
من بين ألوف السفن التي غرقت في تاريخ البحر، لم يبقَ في الوجدان الإنساني مثل ما بقيت تيتانيك. ليلة واحدة في شمال المحيط الأطلسي، في خامس عشر من نيسان عام ألف وتسعمائة واثني عشر، وجبل جليد واحد، وأربعة ألاف دقيقة تحولت فيها أفخم سفينة في العالم إلى أشهر مقبرة في أعماقه.
ومن أغرب ما يُروى عن هذه الليلة جملة من المواقف التي سبقت الكارثة، وتبدو وكأنها تنبّأت بها. وفي هذا المقال نستعرض أشهرها، ونميز ما ثبت منها من ما دخل عليه التهويل، ثم نسأل السؤال المهم: لماذا تتولّد مثل هذه الحكايات بعد كل مصيبة كبرى؟
وصية كُتبت قبل الغرق بساعات
من أكثر الروايات تردداً أن أحد المسافرين أرسل وصيته إلى محاميه ووزّع تركته على وارثيه قبل الغرق بساعات، وقال فيها إنه لن يعود إلى أوروبا.
ما يمكن قوله بدقة
من المعروف توثيقياً أن عدداً من مسافري الدرجة الأولى كانوا من كبار الأثرياء ورجال الأعمال، وأمثال هؤلاء يُحدّثون وصاياهم ويراسلون محاميهم في كل رحلة طويلة لا في هذه الرحلة وحدها، فالسفر عبر الأطلسي في ذلك الزمان كان مخاطرة معروفة لا رحلة مريحة كاليوم. أما عبارة «لن أعود إلى أوروبا» فإنها تحتمل أكثر من معنى، وأقربها إلى المعقول أن صاحبها كان مهاجراً عازماً على الاستقرار في العالم الجديد، لا أنه كان يرى موته قادماً.
الأحلام المرعبة في الليلة الأخيرة
تروي المصادر أن عدداً من المسافرين كانوا في حالة قلق غير معتاد، وأن بعضهم رأى ما أفزعه في منامه. ومن أشهر ما يُذكر خادمة قالت إنها لن تسافر بحراً مرة أخرى بعد ما رأت، وامرأة ظلت تبكي على سطح السفينة متوقعة أمراً مرعباً.
ما بين المرويّ والموثّق
هذه القصص وردت أكثرها في شهادات جُمعت بعد الحادثة، بعضها بعد سنوات طويلة، وكثير منها من روايات شفهية نقلها الناجون عن غيرهم. ولا يعني ذلك أنها مكذوبة، لكنه يعني أن التدقيق فيها صعب، وأن الذاكرة الإنسانية تعيد ترتيب ما مضى في ضوء ما حدث بعده. فالخوف الذي يُنسى في رحلة عادية يُتذكّر ويُروى ويُكبَّر إذا انتهت الرحلة بمصيبة.
قصة الطفلة إيفا هارت
أما القصة الأوثق في هذا الباب فهي قصة الطفلة إيفا هارت، وكانت في السابعة من عمرها، سافرت مع أبيها وأمها في الدرجة الثانية. وقد روت في مقابلات كثيرة أن أمها رفضت النوم بالليل طوال الرحلة، فكانت تجلس ساهرة تخيط، وتقول إن أمراً سيحدث. وحين وقع الاصطدام كانت الأم مستيقظة، فأسرعت بابنتها إلى ظهر السفينة، فنجت الاثنتان.
وهنا يلزم تصحيح ما ورد في بعض النقول: الأمّ نجت ولم تغرق، والذي غرق هو الأب. وقد عاشت إيفا حتى عام ألف وتسعمائة وستة وتسعين، وصارت من أشهر شهود تلك الليلة، وقالت مراراً إنها لم تنسَ صوت السفينة وهي تنكسر.
قصة الأديب الذي كتب مصيره
وأعجب ما في الباب كله قصة الصحافي والأديب البريطاني وليام توماس ستيد، وكان من أشهر صحافيي عصره ورائداً في الصحافة الاستقصائية، ومن دعاة السلام حتى رُشِّح لجائزة نوبل للسلام مرات عدة. وكان على متن تايتنك في رحلته الأخيرة، وغرق فيها.
القصة التي كتبها قبل عشرين عاماً
كتب ستيد قصة أدبية بعنوان «من العالم القديم إلى العالم الجديد»، نُشرت في مجلة كان من مؤسسيها. وفيها سفينة تابعة لشركة الخط الأبيض نفسها، تنقذ ناجين من سفينة أخرى اصطدمت بجبل جليدي في الأطلسي، ويكون الإنقاذ بفضل مسافر يرى الحادث في رؤيا.
تصحيح مهم في التاريخ
يُقال في النصوص المتداولة إن ستيد كتب هذه القطعة قبل غرقه بفترة وجيزة. والصحيح أنه كتبها في عام ألف وثمانمائة واثنين وتسعين، أي قبل غرق تايتنك بعشرين عاماً كاملة. وله قصة أخرى أسبق منها، نُشرت في عام ألف وثمانمائة وستة وثمانين، تصف غرق باخرة بريد وموت مسافريها لقلة قوارب النجاة، وقد ذيّلها بجملة قال فيها إن هذا ما سيحدث فعلاً إن أبحرت السفن بقوارب لا تكفي.
وهذا الجزء الأخير أهم من كل حديث عن التنبؤ. فستيد لم يكن يرى الغيب، بل كان ينبّه إلى خلل معروف في قوانين الملاحة: أن عدد قوارب النجاة كان يُحسب على أساس حجم السفينة لا عدد من فيها. وقد كان في تايتنك عشرون قارباً لا تتسع إلا لنحو نصف من كان على متنها. فالذي كتبه لم يكن رؤيا، كان تحليلاً صحيحاً لخطر قائم، وقد صدق كما يصدق كل من يحسب جيداً.
الضابط الذي لم يرتح لهذه السفينة
وأما الرسالة التي يُشار إليها في المتن، فصاحبها هنري تينجل وايلد، وكان الضابط الأول في تايتنك، لا رجل أمن كما ورد. وقد أرسل من ميناء كوينزتاون في أيرلندا رسالة إلى إحدى قريباته قال فيها بالحرف: «ما زلت لا أحبّ هذه السفينة، عندي إحساس غريب حيالها». ولم يكتب له النجاة.
سبب هذا الشعور ليس غيبياً
وحين تنظر في سياق الرجل تجد لكلامه سبباً مفهوماً. فقد كان يعمل ضابطاً أول على السفينة الشقيقة أولمبيك، ثم نُقل إلى تايتنك في اللحظة الأخيرة قبل الإبحار. وهذا النقل المتأخر أدى إلى إعادة ترتيب أدوار الضباط كلها، ونزول من كان قبله درجة، وحدوث اضطراب في توزيع المهام. ومن يعمل في البحر يعرف أن طاقماً لم يتفاهم بعد على سفينة جديدة لم يجرّبها أحد قط ليس أمراً مطمئناً. فقلقه كان قلق مهني خبير، لا هاجساً من الغيب.
خرافة تحدّي السماء
ويُتداول كثيراً أن مهندسي السفينة أو بانيها تحدّوا الله أن يُغرقها، وأن الغرق كان عقاباً على هذا التحدي. وهذه العبارة لا يوجد لها أصل في أي وثيقة أو صحيفة أو محضر تحقيق من ذلك العصر، وقد بحث فيها المؤرخون فلم يجدوا لها سنداً واحداً.
ما الذي قيل فعلاً؟
الذي ورد فعلاً أن نشرة إعلانية لشركة الخط الأبيض ذكرت أن السفينتين مصمّمتان بحيث تكونان «غير قابلتين للغرق عملياً»، وهي عبارة فيها قيد واضح. أما وصف تايتنك بأنها «لا تغرق» على الإطلاق فقد شاع بعد غرقها لا قبله، وصار جزءاً من الأسطورة. والمفارقة أن الأسطورة نفسها هي التي وُلدت من الكارثة، ثم قُدّمت للناس كأنها سبب الكارثة.
الأسباب الحقيقية
وللغرق أسباب مادية معروفة درسها المحققون وأكدها فحص الحطام بعد اكتشافه في عام ألف وتسعمائة وخمسة وثمانين: سرعة عالية في منطقة يُعرف أن فيها جليداً، وتحذيرات لاسلكية عن الجبال الجليدية لم تُعطَ ما تستحق، وليلة ساكنة بلا قمر ولا موج فلم يظهر بياض الأمواج على قاعدة الجبل، وحواجز مانعة للماء لم تكن مغلقة من أعلى بل مفتوحة السقف فسال الماء من واحدة إلى التي بعدها كما يسيل في صواني متجاورة، وقوارب نجاة لنصف الناس، وسفينة قريبة لم يكن عامل اللاسلكي فيها على جهازه.
لماذا نحب قصص النذير؟
يبقى السؤال: إذا كان أكثر هذه القصص إما ضعيف السند أو له تفسير طبيعي، فلماذا تنتشر بهذه القوة وتُعاد كل عام؟
ثلاثة أسباب نفسية
الأول أن الذاكرة انتقائية: من بين ألفي ومئتي مسافر، كان لا بد أن يقلق بعضهم ويحلم بعضهم أحلاماً سيئة، فهذا يقع في كل رحلة. لكننا لا نسمع إلا عن الأحلام التي صدقت، وننسى ملايين الأحلام التي لم تتحقق. الثاني حاجتنا إلى المعنى: العقل يرفض أن تكون مصيبة بهذا الحجم مجرد سلسلة أخطاء وسوء حظ، فيبحث لها عن نظام خفيّ وإشارات مسبقة. والثالث إعادة البناء بعد الحدث: من عاش الكارثة يعيد قراءة كل ما قبلها في ضوئها، فتصير كلمة عابرة نذيراً، وقلق عادي نبوءة.
وماذا يبقى من العبرة؟
الأهم في هذه القصة ليس أن أحداً رأى المصير قبل وقوعه، بل أن الأخطاء التي أدت إليه كانت معروفة قابلة للإصلاح، وأن الثقة الزائدة بالتقنية هي التي أعمت. ولذلك تغيّر العالم بعدها فعلاً: صارت قوارب النجاة تُحسب بعدد الأنفس لا بحجم السفينة، وصار اللاسلكي يعمل أربعاً وعشرين ساعة، وأُنشئ حرس دوريات الجليد الدولي لمراقبة الجبال في الأطلسي، وأُقرّت أول اتفاقية دولية لسلامة الأرواح في البحر.
وهذا هو الدرس الذي يستحق أن يُروى: أن السفن لا تغرق بالتحدي، بل بالتهاون، وأن أثمن ما خرجت به البشرية من تلك الليلة الباردة هو قوانين أنقذت بعدها أرواحاً لا نعرف عددها.
