بأسعار اقل.
ويقول بعض المحللين إن الخطوة تجاه الاعتماد على الروبوت وسيلة أخرى لخفض النفقات.
وقال اليستار ثورنتون المحلل في أي إتش إس جلوبال انسايت إن الشركة " في صدارة الخطوة التالية للتحول للاعماد على الالات والروبوت لخفض النفقات".
وأضاف ثورنتون "لم يعد من السهل مضاعفة الانتاج بمضاعفة عدد العاملين. اصبح من الارخص على المدى الطويل شراء آلة جديدة".
من هي شركة فوكسكون؟
فوكسكون هو الاسم التجاري الأشهر لمجموعة هون هاي للصناعات الدقيقة، وهي شركة تايوانية أسسها رجل الأعمال تيري جو في سبعينيات القرن العشرين، وبدأت بتصنيع قطع بلاستيكية بسيطة، ثم توسعت تدريجيًا حتى أصبحت من أكبر شركات تصنيع الإلكترونيات في العالم. ويقوم نموذج عملها على التصنيع بالتعاقد، أي أنها تجمع منتجات تحمل علامات شركات أخرى وفق تصاميمها ومواصفاتها.
وتدير الشركة مصانع ضخمة في الصين، يعمل في بعضها أعداد كبيرة جدًا من العمال، إضافة إلى منشآت في دول أخرى. وتشمل منتجاتها الهواتف الذكية والحواسيب اللوحية والحواسيب الشخصية وأجهزة الألعاب ومكونات إلكترونية متنوعة. وقد جعلها حجمها وارتباطها بأشهر العلامات التجارية محط اهتمام وسائل الإعلام ومنظمات حقوق العمال.
ما هي الروبوتات الصناعية؟
الروبوت الصناعي آلة قابلة للبرمجة، تتكون عادة من ذراع ميكانيكية متعددة المفاصل يتحكم فيها حاسوب، وتستطيع تنفيذ مهام متكررة بدقة وسرعة عالية. وقد بدأ استخدام هذه الآلات في المصانع منذ منتصف القرن العشرين، وكان قطاع صناعة السيارات من أوائل القطاعات التي اعتمدت عليها في اللحام والطلاء والتجميع.
أنواع الروبوتات في المصانع
- الأذرع المفصلية: وهي الأكثر انتشارًا، وتشبه الذراع البشرية في حركتها، وتستخدم في اللحام والتجميع والتعبئة.
- روبوتات الالتقاط والوضع: سريعة جدًا، تنقل القطع الصغيرة من مكان إلى آخر على خطوط الإنتاج.
- الروبوتات التعاونية: صممت للعمل بأمان إلى جانب العمال، وتتميز بحساسات تجعلها تتوقف عند ملامسة الإنسان.
- المركبات ذاتية القيادة: تنقل المواد والمنتجات داخل المستودعات والمصانع دون سائق.
- أنظمة الفحص الآلي: تستخدم الكاميرات والذكاء الاصطناعي لاكتشاف العيوب في المنتجات.
صعوبة أتمتة الإلكترونيات الدقيقة
يواجه تصنيع الأجهزة الإلكترونية الحديثة تحديات خاصة أمام الأتمتة، فالقطع صغيرة جدًا، وتصاميم الأجهزة تتغير بسرعة مع كل إصدار جديد، وبعض عمليات التجميع تحتاج إلى مرونة ومهارة يدوية يصعب برمجتها. ولهذا ظلت هذه الصناعة تعتمد بدرجة كبيرة على العمالة البشرية مقارنة بصناعات أخرى، وكان التحول نحو الروبوتات فيها تدريجيًا ومعقدًا.
دوافع الشركات نحو الأتمتة
- ارتفاع الأجور: كما أشار الخبر، شهدت الأجور في المناطق الصناعية الصينية ارتفاعًا مع تطور الاقتصاد، فلم تعد العمالة رخيصة كما كانت.
- الدقة والجودة: تنفذ الروبوتات المهام المتكررة بدقة ثابتة، مما يقلل الأخطاء والعيوب.
- العمل المتواصل: تستطيع الآلات العمل ساعات طويلة دون تعب، مع فترات صيانة محددة.
- السلامة المهنية: يمكن للروبوتات تولي المهام الخطرة أو المرهقة أو الرتيبة.
- تقلبات الطلب: تساعد الأتمتة على التعامل مع مواسم الإنتاج الكثيف دون الحاجة إلى توظيف أعداد ضخمة مؤقتًا.
- المنافسة العالمية: تسعى الشركات إلى خفض التكاليف لتبقى قادرة على المنافسة في سوق شديدة التنافس.
ظروف العمل والجدل حول فوكسكون
أشار الخبر إلى أن الشركة تعرضت لمشكلات تتعلق بالعمالة، منها خلافات حول الأجور وحالات انتحار بين العاملين في بعض مصانعها، وهي أحداث أثارت حينها اهتمامًا إعلاميًا دوليًا واسعًا. ودفعت هذه الانتقادات الشركة والعلامات التجارية المتعاملة معها إلى الإعلان عن إجراءات لتحسين ظروف العمل، كرفع الأجور ومراجعة ساعات العمل وتوفير خدمات الدعم.
ويرى بعض المحللين أن التوجه نحو الروبوتات يرتبط جزئيًا بهذه الظروف، إذ يقلل الاعتماد على أعداد ضخمة من العمال في مهام رتيبة ومرهقة. بينما يرى آخرون أن الدافع الأساسي اقتصادي بحت، يتمثل في خفض النفقات وزيادة الإنتاجية، كما ذكر المحلل المقتبس في الخبر.
أثر الأتمتة في سوق العمل
يثير انتشار الروبوتات في المصانع نقاشًا واسعًا بين الاقتصاديين حول مستقبل الوظائف. فمن جهة، تحل الآلات محل العمال في بعض المهام الروتينية، مما قد يؤدي إلى فقدان وظائف في قطاعات معينة. ومن جهة أخرى، تخلق الأتمتة وظائف جديدة في مجالات البرمجة والصيانة والتصميم والإشراف على الأنظمة الآلية، وقد ترفع الإنتاجية بما يسمح بنمو الاقتصاد وظهور أنشطة جديدة.
ويتفق كثير من الخبراء على أن التحدي الأكبر هو إعادة تأهيل العاملين، حتى يتمكنوا من الانتقال من المهام اليدوية المتكررة إلى أعمال تتطلب مهارات أعلى، وهو ما أشار إليه رئيس الشركة في حديثه عن نقل الموظفين إلى أعمال ذات قيمة أكبر كالبحث والتطوير.
مهارات المستقبل في عصر الروبوتات
- المهارات التقنية كالبرمجة وتشغيل الأنظمة الآلية وصيانتها.
- تحليل البيانات واستخدامها في تحسين الإنتاج.
- حل المشكلات والتفكير النقدي.
- الإبداع والتصميم وتطوير المنتجات.
- المهارات الإنسانية كالتواصل والعمل الجماعي والقيادة.
- القدرة على التعلم المستمر والتكيف مع التغيير.
الأتمتة والصناعة الذكية
يندرج توجه فوكسكون ضمن تحول أشمل يُعرف بالثورة الصناعية الرابعة أو الصناعة الذكية، حيث تتكامل الروبوتات مع إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية في المصانع. وفي هذا النموذج تتصل الآلات ببعضها وتتبادل البيانات، وتراقب أنظمة ذكية خطوط الإنتاج، وتتنبأ بالأعطال قبل وقوعها. وقد تبنت دول صناعية كثيرة برامج لدعم هذا التحول، لما له من أثر في القدرة التنافسية.
دول رائدة في استخدام الروبوتات
تشير تقارير الاتحاد الدولي للروبوتات، وهو هيئة تصدر إحصاءات دورية عن هذا القطاع، إلى أن آسيا أصبحت أكبر سوق للروبوتات الصناعية في العالم، وأن الصين صارت خلال السنوات الأخيرة أكبر مشترٍ لها. كما تُعرف كوريا الجنوبية واليابان وألمانيا بارتفاع كثافة الروبوتات في مصانعها مقارنة بعدد العمال. ويعكس ذلك سعي هذه الاقتصادات إلى الحفاظ على تنافسيتها الصناعية في مواجهة ارتفاع التكاليف وشيخوخة السكان في بعضها.
هل يستفيد العالم العربي من هذا التحول؟
يفتح التوسع العالمي في الأتمتة فرصًا وتحديات أمام الدول العربية أيضًا. فمن جهة، قد يقلل انخفاض أهمية العمالة الرخيصة من جاذبية بعض الدول لاستقطاب المصانع كثيفة العمالة. ومن جهة أخرى، يتيح فرصًا لبناء صناعات حديثة تعتمد على التقنية، وتطوير كفاءات شابة في مجالات الهندسة والبرمجة والميكاترونكس. وقد أطلقت بعض الدول العربية برامج لدعم التصنيع المتقدم ونشر تعليم الروبوتات في المدارس والجامعات، وهي خطوات يراها المختصون ضرورية للاستعداد لاقتصاد المستقبل.
أسئلة شائعة
هل ستحل الروبوتات محل جميع العمال في المصانع؟
يستبعد معظم الخبراء ذلك في المدى المنظور، فكثير من المهام تحتاج إلى مرونة ومهارة وحكم بشري، لكن طبيعة الوظائف ستتغير، وستزداد الحاجة إلى مهارات تقنية.
ما الفرق بين الأتمتة والذكاء الاصطناعي؟
الأتمتة تعني تنفيذ المهام آليًا وفق برنامج محدد، أما الذكاء الاصطناعي فيمنح الأنظمة قدرة على التعلم من البيانات واتخاذ قرارات أكثر مرونة، وقد يجتمعان في الروبوتات الحديثة.
لماذا تصنع الشركات العالمية أجهزتها لدى شركات مثل فوكسكون؟
لأن هذه الشركات تملك خبرة واسعة وقدرة إنتاجية ضخمة وسلاسل توريد متكاملة، مما يسمح للعلامات التجارية بالتركيز على التصميم والتسويق.
هل الروبوتات مكلفة؟
تحتاج إلى استثمار أولي كبير في الشراء والبرمجة والتركيب والصيانة، لكن الشركات تحسب جدواها على المدى الطويل مقارنة بتكاليف العمالة والأخطاء والإنتاجية.
خلاصة
يعكس إعلان فوكسكون عن التوسع في استخدام الروبوتات تحولًا عالميًا في الصناعة نحو الأتمتة، تدفعه عوامل اقتصادية كارتفاع الأجور والسعي إلى الجودة والكفاءة. وبين المخاوف من فقدان الوظائف والآمال في وظائف جديدة أعلى قيمة، يبقى الاستثمار في التعليم وإعادة التأهيل هو المفتاح لتحقيق توازن يخدم الاقتصاد والعاملين معًا، ويجعل التقنية في خدمة الإنسان لا بديلًا عنه.
