البيوت التي لا تدخلها الملائكة

منزل من طابقين على الطراز المتوسطي بواجهة بيج وحجر طبيعي وسقف قرميد بني محمر ومدخل مقوس بباب خشبي داكن وحديقة أمامية تحت سماء زرقاء صافية

يتردد بين الناس سؤال عن البيوت التي لا تدخلها الملائكة، وينتشر في جوابه قوائم طويلة تجمع أموراً متفاوتة في درجة الثبوت، فيختلط فيها ما جاء فيه نص صريح بما هو من عموم المعاصي وما لا دليل عليه أصلاً. والمقصود من هذا المقال أن نعرض القائمة المتداولة كما هي، ثم نميز بين مراتبها، ونوضح أن المرجع في الحكم الشرعي لأهل العلم لا لما يتناقله الناس.

القائمة المتداولة

وردت هذه القائمة منتشرة في مواضع كثيرة بمثل هذا الترتيب، وهي: بيت قاطع الرحم، وبيت من يأكل مال اليتيم، وبيت فيه كلب، وبيت يكثر فيه السباب، وبيت يرتفع فيه صوت نائحة، وبيت يُشرك فيه بالله وتُعلق فيه التمائم ويُرتكب فيه السحر، وبيت فيه محرمات كاستعمال أواني الذهب، وبيت فيه روائح كريهة من نحو الرائحة الناتجة عن التدخين والمخدرات، وبيت أصحابه مصرون على المعصية، وبيت تُرتكب فيه الكبائر، وبيت العاق لوالديه، وبيت يُأكل فيه الربا، وبيت فيه مجالس لا يُذكر فيها الله ولا يُصلى فيها على النبي عليه الصلاة والسلام، وبيت فيه صورة أو تمثال، وبيت يُشرب فيه الخمر، وبيت يُلعب فيه بالنرد، وبيت فيه من ورد في النصوص لعنه كالراشي والمرتشي، وبيت مسرف، وبيت تُرتكب فيه الفاحشة، وبيت يترك صاحبه الغسل من الجنابة.

الأصل الذي تقوم عليه المسألة

معتمد هذا الباب حديث واحد متفق على صحته، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة، وهو حديث رواه البخاري ومسلم. وفي حديث آخر في السنن زيادة ذكر الجنب الذي يترك الغسل. فهذا هو مورد المسألة في أصلها، ومنه توسع الواعطون وأصحاب الرقائق حتى بلغت القائمة ما بلغت.

المراتب الثلاث في القائمة

ومن أراد الإنصاف في قراءة ما تقدم وجد أن موادها تنقسم إلى ثلاث مراتب. فالمرتبة الأولى ما جاء فيه نص خاص يربطه بدخول الملائكة بعينه، وهو ثلاثة فحسب: الكلب والصورة وترك الغسل من الجنابة. والمرتبة الثانية معاص ثابتة التحريم بأدلتها الخاصة مثل قطيعة الرحم وأكل مال اليتيم والربا والخمر وعقوق الوالدين والسحر، لكن تحريمها ثابت من جهة أخرى لا من جهة دخول الملائكة. والمرتبة الثالثة ما لا يصح إدراجه في هذا الباب أصلاً، ومنه ما يتعلق بروائح الطعام المباح وما يتعلق بكثرة الأثاث.

ما ثبت فيه النص بعينه

الكلب في البيت

النص في هذا صريح، لكنه ليس على العموم المطلق. فقد استثنى أهل العلم كلب الصيد وكلب الحرث وكلب حفظ الغنم، لما ثبت من الإذن فيها، وكذلك ألحق كثير من المعاصرين بها الكلاب المدربة لخدمة فاقدي البصر وكلاب الشرطة والإنقاذ، لأنها من جنس المنفعة المعتبرة. والذي في الحديث النهي عن اتخاذه في داخل البيت للزينة والتسلية، لا عن وجوده في الفناء أو في موضع خارج المسكن.

الصورة والتمثال

هذه المسألة من أكثر ما يخطئ الناس في فهمها. فالذي جاء فيه النهي عند جماهير أهل العلم هو التماثيل المجسمة لذوات الأرواح والصور المعلقة المعظمة التي فيها مشابهة لصنع الخالق أو تعليق على الحيطان للتعظيم. أما الصور الشمسية والصور في الأوراق الرسمية والصور المطبوعة في الكتب والصور على الشاشات فقد فرق بينها وبين ما ورد فيه النهي جمع من أهل العلم المعاصرين، وذهبوا إلى أن ما كان لحاجة أو ممتهناً في فراش أو وسادة أو محفوظاً في ملف لا يدخل في الوعيد. وهذه مسألة اختلف فيها الفقهاء، فلا ينبغي أن يشدد فيها من لم يبلغ رتبة النظر في الأدلة.

ترك الغسل من الجنابة

وردت في هذا زيادة في بعض الروايات، وحملها أهل العلم على من يتعمد التأخير ويتهاون به حتى تفوته الصلاة، لا على من أخر الغسل مدة قصيرة لعذر أو لانتظار وقت أنسب، فالتأخير القصير جائز باتفاق ما لم يفض إلى ترك صلاة.

مواضع تحتاج إلى تحرير

الروائح الطبيعية للطعام

ذُكر في القائمة أن الثوم والبصل من أسباب امتناع الملائكة، وهذا موضع خلط بين بابين. فالوارد في السنة أن من أكل ثوماً أو بصلاً نيئاً فلا يقرب المسجد حتى تذهب رائحته، لئلا يؤذي المصلين والملائكة الحاضرة في المسجد. وليس في هذا تحريم لأكلهما ولا وصف لبيت من أكلهما بأنه محجوب عن الملائكة، فالثوم والبصل طعام حلال أكله النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، وإنما الأدب في اجتناب مجالس الناس بعد أكلهما نيئين. أما التدخين والمخدرات فالكلام فيها من باب آخر، فهي ضرر بيّن على البدن والمال، والنهي عنها قائم على قاعدة تحريم الإضرار بالنفس، لا على قاعدة الرائحة.

الإسراف وكثرة الأثاث

عدّ بعض من نقل القائمة كثرة الأثاث والفرش من موانع دخول الملائكة، والصحيح أن الإسراف مذموم بنص القرآن في قوله تعالى ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين، لكن ربطه بامتناع الملائكة عن البيت لا دليل عليه. وثمة فرق مهم بين الإسراف والسعة، فمن رزقه الله مالاً فوسّع في مسكنه من غير كِبْر ولا تبذير فليس بمسرف، وإنما الإسراف تجاوز الحد وإتلاف المال في غير منفعة أو الإنفاق للمفاخرة.

الغناء واللعب بالنرد

مسألة الغناء والمعازف من المسائل التي اختلف فيها الفقهاء اختلافاً معروفاً قديماً وحديثاً، فمنهم من حرّمها ومنهم من فرّق بين ما خلا من محرم وما اقترن به، ومنهم من أجاز اليسير منها في المناسبات. وكذلك اللعب بالنرد جاء فيه نص فيه وعيد، وحمله بعضهم على ما كان بعوض. والذي ينبغي أن يُعلم هنا أن المسائل الخلافية لا يصح أن تُدرج في قائمة قاطعة تُقرأ على أنها متفق عليها.

الجانب النافع في هذا الموضوع

مع ما تقدم من تحرير، فإن في الموضوع لُبّاً نافعاً ينبغي ألا يُفقد بين الجدل في التفاصيل. فالمقصد الجامع لهذه القائمة كلها أن البيت ليس بناءً فقط، وأن ما يجري داخله من كلام ومعاملة وعمل يترك أثراً في أهله وفي بركته. وهذا أصل صحيح تشهد له نصوص كثيرة.

عمارة البيت بالذكر والقرآن

جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر أن يُقرأ القرآن في البيوت وقال لا تجعلوا بيوتكم مقابر، وجاء في فضل سورة البقرة أنها لا تُقرأ في بيت فيقربه شيطان. وجاء الأمر بالسلام عند الدخول وبذكر الله عند الطعام. فهذه أمور فعلية موجبة، والاشتغال بها أنفع من إحصاء المحاذير.

حسن العشرة وصلة الرحم

وأعظم ما ورد في القائمة أثراً في البيوت أمران: قطيعة الرحم وعقوق الوالدين. وقد جاء في قطيعة الرحم وعيد شديد، وجاء أن الرحم معلقة بالعرش. ولو أن أهل البيوت اشتغلوا بوصل من قطعهم وبر والديهم وحفظ ألسنتهم عن السباب واللعن لصلحت بيوتهم، فهذه هي الأمور الكبار التي جاء فيها الوعيد الصريح.

خاتمة

الحاصل أن الحديث الصحيح في هذا الباب ذكر الكلب والصورة، وجاءت زيادة في ترك الغسل من الجنابة، وما عدا ذلك في القائمة المتداولة فبين ما هو محرم بأدلة أخرى غير هذا الباب، وبين ما هو من مسائل الخلاف، وبين ما لا دليل عليه كربط رائحة الثوم أو كثرة الأثاث بامتناع الملائكة. وليس مقصود هذا التحرير التهوين من شأن المعاصي، فقطيعة الرحم وأكل مال اليتيم والربا والخمر والعقوق كبائر بأدلتها الخاصة، وإنما المقصود ألا يُنسب إلى الشرع ما ليس فيه، فإن الكذب على الدين بحجة الترغيب لا يجوز. والأولى بمن أراد بيتاً طيباً أن يعمره بذكر الله وقراءة القرآن وحسن العشرة وصلة الأرحام، وأن يسأل أهل العلم في تفاصيل الأحكام. والدعاء الذي ختم به أصحاب القائمة حسن، اللهم اجعل بيوتنا طاهرة من الربا والرياء والغش والنفاق والخصام، واجعل هواءها متجدداً بذكرك وجوها نظيفاً بعبادتك والتقرب إليك.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !