قصيدة حزن يغتالني

Unknown
لقطة مقربة لوجه امرأة تبكي مغمضة العينين والدموع على خدها على خلفية داكنة غير واضحة ومكتوب على الصورة حزن يغتالني

من النصوص ما لا يُقرأ بالعين وحدها، بل يُقرأ بالقلب، لأن كاتبه لم يقصد أن يصنع أدباً وإنما قصد أن يتنفس. وهذا النص الوجداني من هذا الباب، تكتبه صاحبته مخاطبة قلبها لا مخاطبة قارئها، تسأله إلى متى يصبر على من لا يعرف للحب معنى، ثم تنتهي إلى أمر واحد مكرر هو أن يكف. وفي هذه الصفحة نقدم النص كما ورد، ثم نقف عنده قراءة وتأملاً فيما يحمله من تجربة يعرفها كثيرون.

نص الخاطرة

حزن يغتالني
وهم يقتلني
وظلم حبيب يعذبني
آه .. ما هذه الحياة
التي كلها آلام لا تنتهي
وجروح لا تنبري
ودموع من العيون تجري
جرحت خدي
أرقت مضجعي
وسلبت نومي

آه يا قلبي يا لك من صبور
على الحبيب لا تجور رغم ظلمه الكثير وجرحه الكبير،
الذي لا يندمل ولا يزول
ما زلت تحبه
رغم كل الشرور
ما زلت تعشقه رغم الجور والفجور
ما زلت تحن إليه
رغم ما فيه من غرور

قلبي .. ويحك قلبي
إلى متى .. إلى متى؟
أخبرني بالله عليك إلى متى؟
هذا الصبر وهذا الجلد والتحمل
إلى متى هذا السهر والتأمل؟
إلى متى هذه المعاناة والتذلل؟

كف عن هذا كف
واهجر ما هجرت
وعذب كما عُذبت
واجرح كما جُرحت، ولكني لست ممن يجرح لأني أنثى لي قلب
فلقد عانيت كثيراً وصبرت كثيراً كثيراً
على حبيب لا يعرف للحب معنى
أما آن لك يا قلبي أن توقف كل هذا
فبالله عليك يا قلبي
كــــف

بقلم هبة محمد، وتقول: لساني يعجز عن البوح فقلمي يكتب بدلاً منه.

قراءة في الخاطرة

تبدأ الكاتبة بثلاث جمل قصيرة متلاحقة، فيها الحزن يغتال والهم يقتل وظلم الحبيب يعذب. وهذا التتابع السريع ليس صنعة لفظية، بل هو صورة صادقة لحال من ضاق صدره فصار كلامه أنفاساً مقطعة لا جملاً طويلة. ومن دقيق ما اختارته أنها قالت يغتالني ولم تقل يحزنني، والاغتيال قتل على غفلة وبغير إعلان، وهكذا يفعل الحزن الطويل، فهو لا يعلن عن نفسه دفعة واحدة بل يأخذ من صاحبه شيئاً كل يوم حتى يفرغه من غير أن يشعر.

الجسد يشكو قبل اللسان

لعل أصدق ما في هذه الخاطرة قولها: جرحت خدي، أرقت مضجعي، وسلبت نومي. فالكاتبة هنا لا تصف عاطفة مجردة، وإنما تصف آثاراً في الجسد. وهذا موافق لما يعرفه أهل الطب النفسي، فالحزن المكتوم والقلق المستمر يظهر أثرهما في النوم قبل كل شيء، فيصير المرء يسهر بلا سبب ثم يستيقظ متعباً، وقد يفقد شهيته للطعام أو يزيد فيه، ويشعر بثقل في الصدر وشد في الرقبة والكتفين. ومن هنا كان قدماء الأطباء العرب يعدون الهم من أسباب المرض لا من أعراضه فقط.

مخاطبة القلب دون الحبيب

الملاحظة الأهم في النص أن الكاتبة لا تخاطب من ظلمها في أكثر سطورها، بل تخاطب قلبها هي. تقول: آه يا قلبي، ويحك قلبي، بالله عليك يا قلبي. وهذا التحول من مخاطبة الآخر إلى مخاطبة الذات علامة نضج في التجربة، لأن صاحبها أدرك أن باب التغيير من جهته لا من جهة غيره. فالمظلوم حين يظل يعاتب من ظلمه يبقى معلقاً بانتظار اعتذار قد لا يأتي، أما إذا خاطب قلبه فقد بدأ يستعيد ما بيده.

حين يصير الصبر ضرراً

تسأل الكاتبة قلبها: إلى متى هذا الصبر وهذا الجلد والتحمل، إلى متى هذه المعاناة والتذلل. وهذا سؤال في محله، فالصبر خُلق كريم لكنه ليس مطلقاً في كل موضع. فثمة فرق بين صبر يُصلح ويُثمر وصبر يُستنزف صاحبه ولا يُنتج شيئاً.

الفرق بين الاحتمال المثمر والاستنزاف

الصبر المثمر يكون على أمر يُرجى فيه تغير، كصبر على مرض يُشفى أو على ضيق يزول أو على شخص يعترف بخطئه ويعمل على إصلاحه. أما الاستنزاف فهو الاحتمال المتكرر لأذى لا يتغير صاحبه ولا يعترف به ولا ينوي تركه، وحينئذ يكون الاحتمال إعانة على استمرار الأذى لا علاجاً له. والعلامة الفارقة بين الحالين سؤال واحد: هل تحسّن شيء بعد كل هذا الصبر؟ فإن كان الجواب لا، فالمسألة ليست في نقص الصبر بل في خطأ الموضع.

ما تعنيه كلمة التذلل

الكاتبة نفسها استعملت كلمة التذلل، وهي كلمة ثقيلة اختارتها بوعي. فالحب في أصله يقوم على تكافؤ في الكرامة، فإذا صار أحد الطرفين يعتذر دائماً ويسترضي دائماً ويخاف من كلمة يقولها، فقد خرج الأمر عن الحب إلى شيء آخر. وأدرك القدماء هذا فقالوا في أمثالهم إن من هان عليه نفسه هان على الناس، ومعنى ذلك أن حفظ الكرامة ليس كبرياء وإنما هو شرط لبقاء العلاقة سليمة أصلاً.

لماذا يتعلق القلب بمن يؤذيه

أعجب ما في هذه الخاطرة موضع تكرره الكاتبة: ما زلت تحبه رغم كل الشرور، ما زلت تعشقه رغم الجور، ما زلت تحن إليه رغم ما فيه من غرور. وهذا السؤال عن سبب التعلق بمن يؤذي من أقدم ما حيّر الناس.

أثر اللحظات الحسنة القليلة

من أسباب ذلك أن العلاقة المؤذية لا تكون سيئة كلها، بل تتناوب فيها القسوة واللطف. وهذا التناوب هو أشد ما يثبّت التعلق، لأن القلب يعلق بالأمل في رجوع اللحظة الحسنة، فكلما ضاق تذكر يوماً جميلاً فاحتمل. ولو كان الأذى مستمراً بلا انقطاع لكان الفراق أسهل، لكن اللطف المتقطع هو الذي يجعل صاحبه يقول لعله يتغير.

الاعتياد وثقل الفراق

ومن الأسباب أيضاً أن الإنسان يعتاد الوجوه والأماكن والعادات، فيصير الفراق في حسابه خسارة مضاعفة، لا خسارة شخص فقط بل خسارة عادة ومكان وحديث ووقت. ولهذا يبقى بعض الناس في علاقة يعلمون ضررها، خوفاً من الفراغ الذي يخلفه الخروج منها، لا حباً في بقائها. ومن أدرك هذا في نفسه فقد قطع نصف الطريق، لأنه فرق بين حبه للشخص وخوفه من الوحدة، وهما أمران يخلط بينهما كثيرون.

من الشكوى إلى الخروج

خاتمة النص كلمة واحدة كررتها الكاتبة ثلاث مرات: كف. وهي كلمة تحمل قراراً لم يُنفذ بعد، لكنها بداية. والانتقال من الشكوى إلى الفعل يمر بمراحل يعرفها من جربها.

أن يُسمى الأمر باسمه

أول خطوة أن يعترف المرء بأن ما يجري ظلم، لا سوء تفاهم ولا سوء حظ ولا خطأ منه هو. وأكثر ما يطيل بقاء الناس في الأذى تسميته بغير اسمه، فيقال إنه متعب في عمله أو إنه يحبني ولكنه لا يعرف كيف يعبر. وأول العلاج تسمية الأمر باسمه.

الكتابة والبوح

وقد فعلت الكاتبة أمراً نافعاً حين أخرجت ما في صدرها كتابة، وقالت في ختامه إن لسانها يعجز عن البوح فقلمها يكتب بدلاً منه. والكتابة تُخرج الشعور من دائرة الدوران في الرأس إلى شيء ملموس يمكن النظر فيه والحكم عليه. ومن نافع ما يُنصح به أن يكتب المرء ما يجري بتواريخه، فإذا قرأ ما كتبه بعد شهور رأى نمطاً متكرراً لم يكن يراه وهو داخل فيه.

الاستناد إلى الناس

ومن الأمور التي تُعين ألا يبقى المرء وحده مع همه، فالعزلة تضخم الشعور وتقنع صاحبه بأنه وحده من يعاني. ووجود صديق أو قريب أو أخت يُبَثّ إليها الحديث يخفف كثيراً، ومتى بلغ الحزن حداً يعطل النوم والعمل والطعام ويطول أسابيع فلا حرج ولا عيب في طلب مشورة مختص، فذلك من العلاج لا من الضعف.

خاتمة

هذه الخاطرة صوت لكل من احتمل من حبيب أذى طويلاً وهو يسأل نفسه إلى متى. وفيها من الصدق ما يجعلها تشبه كثيراً من الناس، وفيها من الوعي ما يستحق الوقوف عنده، فقد خاطبت الكاتبة قلبها لا من ظلمها، وسمّت ما تعانيه تذللاً ومعاناة لا حباً، وانتهت إلى كلمة واحدة هي كف. والذي يُرجى لكل من قرأها ووجد فيها نفسه أن يعلم أن الصبر إنما يُحمد في موضعه، وأن حفظ الكرامة ليس نقصاً في الحب بل شرط في صحته، وأن الخروج من علاقة تُنقص الإنسان ليس هزيمة بل استعادة لما هو أحق به. ومن آنس في نفسه ثقلاً لا يزول فليطلب العون، فالبوح أول الشفاء.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !