يُربط الإسراف في الأكل عادةً بالسمنة وحدها، ولهذا يطمئن كل من كان وزنه معتدلاً فيقول: أنا أكل كما أريد وجسمي لا يزيد. والحقيقة أن المسألة أوسع من الميزان؛ فكمية الطعام ونوعه يأثران في القلب والكبد والمعدة والنوم والمزاج، وربما كان النحيل المسرف في أكله أسوأ حالاً من سمين يأكل طعاماً متوازناً. وفي المقابل تنتشر في هذا الباب معلومات مبالغ فيها تحتاج تدقيقاً، وهو ما نحاوله في هذه الصفحة.
ما يفعله الإسراف فعلاً
ثقل فوري على الجهاز الهضمي
المعدة عضو مرن، لكن تمددها فوق حدها يدفع محتواها الحامض إلى المريء، فتحدث الحرقة والتجشّء والإحساس بالانسداد. ومع التكرار يتراخى الصمام الفاصل بين المعدة والمريء فيصبح الارتجاع مزمناً. ويزيد الأمر سوءاً النوم بعد وجبة ثقيلة مباشرة، ولذلك يُنصح بفاصل لا يقل عن ساعتين ونصف بين العشاء والفراش.
أمراض ترافق الإفراط طويل المدى
المعروف طبياً أن الإفراط المتكرر يرفع خطر مقاومة الأنسولين ثم السكري من النوع الثاني، ومرض الكبد الدهني الذي قد يصيب أشخاصاً لا يبدو عليهم وزن زائد، وارتفاع الدهون الثلاثية، وارتفاع الضغط، وحصى المرارة، وانقطاع التنفس أثناء النوم، وإجهاد المفاصل. وهذه أمور متفق عليها لا تحتاج مبالغة لتكون مخيفة.
أثر لا يُرى في الميزان
وأما من كان نحيلاً ويأكل كثيراً، فقد تكون دهونه متجمعة حول أعضائه الداخلية لا تحت جلده، وهي الدهون الأخطر. ولذلك فإن تحليل السكر والدهون ووظائف الكبد أصدق من المرآة في الحكم على أثر الطعام.
تصحيح مهم: الطعام العادي لا يسبب التسمم بالفيتامينات
ينتشر في كثير من المقالات ربطُ الإسراف في الأكل بتسمم الفيتامينات والمعادن، ويُسرد جدول طويل من الأمراض المرتبطة بزيادة النحاس والمنجنيز والكروم والفاناديوم والكوبالت. والحقيقة التي ينبغي أن تكون واضحة أن هذه الحالات نادرة جداً، ولا تحدث تقريباً من الطعام المعتاد، وإنما مصادرها ثلاثة: تناول المكمّلات الغذائية بجرعات عالية بلا إشراف طبي، أو التعرض المهني والصناعي كاستنشاق أبخرة المعادن في المصانع والمناجم، أو أمراض وراثية تُخلّ بتخلّص الجسم من المعدن.
والجسم يمتلك نظاماً دقيقاً لتنظيم امتصاص المعادن وطرح الزائد منها؛ فالكلى تُخرج الفائض من الفيتامينات الذائبة في الماء، والأمعاء تقلل امتصاص الحديد إذا كان مخزونه كافياً. ولذلك فإن من أكل صحناً إضافياً من اللحم أو المكسرات لا يتعرض لتليف كبد ولا لشلل رعاش. والقول بغير ذلك يخيف الناس من أطعمة نافعة ويصرفهم عن السبب الحقيقي للمرض.
ما الصحيح في كل بند؟
زيادة الكوليسترول والدهون في الدم ترتبط فعلاً بتصلب الشرايين، وهذا أصح ما في القائمة. أما زيادة الكالسيوم فقد تسهم في حصى الكلى لكن بشرط الجرعات العالية من المكمّلات، بينما الكالسيوم من الطعام يقلل خطر الحصى لأنه يرتبط بالأوكسالات في الأمعاء. وزيادة فيتامين ج بجرعات ضخمة قد ترفع احتمال حصى الأوكسالات عند المستعدّين، ولا تسبب فشلاً كلوياً لسليم الكلى. وزيادة فيتامين أ سامة فعلاً لأنه ذائب في الدهون فيتراكم، وأعراضه قريبة من الموصوفة، لكن مصدره المكمّلات أو الإفراط الشديد في كبد الحيوانات. وزيادة فيتامين د ترفع الكالسيوم فتحدث القيء وكثرة التبول والعطش، وهي أيضاً من المكمّلات لا من الشمس ولا من الطعام. وزيادة الحديد تضر القلب والكبد لكنها ترتبط بداء ترسب الأصبغة الدموية الوراثي أو بنقل الدم المتكرر. وتليّف الكبد بالنحاس صورته المعروفة مرض ويلسون، وهو خلل وراثي في التخلص من النحاس. وأما المنجنيز فتسميمه يشبه الشلل الرعاش ويحدث في العمال المعرضين لغباره سنوات، لا في آكلي الحبوب والمكسرات. وأما ما ذُكر من أن الفاناديوم يسبب الاكتئاب والجنون فلا سند علمي واضح له بهذه الصورة، وأعراض التعرض المفرط له معوية وتنفسية في الأصل. وأما السيلينيوم فزيادته تسبب فعلاً تساقط الشعر وتقصف الأظافر واضطراب المعدة ورائحة ثوم في النفس، وحدّه الآمن ضيق نسبياً، وهو من أوضح أمثلة خطر المكمّلات.
وماذا عن اليود؟
اليود من أغرب العناصر في هذا الباب؛ فنقصه يسبب تضخم الغدة الدرقية، وزيادته الكبيرة قد تسبب قصوراً في الغدة أو فرطاً في نشاطها بحسب حال الشخص، ولا تأتي هذه الزيادة من الملح المُيودَّن في الطعام العادي، إنما من مكملات مركزة أو من الإكلار الشديد من أعشاب البحر أو من أدوية معينة.
ومسألة زيت الذرة
القول بأن زيت الذرة يتحد بالكوليسترول فيحوّله إلى دهون سامة قولٌ غير دقيق. والصحيح أن الزيوت الغنية بالدهون المتعددة غير المشبعة، ومنها زيت الذرة وعباد الشمس، تتأكسد بسرعة إذا سُخّنت على حرارة عالية أو أُعيد استخدامها في القلي مرات، فتتكوّن مركبات مؤكسدة ضارة للأوعية. فالمشكلة في طريقة الاستخدام لا في الزيت نفسه، والحل ألا يُعاد قلي الزيت، وأن يُختار للطهي على حرارة عالية زيتٌ أثبت أمام الحرارة كزيت الزيتون أو زيت جوز الهند، ويُترك القلي المتكرر أصلاً.
الوجه الاجتماعي للإسراف
الإسراف في الطعام ليس مسألة طبية فقط، ولذلك جاء هذا الموضوع في باب العلوم الاجتماعية. فالمائدة التي في الصورة أعلاه تمثل واقعاً معروفاً في المناسبات؛ أطباق تُقدَّم ليُرى عددها لا ليُؤكل ما فيها، ثم يُرمى نصفها. وتُقدّر منظمة الأغذية والزراعة أن نحو ثلث الغذاء المنتج في العالم يُهدر أو يُفقد سنوياً، في وقت يعاني فيه مئات الملايين من نقص الغذاء. وهذا الهدر يستهلك أيضاً الماء والأرض والوقود التي أُنفقت في إنتاج طعام لم يأكله أحد.
الوسط الذي تدعو إليه الحكمة
القاعدة الجامعة في هذا الباب قديمة ومعروفة: أن يأكل الإنسان ما يقيم به بدنه فلا يُثقله. ولذلك كان من هدي الإسلام النهي عن الإسراف والتحذير من امتلاء البطن، والتوصية بترك ثلث المعدة فارغاً. وهذه ليست دعوة إلى الجوع، بل إلى الاعتدال الذي يحفظ الصحة ويحفظ حق الفقير في فضل الطعام.
خطوات عملية لضبط الكمية
استخدم طبقاً أصغر، فالعين تقدّر الشبع قبل المعدة. وابدأ الوجبة بالسلطة أو الشوربة الخفيفة فتقلّ الكمية بعدها. وامضغ ببطء وضع الملعقة بين اللقمات، لأن إشارة الشبع تحتاج نحو عشرين دقيقة لتصل إلى الدماغ. ولا تأكل أمام الشاشات فالانتباه المشغول لا يحسّ بالامتلاء. واشرب الماء بين الوجبات لا معها بكثرة. ورتّب مواعيد ثابتة للطعام حتى لا تصل إلى المائدة في جوع شديد يدفعك إلى الإفراط. وفي المناسبات، خذ من كل طبق قليلاً بدلاً من محاولة تجربة كل شيء بحجم كامل.
ومتى تستشير الطبيب؟
إذا كان الأكل عندك مرتبطاً بالضيق النفسي أو بنوبات لا تستطيع إيقافها، فهذا شيء مختلف عن كثرة الأكل العادية ويحتاج مساعدة متخصصة، فلا حرج في طلبها. وكذلك من أراد تناول المكمّلات الغذائية فالأفضل أن يكون ذلك بعد تحليل يُثبت النقص، لأن المكمّل ليس طعاماً وله حد أعلى آمن يجب ألا يُتجاوز.
وخلاصة الأمر أن خطورة الإسراف حقيقية، لكن خطورتها في الحمل الزائد على القلب والكبد والمعدة وفي هدر النعمة، لا في تسمم غامض بالمعادن من طبق طعام. ومن ضبط كميته ونوعه وموعده فقد أخذ بأفضل ما في هذا الباب.
.png)