قنبلة التفريغ الهوائي | السلاح الفراغي وأثره التدميري

قنبلة التفريغ الهوائي — أكبر قنبلة تقليدية في ترسانة القوات الجوية الأمريكية

حين نتحدث عن القنابل الضخمة، يتبادر إلى الذهن فوراً صورة الانفجارات النووية ومشاهد الدمار الهائل التي ارتسمت في القرن العشرين. لكن ثمة قنبلة تقليدية — لا تحمل أي مواد مشعّة — تستطيع أن تحدث دماراً يُقارب ما تفعله بعض الأسلحة النووية الصغيرة. اسمها الرسمي «القنبلة الانفجارية الهوائية الضخمة» اختصاراً مواب، وقد أُطلق عليها جندياً لقب «أمّ جميع القنابل» تيمناً بعبارة الشهيرة التي تردّدت في حرب الخليج. في هذه المقالة نستعرض فكرة عمل هذه القنبلة ومواصفاتها وتاريخها مع مقارنة بأسلحة مشابهة سبقتها.

صورة مجسّمة ثلاثية الأبعاد تُظهر مقطعاً لصاروخ هيلفاير كيه بأجزائه الداخلية من رأس بحث وتفجير ومحرّك صاروخي — صورة توضيحية لأسلحة التوجيه الدقيق للمقارنة مع قنبلة التفريغ الهوائي

ما هي قنبلة التفريغ الهوائي مواب؟

الاسم الكامل هو القنبلة الانفجارية الهوائية الضخمة وهو سلاح تقليدي بالكامل لا يحتوي على أيّ مادّة نووية أو كيميائية. طورته شركة إي آر دي إم لأبحاث الذخيرة بناءً على طلب سريع من القوات الجوية الأمريكية أوائل القرن الحادي والعشرين، بهدف تعزيز القدرة على تدمير أهداف واسعة الانتشار كحقول الألغام وتجمعات القوات المحصّنة في أنفاق ومغر. التصنيف العسكري الرسمي للسلاح هو جي بي يو-٣٣/بي، أي قنبلة موجهة بالأقمار الصناعية.

المواصفات والأرقام

تُعدّ هذه القنبلة من أكبر الذخائر التقليدية التي صُنعت على الإطلاق، وإليك أبرز أرقامها:

الأبعاد والوزن

يزن السلاح بأكمله نحو ثمانية عشر ألفاً وأربعمئة وخمسين رطلاً أي ما يُعادل قرابة ثمانية آلاف وتسعمئة كيلوجرام. وطوله نحو تسعة أمتار وعشرين سنتيمتراً، وقطره يبلغ متراً واحداً وثلاثة سنتيمترات تقريباً. هذه الأبعاد الهائلة تجعل من المستحيل حملها على مقاتلات عادية، فهي لا تناسب إلّا بوابات الشحن الخلفية لطائرات النقل.

الشحنة المتفجرة

يُشكّل المتفجر الجزء الأكبر من وزن القنبلة؛ إذ تحتوي على قرابة ثمانية آلاف وخمسمئة كيلوجرام من مادّة إتش-٦ وهي تركيبة متفجرة عالية الطاقة تتألف من مسحوق الألومنيوم والآر دي إكس والتيتانيت ومادة بوليمرية رابطة. يُعادل أثر هذه الشحنة أكثر من تسعة أضعاف أقوى قنبلة تقليدية استُخدمت قبلها.

نظام التوجيه

يستند توجيه القنبلة إلى نظام مزدوج يجمع بين ملاحة الأقمار الصناعية ونظام الملاحة بالقصور الذاتي، ما يعني أنّها لا تعتمد على رؤية الهدف بصرياً بل تتبع إحداثيات محدّدة سلفاً. أجنحة شبكية صغيرة في مؤخرة القنبلة تتحكّم في مسارها أثناء السقوط فتُصحّح انحرافاتها إلى أن تصل إلى النقطة المحدّدة بدقة عالية.

قنبلة التفريغ الهوائي مواب بألوان برتقالية مخططة بخطوط سوداء موضوعة على عربة نقل داخل مستودع — صورة توضيحية لمواصفات القنبلة

كيف تعمل قنبلة التفريغ الهوائي؟

السرّ في قوّة هذه القنبلة يكمن في طريقة تفجيرها لا في حجم متفجرها فحسب. لفهم ذلك لا بدّ من المقارنة بين أنواع الانفجارات الثلاثة الرئيسية:

مبدأ الانفجار الهوائي

القنابل العادية تنفجر عند الاصطدام بسطح الأرض فتتّجه معظم طاقتها إلى أسفل داخل التربة أو إلى أعلى في الهواء بشكل عمودي. هذا يعني أنّ المنطقة الجانبية المحيطة بالانفجار تتلقّى جزءاً صغيراً نسبياً من الطاقة. أمّا قنبلة التفريغ الهوائي فتُفجَّر فوق سطح الأرض بمسافة محسوبة، فتنتشر موجة الضغط في شكل كرويّ متماثل يضغط على كلّ ما في محيطه من الجوانب بلا استثناء. النتيجة دمار أوسع نطاقاً بكثير على مستوى أفقي.

الفرق عن القنابل العادية

ببساطة: القنبلة العادية تُحدِث حفرة عميقة وتُدمّر ما فوقها مباشرة. أمّا القنبلة الهوائية فتسوّي المنطقة المحيطة بأكملها كأنّها أمسحت بمكنسة ضخمة من الهواء المضغوط. ولهذا السبب تحديداً طُوّرت أسلحة مشابهة في حرب فيتنام لتسوية غابات كثيفة خلال ثوانٍ معدودة وبناء مهابط فورية لمروحيات الإنقاذ.

كيف تُسقط القنبلة من الجوّ؟

بحكم حجمها ووزنها الهائلين لا يمكن إسقاط هذه القنبلة من مقاتلات عادية. الطائرة المخصّصة لذلك هي نسخة معدّلة من طائرة الشحن سي-١٣٠ هيركليز تُسمّى إم سي-١٣٠، وهي طائرة عمليات خاصة تابعة لقيادة العمليات الخاصة في القوات الجوية الأمريكية. إليك خطوات الإسقاط:

مرحلة الإطلاق

تُخرَج القنبلة من باب الشحن الخلفي للطائرة وهي معلّقة بمظلة استرجاع كبيرة تشبه المظلات التي تُستخدم لإلقاء المعدات الثقيلة. المظلة تُبطّئ سرعة خروج القنبلة من الطائرة كي لا تتضرر هيكلها أو تتأذى الطائرة من الارتداد.

مرحلة السقوط الحر

بعد ثوانٍ معدودة تتخلّص القنبلة من المظلة وتبدأ بالسقوط تحت تأثير الجاذبية الأرضية. أجنحة شبكية صغيرة في مؤخّرتها تنفتح فتُحسّن استقرارها أثناء الهبوط وتسمح لنظام التوجيه بالتحكّم في اتجاهها.

مرحلة التوجيه والوصول إلى الهدف

يستقبل نظام الملاحة بالأقمار الصناعية إشارات التحديد ثم يُرسلها إلى وحدة القصور الذاتي التي تحسب الموقع الفعلي بدقة متناهية. على ضوء ذلك تُعدَّل زوايا الأجنحة الشبكية لتصحيح المسار حتى تصل القنبلة إلى الإحداثيات المحدّدة بأقل من مترين من الخطأ.

طائرة نقل عسكرية سي-١٣٠ هيركليز في سماء زرقاء أثناء التحليق — وهي الطائرة المخصّصة لإسقاط قنبلة التفريغ الهوائي مواب

تاريخ الاستخدام العملي

الاختبار الأول — آذار مارس ألفين وثلاثة

أُجري أول اختبار حيّ لقنبلة التفريغ الهوائي في الحادي عشر من آذار مارس ألفين وثلاثة في قاعدة إيغلين الجوية بولاية فلوريدا الأمريكية. أسقطتها طائرة إم سي-١٣٠ من ارتفاع عالٍ فوق منطقة اختبار صحراوية، وملأت سحابة الانفجار المشهد بأكمله وأحدثت هزّة أرضية شعر بها السكان على بُعد أميال. لم تُستخدم القنبلة آنذاك في حرب العراق رغم اقتراب موعد الغزو، لكنّ مجرّد إعلان وجودها أحدث تأثيراً نفسياً كبيراً.

الاستخدام القتالي الأول — نيسان أبريل ألفين وسبعة عشر

استُخدمت القنبلة عملياً للمرة الأولى في الثالث عشر من نيسان أبريل ألفين وسبعة عشر، حين أسقطتها القوات الجوية الأمريكية على مجمع كهوف الأصفند في ولاية ننجرهار بأفغانستان. كان الهدف تدمير شبكة أنفاق ومغارات يستخدمها مسلّحو تنظيم داعش كمعقل ومخزن أسلحة. أعلن البنتاج أنّ الانفجار قضى على ما لا يقلّ عن أربعة وتسعين مسلّحاً ودُمّرت أنفاق على عمق عشرات الأمتار.

مقارنة مع أسلحة مشابهة

لم تكن قنبلة التفريغ الهوائي أول سلاح يعتمد مبدأ الانفجار الهوائي. قبلها بعقود استُخدمت أسلحة مشابهة في حروب مختلفة:

قنابل التفريغ الهوائي في فيتنام

خلال حرب فيتنام استخدمت القوات الأمريكية قنابل تفريغ هوائي تزن نحو ستّة آلاف وثمانمئة كيلوجرام أُطلق عليها اسم «دايزي كاتر». كان الهدف الأساسي تسوية مناطق الغابات الكثيفة لإنشاء مهابط فورية لمروحيات الإنقاذ دون الحاجة إلى مهندسين ومعدات ثقيلة. استطاعت قنبلة واحدة إزالة أشجار على محيط دائرة قطرها مئة واثنان وخمسون متراً تقريباً.

قنبلة أبي القنابل الروسية

في عام ألفين وسبعة أعلنت روسيا عن قنبلتها الخاصة «أبو القنابل» وهي تطوير لسلاح تفريغ هوائي سوفياتي سابق. يُقدَّر وزنها بنحو سبعة آلاف ومئة كيلوجرام، أي أصغر من مواب بنحو ألفين وثمانمئة كيلوجرام، لكنّ روسيا زعمت أنّ قوّتها التفجيرية تعادل أربع مرّات نظيرتها الأمريكية بفضل تركيبة متفجرة أكثر كثافة. لم يُتحقّق هذا الادعاء بشكل مستقل.

الفرق عن الأسلحة النووية التكتيكية

رغم ضخامة أثر قنبلة التفريغ الهوائي فإنّها لا تقترب من أضعف الأسلحة النووية. أصغر قنبلة نووية تكتيكية تُنتج طاقة تعادل ألف طن من مادّة التي إن تي، بينما تُنتج مواب طاقة تعادل أحد عشر طناً فقط. أي أنّ القنبلة النووية الصغيرة أقوى بنحو تسعين مرة. الفارق الحقيقي هو في التكلفة والتداعيات السياسية والبيئية؛ فقنبلة التفريغ لا تخلّف إشعاعات ولا تُثير نفس درجة الرعب العالمي.

لماذا تُستخدم قنبلة التفريغ الهوائي؟

تخدم هذه القنبلة أغراضاً عسكرية محددة لا تؤدّيها القنابل العادية بالكفاءة ذاتها:

تدمير الأنفاق والمغر المحصّنة

الانفجار الهوائي يولّد ضغطاً هائلاً يتسلّل إلى داخل الأنفاق والمغارات والخنادق حيث يختبئ المقاتلون. ضغط الموجة الانفجارية ينهار الجدران ويقضي على من بداخلها حتى لو لم تُصبهم شظايا مباشرة.

إزالة حقول الألغام

موجة الضغط القوية تُفعّل الألغام الأرضية أو تُدمّرها كلياً ممّا يسمح للقوات بالمرور بأمان دون الحاجة إلى فرق إزالة ألغام بطيئة.

التأثير النفسي

صوت الانفجار الهائل وهزّة الأرض التي تتبعه يُحدثان رعباً بالغاً بين صفوف الخصم. في الواقع لم تُستخدم القنبلة إلا مرّتين فقط — في الاختبار الأول وبأفغانستان — ما يعني أنّ مجرّد وجودها في الترسانة يشكّل أداة ترهيب بحدّ ذاته.

انتقادات ومحاذير

لا يخلو استخدام سلاح بهذا الحجم من جدل. فقد انتقدت منظمات حقوقية الاستخدام في أفغانستان بحجّة أنّ الانفجار الضخم لا يميّز بين مقاتل ومدني، وأنّ المنطقة المستهدفة كانت مأهولة بعائلات مدنية بحسب تقارير محلية. كذلك أُثيرت تساؤلات حول ملاءمة سلاح بهذا الحجم لحرب غير متكافئة أصلاً، معتبرين أنّ الهدف الحقيقي كان سياسياً وإعلامياً أكثر منه عسكرياً. من جهتها قالت القيادة الأمريكية إنّ الهدف لم يكن فيه مدنيون وأنّ القنبلة كانت الوسيلة الوحيدة القادرة على تدمير شبكة الأنفافيف بعمقها وتحصينها.

الخلاصة — سلاح استثنائي بأثر محدود

قنبلة التفريغ الهوائي هي ذروة تطوير الأسلحة التقليدية الانفجارية من ناحية الحجم والقوّة. هي أكبر قنبلة غير نووية في ترسانة الولايات المتحدة وأكثرها قدرة على تدمير الأهداف الأفقية الواسعة كالأنفاق وحقول الألغام. لكنّها في نهاية المطاف سلاح تقليدي لا يُقارن بالأسلحة النووية من حيث الطاقة التفجيرية. استُخدمت مرة واحدة فقط في القتال الفعلي، وبقيت صورتها رمزاً للقوّة العسكرية الأميركية وقدرتها على حمل أقصى درجات العنف التقليدي إلى أيّ بقعة في العالم.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !