النوم دون إطفاء الضوء يسبب السرطان

انتشرت عناوين كثيرة تقول إن النوم دون إطفاء الضوء يسبب السرطان، مستندة إلى أبحاث حول هرمون الميلاتونين والساعة البيولوجية. فما حقيقة هذه العلاقة؟ يعرض هذا المقال ما نشر حول الموضوع، ثم يشرح وظيفة الغدة الصنوبرية والميلاتونين، وكيف يؤثر الضوء الليلي في الساعة البيولوجية، وما توصلت إليه الأبحاث فعلاً حول الضوء والعمل الليلي وخطر السرطان، ويقدم نصائح عملية لنوم صحي في بيئة مظلمة، مع التمييز بين الثابت علمياً والمبالغات الإعلامية.

ما نشر عن الضوء والنوم والميلاتونين

النوم مع إضاءة المصباح ليلا وعلاقته بالسرطان

قال تعالى :
(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) 
سورة آل عمران - الجزء 4 - الآية 190 - الصفحة 75

قام عدد من الباحثين الامريكان بأجراء دراسة علمية حول النوم قد توصلوا الى ان الخلود الى النوم دون إطفاء الضوء يقضي على هرمون الـ "ميلاتونين"، مما يؤدي الى ضعف جهاز المناعة لدى الإنسان، ويؤيدي بدوره الى إصابته بالسرطان - عافانا الله واياكم- .

وبحسب البروفيسور (جوشوا جولي) من كلية الطب في جامعة هارفارد الأمريكية، وهو الباحث المشرف على هذه الدراسة فإن الإضاءة الليلية أثناء النوم تؤثر على الغدد الصنوبرية الواقعة في وسط المخ، مما ينتج عنه القضاء على هرمون الـ "ميلاتونين".

وانطلق البروفيسور جولي في استنتاجه من ان مسؤولية تنظيم ساعات النوم وتقوية جهاز المناعة لديه تقع على هذا الهرمون المذكور، مما يعني ان أي خلل يصيبه يؤثر على جهاز المناعة بشكل سلبي.

ونوّهت الدراسة بأن تعرض الإنسان الى ضوء، حتى لو كان خفيفاً قبل النوم بساعات يقصر عمر الـ "ميلاتونين" بنسبة عالية، وان هذه النسبة تصل الى 50% في حال لم تطفأ الأضواء خلال ساعات النوم، وهو ما لا يفعله الكثيرون وبشكل شبه مستمر.

من جانبه قلل الدكتور يسري رستم، أستاذ الأورام والطب النووي في جامعة الاسكندرية من أهمية نتائج هذه الدراسة، مشيراً الى وجود الكثير من العوامل التي تُطرح نظرياً كمسببات للإصابة بالسرطان، لكن القليل منها يصمد أمام التجارب التي تثبت صحتها، مضيفاً ان نقص هرمون لـ "ميلاتونين" ليس أحد هذه المسببات.

الى ذلك لم يشر الدكتور يسري رستم الى ما اذا كان تصريحه يستند الى دراسة محددة دحضت هذه الاستنتاجات، ام هو مجرد نفي بناءً على ان نتائج البحث الأمريكي لم تكن مقنعة بما فيه الكفاية بالنسبة للعالم المصري، الذي عزز موقفه بالتساؤل عمذّا اذا كان إعطاء الإنسان أقراص الـ "ميلاتونين" سيشكل وقاية تحميه من الإصابة بالمرض الخبيث !

الساعة البيولوجية وإيقاع الليل والنهار

يمتلك جسم الإنسان ساعة داخلية تنظم كثيراً من وظائفه على مدار أربع وعشرين ساعة تقريباً، ويسميها العلماء الإيقاع اليومي أو الإيقاع الحيوي. وتتحكم هذه الساعة في مواعيد النوم واليقظة، ودرجة حرارة الجسم، وإفراز الهرمونات، والشهية، وضغط الدم وغيرها. ويقع مركزها الرئيسي في منطقة صغيرة من الدماغ تسمى النواة فوق التصالبية، وتتلقى إشارات الضوء من العينين، فتضبط إيقاع الجسم بحسب تعاقب الليل والنهار.

الغدة الصنوبرية والميلاتونين

الغدة الصنوبرية غدة صغيرة في عمق الدماغ، تفرز هرمون الميلاتونين الذي يرتفع مستواه عادة في المساء ومع حلول الظلام، فيساعد الجسم على الاستعداد للنوم، ثم ينخفض مع اقتراب الصباح. ولهذا يسميه البعض هرمون الظلام. وعندما يتعرض الإنسان للضوء في الليل، خاصة الضوء الأزرق الصادر عن الشاشات وبعض المصابيح، قد يتأخر إفراز الميلاتونين أو يقل، فيتأخر النوم ويضطرب إيقاع الساعة البيولوجية.

ماذا تقول الأبحاث عن الضوء الليلي والسرطان؟

تناولت أبحاث عديدة العلاقة بين اضطراب الساعة البيولوجية وبعض الأمراض، ومنها السرطان. وقد صنفت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية العمل بنظام المناوبات الليلية ضمن العوامل المحتمل أن تكون مسرطنة للإنسان، استناداً إلى أدلة من دراسات على الحيوانات وأدلة محدودة لدى البشر. ويفترض الباحثون أن اضطراب الإيقاع اليومي وانخفاض الميلاتونين قد يكونان من الآليات المحتملة.

لماذا يجب الحذر من العناوين المطلقة؟

القول بأن النوم مع الضوء يسبب السرطان بشكل مباشر فيه تبسيط ومبالغة، للأسباب الآتية:

  • معظم الدراسات على البشر دراسات رصدية تبين وجود ارتباط لا علاقة سببية مؤكدة.
  • العمل الليلي يختلف كثيراً عن ترك مصباح خافت في غرفة النوم، فهو يتضمن تغيرات في النوم والطعام والنشاط.
  • السرطان مرض متعدد الأسباب، تتداخل فيه الوراثة والبيئة ونمط الحياة والعمر.
  • نتائج الدراسات في هذا المجال ليست متسقة دائماً، وما زال البحث مستمراً.

ومع ذلك فإن الحرص على الظلام أثناء النوم عادة صحية مفيدة لجودة النوم، بغض النظر عن الجدل حول السرطان.

آثار أخرى للضوء أثناء النوم

إلى جانب الجدل حول السرطان، تشير أبحاث إلى أن التعرض للضوء أثناء النوم قد يرتبط بآثار أخرى، منها:

  1. ضعف جودة النوم: فالضوء قد يجعل النوم أخف وأكثر تقطعاً.
  2. اضطراب المزاج: قلة النوم الجيد ترتبط بالتوتر وسرعة الانفعال.
  3. التمثيل الغذائي: تشير بعض الدراسات إلى ارتباط الضوء الليلي باضطرابات في تنظيم السكر والوزن، ولا تزال الأدلة قيد البحث.
  4. صعوبة الاستيقاظ: عندما تضطرب الساعة البيولوجية يصبح الاستيقاظ صباحاً أصعب ويشعر الشخص بالخمول.

نصائح لنوم صحي في بيئة مظلمة

  • إطفاء الأنوار: أو استخدام ستائر معتمة تمنع دخول ضوء الشارع.
  • قناع العينين: حل بسيط لمن لا يستطيع التحكم في إضاءة الغرفة.
  • إبعاد الشاشات: التوقف عن استخدام الهاتف والحاسوب والتلفاز قبل النوم بفترة كافية.
  • الإضاءة الخافتة الدافئة مساءً: بدل الإضاءة البيضاء القوية في الساعات الأخيرة قبل النوم.
  • مصابيح ليلية حمراء أو برتقالية خافتة: لمن يحتاج إلى ضوء بسيط للأطفال أو لكبار السن، لأنها أقل تأثيراً في الميلاتونين من الضوء الأزرق.
  • انتظام مواعيد النوم: حتى في عطلة نهاية الأسبوع.
  • التعرض لضوء النهار صباحاً: فهو يساعد على ضبط الساعة البيولوجية.

نصائح للعاملين في المناوبات الليلية

يحتاج العاملون ليلاً، كالأطباء والممرضين وعمال المصانع، إلى عناية خاصة بنومهم، ومن ذلك النوم في غرفة مظلمة تماماً وهادئة خلال النهار، وارتداء نظارات شمسية عند العودة صباحاً لتقليل التعرض للضوء القوي، والمحافظة على نظام غذائي صحي، وإجراء الفحوص الدورية التي ينصح بها الأطباء. كما ينصح بمناقشة الطبيب قبل استخدام مكملات الميلاتونين.

تأمل في آية الليل والنهار

يستهل المقال بالإشارة إلى آية تتحدث عن اختلاف الليل والنهار بوصفه آية لأولي الألباب، وهو معنى يتأمله المؤمن حين يرى كيف ركب الله في الجسد ساعة تنسجم مع هذا التعاقب. فالليل جعل سكناً وراحة، والنهار جعل للسعي والعمل، واحترام هذا الإيقاع الطبيعي من أسباب الصحة والسكينة.

التلوث الضوئي في المدن الحديثة

لم يعد الضوء الليلي مقتصراً على غرف النوم، فالمدن الحديثة تضيء سماءها بأعداد هائلة من مصابيح الشوارع والإعلانات والمباني، وهو ما يسميه العلماء التلوث الضوئي. وقد أدى ذلك إلى اختفاء النجوم من سماء كثير من المدن، وإلى تأثيرات تدرسها الأبحاث على صحة الإنسان والحيوان والنبات.

أثر التلوث الضوئي على الكائنات الحية

تعتمد كائنات كثيرة على تعاقب الليل والنهار في تنظيم حياتها، فالطيور المهاجرة تهتدي بالنجوم أحياناً، وصغار السلاحف البحرية تتجه نحو البحر مسترشدة بانعكاس ضوء السماء على الماء، وكثير من الحشرات تنجذب إلى المصابيح فتضطرب دورة حياتها. ولذلك تدعو جمعيات حماية البيئة إلى ترشيد الإضاءة الليلية وتوجيهها إلى الأسفل بدلاً من نشرها في السماء.

كيف نحمي بيوتنا من الضوء الخارجي؟

  • تركيب ستائر معتمة أو مزدوجة في غرف النوم.
  • اختيار غرفة النوم في الجهة الأبعد عن أضواء الشارع إن أمكن.
  • إطفاء الأجهزة ذات المصابيح الصغيرة الدائمة أو تغطيتها.
  • استخدام مصابيح ذات ضوء دافئ في الممرات بدلاً من الأضواء البيضاء القوية.

الأطفال والضوء الليلي

يخاف بعض الأطفال من الظلام ويطلبون إبقاء الضوء مضاءً، وفي هذه الحالة يمكن استخدام مصباح ليلي خافت دافئ اللون، ووضعه بعيداً عن مستوى العينين، مع التدرج في تعويد الطفل على الظلام وطمأنته. كما يفيد إبعاد الأجهزة اللوحية والهواتف عن الأطفال قبل النوم، لأن نومهم الجيد ضروري لنموهم وتركيزهم في المدرسة، ولأن عادات النوم التي يكتسبونها في الصغر كثيراً ما ترافقهم حتى الكبر.

أسئلة شائعة

هل النوم مع ضوء خافت مضر؟

قد يؤثر في جودة النوم لدى بعض الأشخاص، ولا يوجد دليل قاطع على أنه يسبب السرطان، لكن الظلام يبقى الأفضل للنوم.

هل يجوز تناول مكملات الميلاتونين؟

تستخدم في بعض حالات اضطراب النوم، لكن ينبغي استشارة الطبيب قبل تناولها لتحديد مدى الحاجة إليها ومدتها، خاصة للحوامل والأطفال ومن يتناولون أدوية أخرى.

هل ضوء الهاتف قبل النوم يؤثر فعلاً؟

تشير دراسات إلى أن الضوء الأزرق والانشغال الذهني بالهاتف قد يؤخران النوم، ولذلك ينصح بالتوقف عن استخدامه قبل النوم بفترة.

هل تفيد خاصية الوضع الليلي في الهواتف؟

تقلل هذه الخاصية من الضوء الأزرق وتجعل ألوان الشاشة أدفأ، وقد تخفف أثر الشاشة قليلاً، لكنها لا تغني عن الابتعاد عن الهاتف قبل النوم، لأن المحتوى المثير نفسه قد يبقي الدماغ متيقظاً ويؤخر الشعور بالنعاس.

خلاصة

الضوء الليلي يؤثر في الساعة البيولوجية وإفراز الميلاتونين، وهذا أمر ثابت علمياً، أما العلاقة المباشرة بين النوم مع ضوء وحدوث السرطان فما زالت موضع بحث، والعبارات المطلقة حولها فيها مبالغة. ومع ذلك، فإن النوم في غرفة مظلمة، وتقليل الشاشات مساءً، وانتظام مواعيد النوم، عادات صحية مفيدة تحسن جودة النوم والصحة العامة.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !