شغلت فكرة عودة الروح إلى الحياة في جسد جديد بعد الموت عقول البشر منذ آلاف السنين، وظهرت في ديانات وفلسفات متباعدة جغرافيًا وزمنيًا، من الهند والصين إلى اليونان القديمة. ويُعرف هذا المعتقد في العربية باسم تناسخ الأرواح أو التقمص، وفي الإنجليزية بكلمة Reincarnation، وما زال يثير الجدل بين المؤمنين به والمنكرين له والباحثين في الظواهر الغامضة.
بعد عرض التعريف بالمعتقد والطوائف التي تؤمن به كما وردت، نتوسع في هذا المقال في المفاهيم المرتبطة به في الهندوسية والبوذية، وجذوره في الفلسفة اليونانية، والتعريف بحركة الأرواحية والثيوصوفية، وأبحاث الطبيب النفسي إيان ستيفنسون وما وُجه إليها من نقد، وموقف الإسلام والأديان الإبراهيمية من الفكرة.
مفهوم التناسخ والطوائف المؤمنة به
التناسخ في الديانات الهندية
الهندوسية: السمسارا والكارما
تقوم الفكرة في الهندوسية على مفهوم السمسارا، أي دورة الولادة والموت والولادة من جديد، التي تمر بها الروح الفردية المعروفة بالآتمان. ويحدد قانون الكارما، أي قانون الأفعال وجزائها، طبيعة الحياة التالية، فالأفعال الحسنة تقود إلى ولادة أفضل، والسيئة إلى ولادة أدنى. والغاية القصوى ليست الاستمرار في هذه الدورة، بل التحرر منها، وهو ما يسمى الموكشا، حيث تتحد الروح بالحقيقة المطلقة وفق تفسيرات المدارس الهندوسية المختلفة.
البوذية: ولادة جديدة بلا روح ثابتة
تختلف البوذية عن الهندوسية في نقطة دقيقة، فهي تنكر وجود ذات أو روح ثابتة دائمة، وهو مفهوم يسمى أناتا، لكنها تقول باستمرار تيار من الوعي والآثار الكرمية ينتقل من حياة إلى أخرى. ولهذا يفضل كثير من الباحثين استخدام تعبير إعادة الولادة بدل انتقال الروح عند الحديث عن البوذية. والهدف فيها هو بلوغ النيرفانا، أي انطفاء الرغبة والتحرر من المعاناة ومن دورة الولادات.
الجاينية والسيخية
تؤمن الجاينية أيضًا بانتقال الروح عبر حيوات متعددة، وتشدد على مبدأ عدم إيذاء أي كائن حي سبيلًا إلى تحرر الروح. أما السيخية فتشارك الديانات الهندية الإيمان بالكارما ودورة الولادات، وترى أن الخلاص يأتي بذكر الإله والعيش الصالح.
البوذية التبتية وفكرة التولكو
تتميز البوذية التبتية بالاعتقاد بأن بعض المعلمين الروحيين الكبار يختارون العودة بوعي في أجساد جديدة لمواصلة رسالتهم، ويُبحث عنهم بعد وفاتهم بين الأطفال وفق علامات معينة. ومن أشهر أمثلة هذا المعتقد منصب الدالاي لاما.
الجذور الفلسفية في اليونان القديمة
عرفت الفلسفة اليونانية فكرة انتقال النفس، فيُنسب إلى فيثاغورس وأتباعه القول بخلود النفس وانتقالها بين الأجساد، حتى إنهم ربطوا بذلك بعض قواعدهم في الطعام. كما عرض أفلاطون الفكرة في عدد من محاوراته، ومنها أسطورة إر في نهاية كتاب الجمهورية، التي تصف أرواحًا تختار حيواتها القادمة. وقد انتقلت هذه الأفكار إلى بعض المدارس الأفلاطونية المحدثة لاحقًا.
الحركات الحديثة في الغرب
الأرواحية عند آلان كاردك
في منتصف القرن التاسع عشر أسس المربي الفرنسي الذي اشتهر باسم آلان كاردك حركة تُعرف بالأرواحية، ونشر كتابًا بعنوان كتاب الأرواح، قدم فيه تصورًا يجمع بين التواصل مع أرواح الموتى والإيمان بالتناسخ وسيلة لتطور الروح أخلاقيًا. وانتشرت هذه الحركة خصوصًا في البرازيل وفرنسا.
الثيوصوفية
أسست هيلينا بلافاتسكي مع آخرين الجمعية الثيوصوفية في نيويورك في سبعينيات القرن التاسع عشر، وسعت إلى المزج بين الأديان الشرقية والفلسفات الغربية والعلوم الباطنية، وكان الإيمان بالكارما والتناسخ من ركائزها. وأسهمت هذه الجمعية في تعريف الجمهور الغربي بالمفاهيم الهندية والبوذية.
أبحاث إيان ستيفنسون والجدل حولها
كان إيان ستيفنسون طبيبًا نفسيًا في جامعة فرجينيا الأمريكية، وأمضى عقودًا في جمع حالات أطفال يقولون إنهم يتذكرون حياة سابقة، خاصة في الهند وسريلانكا ولبنان وبلدان أخرى، وأسس قسمًا لدراسة هذه الظواهر في الجامعة. ومن أشهر كتبه دراسة عن عشرين حالة رأى أنها توحي بالتناسخ. وكان يحاول التحقق من أقوال الأطفال بمقارنتها بمعلومات عن أشخاص متوفين.
لكن أبحاثه واجهت نقدًا واسعًا من علماء وفلاسفة، ومن أبرز الملاحظات:
- أن كثيرًا من الحالات جاءت من مجتمعات تؤمن أصلًا بالتناسخ، مما قد يدفع الأسر إلى تفسير كلام الأطفال في هذا الاتجاه.
- احتمال تأثر الروايات بالأسئلة الموجهة وبتداول المعلومات بين العائلات قبل وصول الباحث.
- صعوبة استبعاد الذاكرة الزائفة والخيال الطبيعي لدى الأطفال.
- غياب آلية علمية معروفة تفسر انتقال الذكريات من دماغ ميت إلى طفل جديد.
ولذلك لا يعد المجتمع العلمي هذه الأبحاث دليلًا قاطعًا، وإن ظل بعض الباحثين يرون أنها تستحق مزيدًا من الدراسة.
موقف الأديان الإبراهيمية
يرفض التيار الرئيسي في الإسلام والمسيحية واليهودية فكرة التناسخ. ففي العقيدة الإسلامية حياة واحدة يعقبها الموت ثم البرزخ ثم البعث والحساب يوم القيامة، وقد عد علماء العقيدة القول بالتناسخ مخالفًا لأصول الإيمان باليوم الآخر. ومع ذلك وُجدت فرق تاريخية متفرقة نُسب إليها القول به، وتؤمن طائفة الموحدين الدروز بعقيدة التقمص بمعنى انتقال الروح إلى جسد إنسان آخر فور الوفاة. وفي اليهودية ظهر في تراث القبالة الصوفي مفهوم يسمى الغلغول، يشير إلى انتقال النفوس، لكنه لم يكن معتقدًا عامًا لكل اليهود.
لماذا يجذب هذا المعتقد الناس؟
يفسر علماء الأديان والنفس انتشار فكرة العودة إلى الحياة بعدة عوامل. فهي تقدم جوابًا عن سؤال الموت المخيف، وتمنح الإنسان أملًا في الاستمرار. كما تقدم تفسيرًا لما يبدو ظلمًا في توزيع الحظوظ بين البشر، كأن يولد شخص في رخاء وآخر في بؤس، فيُفسَّر ذلك بأفعال في حياة سابقة. وتعطي كذلك معنى أخلاقيًا للأفعال، إذ يصبح كل عمل بذرة تثمر في المستقبل. وفي العصر الحديث ساهمت الأفلام والروايات وبعض ممارسات العلاج البديل، كالتنويم الإيحائي لاسترجاع ما يسمى الحيوات السابقة، في نشر الفكرة على نطاق واسع، رغم أن المختصين في علم النفس يحذرون من أن التنويم قد يولّد ذكريات زائفة يصدقها صاحبها.
الأثر الاجتماعي
ارتبط الإيمان بالكارما في بعض المجتمعات تاريخيًا بتبرير التفاوت الاجتماعي، كما ارتبط في مجتمعات أخرى بالحث على الرحمة بالحيوان والنباتية والسلوك الأخلاقي. ويختلف أثره بحسب التفسيرات والسياقات الثقافية، ولا يمكن الحكم عليه حكمًا واحدًا عامًا.
أسئلة شائعة
ما الفرق بين التناسخ والتقمص؟
يُستعمل اللفظان أحيانًا بمعنى واحد، لكن بعض الكتاب يخصون التقمص بانتقال الروح إلى جسد إنسان، والتناسخ بمعنى أعم قد يشمل انتقالها إلى أجساد حيوانات أو كائنات أخرى، كما في بعض المدارس الهندية.
هل أثبت العلم وجود التناسخ؟
لا، فالأبحاث المتعلقة بذكريات الحياة السابقة لا تعد دليلًا علميًا قاطعًا، وتواجه انتقادات منهجية كبيرة.
ما الغاية من التناسخ في الديانات الهندية؟
الغاية هي التحرر النهائي من دورة الولادات، وتسمى الموكشا في الهندوسية والنيرفانا في البوذية.
خلاصة
تناسخ الأرواح فكرة قديمة ومتشعبة، تأخذ في كل ديانة وفلسفة شكلًا مختلفًا، من السمسارا والكارما في الهندوسية، إلى إعادة الولادة بلا ذات ثابتة في البوذية، إلى أفكار فيثاغورس وأفلاطون، وصولًا إلى الحركات الروحية الحديثة. ورغم محاولات بحثية لإثباتها، تبقى خارج دائرة الأدلة العلمية القاطعة، وترفضها الأديان الإبراهيمية في تياراتها الرئيسية.
.png)
