.jpg)
السؤال الذي يرافق الإنسان منذ أول ليلة رفع فيها رأسه إلى السماء هو: ألسنا وحدنا؟ ومن دون أن نجد جواباً قاطعاً عنه بعد، فقد اجترحنا إلى مرحلة أقرب منه: صرنا نعرف أن الكواكب الشبيهة بالأرض ليست أمنية، بل حقائق رصدية لها أرقام ومدارات وأسماء.
وفي عام ألفين وثلاثة عشر أعلن باحثون في وكالة ناسا عن اكتشاف كان من أقرب ما وصل إليه الإنسان حتى ذلك الحين: كوكبان يدوران حول نجم بعيد، حجماهما قريبان من حجم كوكب الأرض، وموقعاهما يسمحان نظرياً بوجود ماء سائل على سطحيهما.
منزومة كبلر اثنان وستون
النجم المعني يُعرف باسم كبلر اثنان وستون، ويقع في اتجاه كوكبة القيثارة، على بُعد يقارب ألفاً ومائتي سنة ضوئية منا. ومعنى ذلك أن الضوء الذي يرصده التلسكوب اليوم خرج من هذا النجم قبل أكثر من ألف ومائتي عام، أي أننا لا نرى المنزومة كما هي الأن، بل كما كانت.
نجم أبرد من شمسنا
ليس هذا النجم توأماً لشمسنا، بل هو أصغر منها حجماً وأقل كتلة، وحرارة سطحه أدنى، ولونه يميل إلى البرتقالي. ولأنه أقل لمعاناً، فإن منطقة الاعتدال الحراري حوله، أي النطاق الذي يمكن أن يبقى فيه الماء سائلاً، أقرب إليه مما هي في منزومتنا.
ما يُقال عن لون السماء هناك
يتردد في بعض المنشورات أن من يقف على أحد هذين الكوكبين وينظر إلى السماء سيرى شمسنا نقطة صفراء صغيرة. والأدقّ أن شمسنا من هناك لن تكون مرئية للعين المجردة أصلاً لفرط البُعد، وأن المقصود في الأصل هو شمس تلك المنزومة نفسها، فهي التي تبدو أصغر قليلاً وأميل إلى البرتقالي مما تبدو شمسنا في سمائنا، ولذلك يتوقع العلماء أن يكون ضوء النهار هناك أكثر حمرة مما ألفناه.
الكوكبان الشبيهان بالأرض
الكوكبان المكتشفان يحملان تسميتين مشتقتين من اسم نجمهما، ويُشار إليهما بحرفي «هاء» و«واو» بحسب ترتيب اكتشافهما. وهما أول كوكبين في تاريخ الرصد اجتمع فيهما شرطان معاً: حجم قريب من حجم الأرض، وموقع داخل منطقة الاعتدال الحراري.
الحجم والمدار
الأول أكبر من الأرض بنحو مرة وأربعة أعشار في نصف القطر، ويتم دورته حول نجمه في نحو مئة واثنين وعشرين يوماً. والثاني أكبر بنحو مرة وستة أعشار، وسنته أطول، نحو مئتين وسبعة وستين يوماً. أي أن العام على كليهما أقصر من عامنا الأرضي، لأن كلاً منهما أقرب إلى نجمه مما نحن إلى شمسنا.
صخريان أم مائيان؟
بحسب حجميهما، فإن الكوكبين ليسا من الكواكب الغازية العملاقة كالمشتري، وإنما يُرجَّح أن يكونا صخريين، أو أن يكون أحدهما عالماً مائياً مغطى بمحيط عميق يلفّ الكوكب كله. لكن يجب أن يُقال بصراحة إن كتلتهما لم تُقس بدقة، وما لم تُعرف الكتلة لا تُعرف الكثافة، وبدون الكثافة يبقى الحكم على طبيعة التركيب ترجيحاً لا يقيناً.
ما هي منطقة الاعتدال الحراري؟
يستخدم الفلكيون مصطلحاً لطيفاً لوصف المسافة المناسبة بين الكوكب ونجمه، هو «المنطقة الصالحة للسكن» أو منطقة الاعتدال. وهي شريط مداري لا يكون فيه الكوكب قريباً من نجمه فيتبخر ماؤه، ولا بعيداً عنه فيتجمد كله.
شرط ضروري لا كافٍ
هنا نقطة يخطئ فيها كثير من القراء: وجود الكوكب في هذه المنطقة لا يعني أن عليه ماء، ولا أن عليه حياة. إنه يعني فقط أن درجة الحرارة المتوقعة تسمح ببقاء الماء سائلاً لو وُجد أصلاً. وهناك شروط أخرى لا تُعرف بعد لهذين الكوكبين: هل لهما غلاف جوي؟ وما تركيبه؟ وهل لهما مجال مغناطيسي يحميهما من إشعاع نجمهما؟ وهل يدور كل منهما حول محوره أم أن وجهاً واحداً منه يواجه النجم دائماً؟
لماذا يهمّنا الماء تحديداً؟
الماء السائل مذيب ممتاز، ينقل المواد ويسمح بالتفاعلات الكيميائية المعقدة، وله خصائص حرارية تجعله يعتدل بالحرارة ولا يتغير بسرعة. ولهذا يبحث العلماء عنه أولاً، لا لأنهم متأكدون أن الحياة لا تنشأ إلا به، بل لأنه النموذج الوحيد الذي نعرفه فعلاً وهو نموذجنا نحن.
تلسكوب كبلر وثورة صيد الكواكب
كل هذا لم يكن ممكناً لولا تلسكوب فضائي واحد أُطلق في عام ألفين وتسعة، وحُمِّل مهمة واحدة محددة: أن يحدّق في رقعة واحدة من السماء في مجرة درب التبانة، ويراقب سطوع أكثر من مئة وخمسين ألف نجم في وقت واحد، دون أن يحوّل نظره عنها.
طريقة العبور
وفكرة عمله بسيطة وعبقرية في الوقت نفسه. حين يمرّ كوكب أمام قرص نجمه من زاوية نظرنا، يحجب جزءاً ضئيلاً من ضوئه، فيهبط سطوع النجم هبوطاً طفيفاً جداً لا يزيد على أجزاء من الألف. فإذا تكرر هذا الهبوط بانتظام وبالقدر نفسه وفي المدة نفسها، عرفنا أن هناك جسماً يدور. ومن مقدار الهبوط يُحسب حجم الكوكب، ومن الفترة بين هبوط وهبوط يُحسب طول سنته وبُعده عن نجمه.
ما أنجزه هذا التلسكوب
أول ما اكتشفه كبلر كان كواكب غازية عملاقة تدور قريبة جداً من نجومها، وهو نوع لم يكن أحد يتوقعه، لأنه يخالف ما نعرفه من ترتيب منظومتنا. ثم توالت الاكتشافات حتى أثبت التلسكوب وخلفه عدداً يتجاوز خمسة آلاف كوكب مؤكد خارج المجموعة الشمسية. والنتيجة الأهم التي خرج بها ليست كوكباً بعينه، بل استنتاج إحصائي: الكواكب ليست استثناءً في الكون، بل هي القاعدة، ويُقدَّر أن لكل نجم في مجرتنا كوكباً واحداً على الأقل في المتوسط.
تصحيح رقمين شائعين
يُقال في بعض المنشورات إن في مجرة درب التبانة وحدها مئات الآلاف من المنظومات الشبيهة بمنظومتنا. والرقم الحقيقي أكبر من ذلك بكثير: المجرة تحتوي على ما بين مئة ومئتي مليار نجم، ونسبة كبيرة منها لها كواكب، فالحديث عن مليارات المنظومات لا مئات الآلاف.
وعن عدد ما رصده كبلر
وكذلك ما يُقال من أن التلسكوب اكتشف مئة وسبعين ألف نجم وكوكب، والأصحّ أنه راقب هذا العدد من النجوم مراقبة مستمرة، ولم يكتشفها، فالنجوم كانت معروفة ومفهرسة قبله. أما ما اكتشفه فهو الكواكب التي حول بعضها.
ما بعد كبلر
توقف كبلر عن العمل في عام ألفين وثمانية عشر بعد نفاد وقوده، لكن المهمة لم تتوقف. فقد جاء بعده تلسكوب أُطلق ليمسح السماء كلها لا رقعة منها، باحثاً عن كواكب حول نجوم قريبة يسهل دراستها. ثم جاء تلسكوب فضائي أكبر قادر على تحليل ضوء النجم وهو مارّ عبر الغلاف الجوي للكوكب، فيميّز بصمات الغازات فيه.
الخطوة القادمة: شمّ الأجواء
وهذه هي الخطوة الحقيقية التالية في السؤال الكبير. فلو رصدنا في غلاف جوي بعيد اجتماع غازات لا يمكن أن تتعايش كيميائياً إلا إذا كان شيء ما ينتجها باستمرار، لكان ذلك أقوى مؤشر متاح لنا على وجود عملية حيوية. ومع ذلك يبقى هذا مؤشراً يحتاج تدقيقاً واستبعاداً للأسباب غير الحيوية، لا إعلاناً نهائياً.
خاتمة: بعد ألف ومئتي سنة ضوئية
حين تتأمل الأمر، تجد في هذه القصة تواضعاً وعظمة معاً. تواضعاً لأننا نتحدث عن عالمين لن نزورهما أبداً بأي تقنية نتخيلها اليوم، فالمسافة إليهما تحتاج ملايين السنين بأسرع مركبة صنعناها. وعظمة لأننا مع ذلك عرفنا حجمهما وطول سنتهما ومسافتهما عن نجمهما، ونحن جالسون على كوكبنا الصغير، بواسطة انخفاض طفيف في ضوء نجم لا تراه العين.
وأياً كان الجواب عن سؤال الحياة هناك، فإن الرحلة نفسها علّمتنا شيئاً عن هنا: أن هذا الكوكب الأزرق الذي نقف عليه، بمائه وهوائه واعتداله، ليس أمراً عادياً ولا مضموناً، وأن العناية به أرشد من انتظار بديل على بُعد ألف ومئتي سنة ضوئية.
.png)