تُعد جزيرة سقطري اليمنية من أكثر بقاع الأرض غرابة وتفرداً، حتى وصفها الباحثون بأنها أقرب ما يمكن أن يراه الإنسان لمشهد كوكب آخر دون أن يترك الأرض. وقد نُشرت على قناة ناشيونال جيوغرافيك الشهيرة مجموعة من الصور الحديثة للجزيرة، وهي التي تقع في المحيط الهندي بعيداً عن ساحل حضرموت بنحو ثلاثمائة وخمسين كيلومتراً، فأظهرت تلك الصور عالماً نباتياً وحيوانياً لا يوجد مثيل له في أي مكان آخر من العالم.

ويظهر في الصور بعض النباتات الغريبة جداً التي لها القدرة على مقاومة الطقس الجاف والحرارة المرتفعة والرياح الموسمية المستمرة، وقد أُدرجت جزيرة سقطري ضمن قائمة التراث الطبيعي العالمي في عام ألفين وثمانية، وأُطلق عليها لقب أكثر المناطق غرابة في العالم.
موقع جزيرة سقطري وتكوينها الجغرافي
تقع سقطري في شمال غرب المحيط الهندي قريباً من خليج عدن، وهي أكبر جزر أرخبيل يحمل اسمها ويضم معها جزراً أصغر منها مثل عبد الكوري وسمحة ودرسة. وتتبع الجزيرة إدارياً الجمهورية اليمنية، وتبلغ مساحتها نحو ثلاثة آلاف وسبعمائة كيلومتر مربع، مما يجعلها من الجزر الكبيرة في المنطقة.
والسر الأول في تفرد طبيعتها أنها انفصلت عن الكتلة القارية منذ ملايين السنين، فبقيت معزولة عزلة طويلة، وهو ما أتاح لكائناتها أن تتطور في مسار مستقل عن نظائرها في القارة. ولهذا يسميها علماء النبات متحفاً حياً للتنوع الأحيائي، إذ تحتفز أنواعاً من النباتات تعود أصولها إلى عصور سحيقة.
تنوع التضاريس في مساحة محدودة
تجمع الجزيرة بين أربعة أنماط من التضاريس في حيز ضيق، ففي الوسط ترتفع جبال حجر الجرانيتية التي تلامس قممها نحو ألف وخمسمائة متر، وعلى أطرافها هضاب جيرية مقطوعة بالأودية، ثم سهول ساحلية واسعة، وأخيراً كثبان رملية بيضاء تتداخل مع البحر في مشاهد لافتة. وهذا التنوع هو ما أوجد بيئات متعددة في جزيرة واحدة.
المناخ والمواسم
مناخ الجزيرة مداري جاف في العموم، وتهب عليها رياح موسمية قوية خلال فصل الصيف تمتد من شهر يونيو إلى سبتمبر، فتشتد الأمواج وينقطع الملاحون عن الإبحار إليها. وفي المرتفعات يندر المطر لكن يكثر الضباب والرطوبة المحمولة على الرياح، ومن هذا الندى تستمد كثير من النباتات حاجتها من الماء.
نباتات سقطري النادرة
أشهر ما تُعرف به الجزيرة هو غطاؤها النباتي الفريد، فمن بين نحو ثمانمائة نوع نباتي سُجل فيها هناك ما يقارب ثلث هذه الأنواع لا ينمو في أي مكان آخر على وجه الأرض. وقد تكيّفت هذه النباتات مع الجفاف والملوحة والرياح بأشكال غريبة تحفظ فيها الماء وتقاوم الاقتلاع.
شجرة دم الأخوين
هي أيقونة الجزيرة ورمزها الأول، وتتميز بشكلها العجيب الذي يشبه المظلة المقلوبة أو الفطر العظيم، فجذعها سميك قصير تتفرع منه أغصان تتشابك في الأعلى لتشكل تاجاً كثيفاً مستوياً. وهذا الشكل ليس عبثاً، بل هو تكيّف بديع يجمع الرطوبة من الضباب ويوجهها إلى الجذور، ويحمي في الوقت نفسه ظل الشجرة من التبخر.
وسُميت بدم الأخوين لأن عصارتها حمراء قانية تسيل من جذعها إذا جُرح، وقد استُخدمت هذه العصارة منذ القدم في الصباغة وفي تلوين الأخشاب، وفي بعض الاستعمالات الشعبية القديمة، وكانت من أهم صادرات الجزيرة في العصور الغابرة.
شجرة الخيار الصحراوي
ومن أعجب نباتات الجزيرة شجرة توصف بأنها الشجرة الوحيدة في العالم من عائلة القرعيات، فجذعها منتفخ ضخم يشبه القربة يخزن فيه الماء، وأغصانها قليلة قصيرة، وتنمو غالباً في الأماكن الجافة القاحلة على المنحدرات الصخرية، فتبدو كأنها كائن غريب زُرع في غير موضعه.
شجرة اللبان والمر
وتنمو في الجزيرة أنواع من أشجار اللبان والمر التي كانت سلعة عظيمة القيمة في تجارة العالم القديم، وقد جعلت من سقطري وسواحل الجنوب العربي محطة أساسية في طرق التجارة البحرية بين الشرق والغرب. وما زالت هذه الأشجار تنمو في المرتفعات، وتُستخرج منها العصارة العطرية بطرق تقليدية يتناقلها السكان.
شجرة الورد الصحراوي
ومن الأنواع الملفتة أيضاً نبات يُعرف بالورد الصحراوي، له ساق منتفخة ضخمة تشبه قدم الفيل، وتتفتح في أعلاها أزهار زهرية جميلة تتباين بشدة مع خشونة الساق وقسوة البيئة الصخرية التي تنمو فيها.
الحياة الحيوانية في الجزيرة
لا يقل عالم الحيوان في سقطري غرابة عن عالمها النباتي، فقد أنتجت العزلة الطويلة أنواعاً محلية لا تُعرف إلا فيها.
الطيور
تُعد الجزيرة محطة مهمة للطيور المهاجرة ومأوى لأنواع مستوطنة عدة، منها أنواع من العصافير والحساسين والبلابل التي لا توجد إلا في سقطري. كما تكثر فيها الطيور البحرية التي تعشش في الجروف الصخرية المطلة على البحر، والطيور الجارحة التي تبني أعشاشها في التجاويف والكهوف الصخرية، وقد ظهرت صور لها في التقارير المصورة عن الجزيرة.
الزواحف
أما الزواحف فنسبة التوطن فيها عالية جداً، فأكثر أنواع السحالي والوزغ في الجزيرة لا يوجد في غيرها، وهي متكيفة مع الصخور الجافة والحرارة الشديدة، ويمكن رؤيتها على المنحدرات الصخرية بين النباتات الشوكية. ومن اللافت أن الجزيرة تخلو من الثدييات البرية الكبيرة والحيوانات المفترسة الخطرة، ما يجعل التنقل فيها آمناً نسبياً.
الحياة البحرية والشعاب
وتحتضن سواحل الجزيرة شعاباً مرجانية غنية وأسماكاً متنوعة وسرطانات ملونة تسير على الصخور الساحلية، وقد جعل نقاء المياه وقلة التلوث من هذه السواحل بيئة مثالية للغطس ومشاهدة الحياة البحرية. كما تعتمد قرى الصيادين على هذه الثروة السمكية اعتماداً أساسياً في معيشتها.
سكان الجزيرة وثقافتهم
يسكن الجزيرة عدد يقدر بعشرات الألوف، يتوزعون بين المدينة الرئيسية حديبو وعدد من القرى الساحلية والجبلية. ويتحدث كثير منهم لغة محلية قديمة تُعرف باللغة السقطرية، وهي من اللغات العربية الجنوبية القديمة التي لم تُكتب في الأصل وإنما تُنقل مشافهة، ولذلك تُعد من اللغات المهددة التي يعتني الباحثون بتسجيلها وحفظها.
ويعتمد السكان في معيشتهم على الصيد ورعي الماعز وجمع اللبان والمر وبعض الزراعة المحدودة في الأودية، وقد حفظت العزلة لهم عادات وتقاليد قديمة في البناء والملبس والطعام والطب الشعبي المستخرج من نباتات الجزيرة. وهم معروفون بالكرم وحسن استقبال الزائر على قلة ما في أيديهم.
سقطري في قائمة التراث العالمي
أُدرجت الجزيرة ضمن قائمة التراث الطبيعي العالمي في عام ألفين وثمانية اعترافاً بقيمتها الأحيائية الاستثنائية، وقد سبق ذلك إعلانها محمية طبيعية وإعداد خطط لتقسيم أراضيها إلى مناطق حماية ومناطق استخدام مقيد. والغرض من ذلك حماية الأنواع المستوطنة من الاندثار، وتنظيم النشاط البشري بما لا يخل بالتوازن الهش للبيئة.
التحديات التي تواجه بيئة الجزيرة
تواجه سقطري تحديات جدية، منها الرعي الجائر الذي يمنع فسائل شجرة دم الأخوين من النمو فتبقى الأشجار مسنّة بلا خلف، ومنها تغير المناخ وقلة الضباب الذي تعتمد عليه النباتات، ومنها العواصف المدارية التي ضربت الجزيرة في سنوات ماضية فأتلفت كثيراً من الغطاء النباتي والمساكن. يضاف إلى ذلك ما يتركه ضعف البنية الأساسية والظروف العامة في اليمن من أثر على جهود الحماية.
نصائح لمن يريد زيارة سقطري
أفضل أوقات الزيارة هي الفترة الممتدة من أكتوبر إلى مايو، إذ تهدأ الرياح الموسمية ويصبح البحر صالحاً للملاحة والجو معتدلاً للتنقل. أما في ذروة الصيف فتشتد الرياح حتى تتعطل الرحلات وتصعب الحركة.
ويحسن بالزائر أن يستعين بمرشد محلي، فهو أدرى بمسالك الجبال ومواقع الأشجار النادرة والبرك الجبلية العذبة، وفي ذلك أيضاً دعم لاقتصاد السكان. وينبغي أن يستعد لبساطة الإقامة، فالخيام والبيوت الريفية هي الشائع، ولا يتوقع الزائر مرافق فندقية مترفة. والأهم من ذلك كله الالتزام بقواعد المحمية: لا يُقطع نبات، ولا تُؤخذ عينات، ولا تُترك مخلفات، فما في الجزيرة أمانة نادرة يفقدها العالم كله إن أُتلفت.
خاتمة
جزيرة سقطري كنز طبيعي يمني وعربي وعالمي في الوقت نفسه، جمعت من غرابة النبات وتفرد الحيوان وجمال الساحل ما جعلها توصف بأكثر المناطق غرابة في العالم وتستحق مكانها في قائمة التراث الطبيعي العالمي. وقد أظهرت الصور المنشورة عنها جانباً من هذا العالم العجيب الذي تكيّف مع الجفاف والحرارة والرياح بأساليب مدهشة. ويبقى الأمل معلقاً على وعي السكان والزوار والجهات المعنية بأن هذه الجزيرة أمانة لا تُعوّض إن ضاعت، وأن حمايتها اليوم أرخص كثيراً من محاولة استعادتها غداً.
