
من العادات غير الصحية الشائعة التي تنذر بتداعيات بالغة الخطورة أن يقوم المريض بكسر حبة الدواء قبل تناولها ظناً منه أنه بذلك يقلل جرعة الدواء. وقد حذرت دراسة طبية من أن كسر الحبة لنصفين يشكل خطراً كبيراً على سلامة صحة الإنسان وخصوصاً منطقة المريء، حيث تعمل حواف الحبة الحادة على إحداث التهابات وجروح بسيطة قد لا تُرى بالعين المجردة. والاستمرار في تناول الدواء بهذه الطريقة يسهم في معاناة المريء من التهابات مزمنة.
والمسألة أوسع من مسألة الحواف الحادة وحدها، فللأقراص والكبسولات صناعة دقيقة لا يدركها كثير من الناس، وكسر الحبة قد يفسد هذه الصناعة من أساسها فيتحول الدواء من نافع إلى ضار، أو يفقد أثره فيظن المريض أنه تعالج وهو لم يتلق من الدواء شيئاً. وفي هذا المقال نبين لماذا يُمنع كسر بعض الأدوية، وما الأنواع التي يحرم المساس بها، ومتى يجوز التنصيف، وكيف يتصرف من عجز عن بلع الحبة كاملة.
لماذا تُصنع الحبة بهذا الشكل
الحبة الدوائية ليست مجرد قالب يجمع المادة الفعالة، بل هي نظام محسوب يحدد موعد تحرر الدواء وموضعه في الجهاز الهضمي ومقدار ما يتحرر منه في كل ساعة. والمواد المضافة فيها من روابط ومالئات وطبقات خارجية ليست حشواً زائداً، وإنما لكل منها وظيفة.
الطبقة الخارجية ودورها
تُغلف كثير من الأقراص بطبقة تحمي المادة الفعالة من حموضة المعدة الشديدة، فلا تتحلل الحبة إلا بعد أن تجاوز المعدة إلى الأمعاء حيث يميل الوسط إلى القلوية. ومتى كُسرت هذه الطبقة انكشف الدواء للحموضة فتلفته قبل أن يعمل، أو تأذى به بطانة المعدة فتنشأ القرحة. وثم فائدة أخرى للتغليف وهي حجب الطعم المر وتسهيل انزلاق الحبة في البلع، وهذا الثاني هو موضع التحرير في مسألة المريء، فالحبة المكسورة ذات حواف خشنة تلتصق بجدار المريء وتبقى فيه مدة أطول.
أدوية التحرر الممتد
هذا النوع من أخطر ما يُكسر، وهو الأقراص المصممة لتحرر جرعتها على مدى ساعات طويلة تبلغ اثنتي عشرة ساعة أو أربعاً وعشرين ساعة. فالقرص الواحد منها يحمل جرعة يوم كامل، لكنها محبوسة في شبكة تسمح بخروجها قليلاً قليلاً. فإذا كُسر القرص انهار هذا النظام وتحررت الجرعة كلها في دفعة واحدة، فيتلقى المريض في دقائق ما كان ينبغي أن يتلقاه في يوم. وهذا ما يسميه الأطباء إغراق الجرعة، وقد يؤدي إلى هبوط حاد في ضغط الدم أو في سكر الدم أو إلى اضطراب في نظم القلب، وقد بلغ الأمر في بعض الحالات المسجلة حد الوفاة.
الأدوية التي لا يجوز كسرها
ليست كل الحبوب في حكم واحد، وثمة أصناف يُمنع المساس بها منعاً قاطعاً.
أدوية القلب والضغط الممتدة الأثر
كثير من أدوية ضغط الدم وأدوية تنظيم ضربات القلب تُصنع بصيغة ممتدة الأثر، وكسرها يحدث هبوطاً مفاجئاً في الضغط قد يُسقط المريض على الأرض ويعرضه للكسور، لا سيما في المتقدمين في السن.
الأدوية المهدئة والمسكنات القوية
المسكنات الأفيونية الممتدة الأثر من أخطر ما يُكسر، لأن الجرعة المحبوسة فيها كبيرة، وتحررها كلها في وقت واحد قد يوقف التنفس. وكذلك المهدئات والمنومات الممتدة الأثر.
الأقراص المعوية والكبسولات
الأقراص المغلفة بغلاف معوي يجب أن تصل إلى الأمعاء سليمة. وكذلك الكبسولات التي تحوي حبيبات دقيقة، فكل حبيبة منها لها غلافها الخاص وتوقيتها الخاص، ففتح الكبسولة وسحقها يُبطل هذا الترتيب.
الأدوية شديدة الخطر عند لمسها
بعض أدوية العلاج الكيميائي والأدوية الهرمونية يمنع سحقها أو كسرها لسبب مختلف، وهو أن غبارها المتصاعد ضار بمن يتعامل معها من أفراد الأسرة أو الممرضين، وقد يؤثر في الحوامل تأثيراً خطيراً.
متى يجوز تنصيف الحبة
لا يعني ما سبق أن التنصيف ممنوع في كل حال، فبعض الأقراص مصممة أصلاً للتنصيف، وعلامتها خط محفور في وسطها يُسمى خط التنصيف. لكن ينبغي التنبيه إلى أن وجود الخط ليس دليلاً قاطعاً في كل الحالات، فبعض الشركات تحفره لتسهيل البلع لا لإجازة تقسيم الجرعة، ولذلك يبقى المرجع في هذا هو الصيدلي أو الطبيب أو الورقة المرفقة بالعلبة.
الخطأ في مقدار الجرعة عند الكسر اليدوي
ثمة مشكلة عملية يغفل عنها الناس، وهي أن كسر القرص باليد أو بالسكين لا يعطي نصفين متساويين، وقد أظهرت دراسات في هذا الباب أن الفرق بين النصفين يبلغ في بعض الحالات نسباً كبيرة، فيتلقى المريض في يوم جرعة أكبر مما يحتاج وفي اليوم التالي جرعة أقل. وهذا التفاوت لا يضر كثيراً في دواء واسع الهامش، لكنه خطر في الأدوية ضيقة الهامش العلاجي مثل مسيلات الدم وأدوية الغدة الدرقية وأدوية الصرع، حيث الفرق القليل في الجرعة يقلب النتيجة. وإذا احتاج المريض إلى نصف جرعة فالأولى أن يطلب من الطبيب وصف تركيز أصغر جاهز، لا أن يكسر القرص الأكبر.
ما يصيب المريء من هذه العادة
المريء أنبوب عضلي رقيق البطانة، وليس فيه ما يحمي المعدة من طبقة مخاطية سميكة. فإذا التصقت به حبة خشنة الحوافّ أو مسحوق دوائي مركّز نشأ ما يُعرف بالتهاب المريء الدوائي، وأعراضه ألم في الصدر عند البلع وحرقة وإحساس بوجود شيء عالق، وقد يتقدم إلى تقرح ثم إلى تضيّق في المريء يجعل البلع صعباً على الدوام.
الأخطاء التي تزيد الخطر
يشتد هذا الخطر عند اجتماع أمور معروفة: بلع الحبة بقليل من الماء أو بغير ماء، وبلعها في وضع الاستلقاء أو قبل النوم مباشرة، وكِبَر السن مع ضعف حركة المريء، وجفاف الفم الناتج عن أدوية أخرى. ولذلك يوصي الأطباء ببلع الدواء بكأس ماء كاملة والبقاء منتصباً أو جالساً نحو نصف ساعة بعده.
البديل الصحيح لمن لا يستطيع البلع
كثير من الناس يكسر الحبة لا طلباً لتقليل الجرعة، بل لأنه يجد مشقة في بلعها، وهذا عذر مفهوم لكن حله ليس الكسر. والحل الصحيح أن يُراجع الطبيب أو الصيدلي فيوصف الدواء نفسه في صورة أخرى، فأكثر الأدوية الشائعة متاحة في صورة شراب أو نقط أو أقراص قابلة للمضغ أو أقراص تتفتت في الفم أو حقن أو لصقات جلدية. وإن لم يوجد بديل فقد يأذن الصيدلي في سحق نوع معين وخلطه بالطعام مع بيان الطريقة، وذلك بعد أن يتحقق أن الدواء يقبل هذا.
قواعد عملية عامة
يحسن أن يستقر في ذهن المريض عدة قواعد: لا يقسم دواء ولا يسحقه من غير سؤال، ولا يقيس دواءً على دواء لأن التشابه في الشكل لا يعني التشابه في الصناعة، ويقرأ الورقة المرفقة فإن فيها بياناً لهذا الأمر، ولا يخزن الأنصاف المكسورة مدة طويلة لأن الجزء المكشوف يتأثر بالرطوبة والهواء والضوء فيفقد فعاليته، ولا يعدّل جرعته من تلقاء نفسه لأن ضبط الجرعة عمل الطبيب لا عمل المريض.
ملاحظة على ما نُسب إلى الأبحاث
ورد في بعض ما يُنقل عن هذه المسألة أن من يكسر الحبوب أكثر عرضة للإصابة بالأزمات القلبية والتهابات المفاصل، والصواب أن يُفهم هذا فهماً دقيقاً. فكسر الحبة لا يسبب مرض القلب ولا التهاب المفاصل بذاته، وإنما الضرر يأتي من جهة أن المريض الذي يكسر دواءه يتلقى جرعة غير منتظمة، فإن كان دواؤه لضغط الدم أو لتخفيف السيولة بقي مرضه الأصلي غير مضبوط، وعدم ضبط الضغط هو الذي يزيد احتمال الأزمة القلبية. وكذلك من يكسر مضاداً للالتهاب فيفقد أثره تبقى مفاصله على التهابها. فالعلاقة إذاً غير مباشرة، وسببها فقدان السيطرة على المرض لا الكسر في نفسه، وهذا الفهم أنفع للقارئ من الجزم بعلاقة سببية مباشرة.
خاتمة
كسر حبة الدواء عادة تبدو بسيطة وهي في الحقيقة تدخّل في صناعة دوائية دقيقة. فقد يفسد الكسر الطبقة الحامية فتتأذى المعدة أو يتلف الدواء، وقد يهدم نظام التحرر الممتد فتتحرر جرعة يوم كامل في دفعة واحدة، وقد يترك حوافّ خشنة تجرح المريء وتُحدث فيه التهاباً مزمناً وتضيقاً، وقد يعطي نصفين متفاوتين فتضطرب الجرعة يوماً بعد يوم. ومن احتاج إلى نصف جرعة فليطلب تركيزاً أصغر، ومن شق عليه البلع فليطلب صورة أخرى من الدواء، والمرجع في هذا كله الطبيب والصيدلي، فسؤال دقيقة واحدة قد يجنّب المريض ضرراً يلازمه سنين.
