من أذكى ما يفعله الكاتب أن يختار لنصّه قالباً غير متوقع، وهذا ما تفعله هبة محمد في خاطرة «لن أطيل عليك سيدي المحترم». فالنص ليس مراثية ولا شكوى عاطفية معتادة، بل هو إفادة تُدلى أمام محقّق، وتُملى عليه سطراً سطراً: «اكتب في محضرك». ومن هذه الفكرة وحدها يأخذ النص قوته؛ فالمحضر يحتمل الوقائع الجافة، أما هنا فيُملى عليه الوجع والتوبة واللوم والدعاء.
والصورة المرفقة تلتقي مع روح النص: يدان تحاولان التلامس ويفصل بينهما زجاجٌ شفاف لا يُخترق. هكذا هي الحواجز التي تقف بين الإنسان وما يريد أن يقوله أو ينقذه؛ تراه ولا تمسكه.
نص الخاطرة كما كتبته هبة محمد
مع تحيات: هبة محمد
حين يصبح المحضر قصيدة
تبدأ الخاطرة بجملة مهذبة تشبه ما يُقال في مكتب رسمي: أعلم مشاغلك، وأعلم أن استماعك لي كرم. وهذا الأدب المتكلَّف في افتتاح النص ليس زائداً، بل هو الذي يخلق التناقض الذي يقوم عليه العمل كله؛ صوتٌ هادئ مؤدَّب يتكلم عن مأساة كاملة. والقارئ حين يمضي في السطور يشعر بأن الهدوء نفسه أشد وقعاً من الصراخ، لأن من فقد كل شيء لا يبقى لديه ما يصرخ به.
القلم شاهد ومتهم
تُقدّم الفتاة نفسها بأنها لا تملك إلا قلماً، ثم تعقد معه علاقة معقدة؛ فهو صديقها ومؤنسها ومخفّف ألمها، ثم تعلن أنه عجز أمام جرحها بعدما زعم أنه يداوي الجروح. وهذه من ألطف الصور في النص، لأنها تعترف بحدود الكتابة نفسها. فالكتابة تُخفّف ولا تشفي، وتُنظّم الوجع ولا تلغيه، ومن أراد منها أكثر من ذلك خُذل.
العدل الذي تطلبه القصيدة
أهم سطر في النص من الناحية الفكرية هو: «والعدل أن نحاسب الجاني لا أن نُعدم من انعدم». فالضحية تُقتل مرتين في مجتمعاتنا؛ مرة بالجريمة، ومرة بالحكم عليها ولومها والتشكيك فيها بعد وقوعها. والنص يرفض هذا التصور رفضاً واضحاً، ويسمّي المسؤول باسمه: الجاني. وهذه العبارة وحدها تصلح أن تكون قاعدة في أي حديث عن قضايا الاعتداء والاستغلال؛ المسؤولية على من فعل لا على من وقع عليه الفعل.
المسامحة لا تُلغي القانون
وتضيف الكاتبة تفريقاً دقيقاً يغيب عن كثير من النقاشات: أن الفتاة قد سامحت، لكن القانون لا بد أن يأخذ مجراه. وهذا صحيح أخلاقياً وقانونياً؛ فالمسامحة شأن قلبي يخصّ صاحبه ويريحه، أما محاسبة المعتدي فحقٌّ للمجتمع كله لا لشخص واحد، لأن من أفلت من العقاب يعيد فعله بغيره. والخلط بين الأمرين هو ما يجعل كثيراً من الجرائم تُدفن تحت اسم «الستر».
لوم القلب لا يعني تبرئة الجاني
ثم يأتي مقطع صعب: «اكتب أن قلبها كان شريكاً في الجريمة». وقد يُقرأ هذا بوصفه تحميلاً للضحية جزءاً من الذنب، لكن القراءة الأدق أنه صوت الندم الداخلي؛ فالمرء بعد الأذى يراجع نفسه ويعاتبها على كل باب فتحه بحسن ظن. وهذا العتاب الذاتي شعور طبيعي في مثل هذه المواقف، لكنه لا ينقل المسؤولية القانونية ولا الأخلاقية عن الجاني بذرة، ومن المهم لكل من مرّ بتجربة مشابهة أن يفرّق بين الحزن على قرار خاطئ وبين الشعور بأنه يستحق ما جرى له.
مشهد ثلاجة الموتى
ينتقل النص فجأة إلى لسان الطبيب الشرعي، فيصف صبية كانت جميلة وغنية بالطفولة، ثم يختم بجملة موجعة: في ثلاجة الموتى هناك هي منسية. وهذا الانتقال من العاطفة إلى المشهد التقريري هو أقسى ما في الخاطرة، لأنه يذكّر بأن نهاية هذه القصص ليست حواراً ولا حكماً، بل رقمٌ في سجل ومكانٌ بارد ينتظر من يستلم الجثمان. وكلمة «منسية» تحمل اتهاماً لنا جميعاً؛ فالضحايا يُتحدث عنهم أسبوعاً ثم تنساهم الأخبار.
لماذا يُمسح المحضر في النهاية؟
الخاتمة تنقلب على النص كله: انتظر، امسح ما كتبت. وهذه ليست لحظة تسامح، بل لحظة يأس من جدوى الإجراءات؛ فالحكم لن يعيد الفتاة حية. ومع ذلك فإن الكاتبة لم تُنهِ نصها بالعدم، إنما استبدلت الطلب من المحقق بطلب من الله، وطلبت دعوة حقيقية لا صادقة الشكل فقط. وهنا يظهر معنى ديني وإنساني معاً: أن الأحياء يستطيعون أن يفعلوا للأموات شيئاً واحداً نافعاً هو الدعاء والذكر الحسن.
هل هذا موقف صحيح من القضاء؟
من الإنصاف أن يُقال إن اليأس الذي في الخاتمة مفهوم شعرياً، لكنه ليس نصيحة عملية. فالتحقيق في الجريمة ومحاسبة مرتكبها لا يعيدان الضحية، لكنهما يحميان ضحايا آخرين لم يُصابوا بعد، ويمنعان تكرار الفعل، ويردّون لأهل الضحية بعض الإنصاف. والصمت في مثل هذه القضايا هو أكبر خدمة تُقدَّم للجاني. ولذلك يُقرأ المقطع الأخير على أنه شكوى مكسور القلب، لا دعوة إلى إسقاط الحق.
قيمة النص أدبياً
يستمد هذا العمل قوته من ثلاثة عناصر: قالبٍ غير مألوف هو صيغة المحضر، وإيقاعٍ داخلي متكرر يبدأ كل مقطع بكلمة «اكتب» فيشبه دقّ المطرقة، وقافيةٍ متغيرة من الميم إلى الياء تنقل النص من نبرة الاتهام إلى نبرة الرثاء. وهو مكتوب بلغة سهلة قريبة من الفصحى الحديثة، فيها بعض الهنات النحوية التي لا تنقص من صدقه؛ فالنصوص التي تُكتب بدافع حقيقي تصل قبل النصوص المصنوعة بعناية.
جملة العنوان
ولعل أجمل ما في العمل عنوانه نفسه: «لن أطيل عليك سيدي المحترم»، فهي جملة يقولها من تعلّم أن وقته أقل قيمة من وقت من يخاطبه، وأن عليه أن يختصر مأساته كي لا يُثقل على أحد. وفي هذا الاعتذار المسبق تلخيصٌ لحال كل من طرق باباً رسمياً وهو مكسور.
خاتمة
تبقى هذه الخاطرة تذكيراً بأن الأدب يستطيع أن يفتح ملفاً لا تفتحه المحاضر؛ فهو يعطي الضحية صوتاً بعد أن سُلبت كل شيء، ويحرّك في القارئ سؤالاً عن دوره حين يرى ولا يتكلم. وأنفع ما يُخرج به المرء من قراءتها أمران: أن يدعو لمن مات مظلوماً، وأن يكون هو نفسه الشخص الذي يبلّغ ولا يسكت إذا رأى أذى يقع على ضعيف.
.png)