قصيدة هذه الحياة هي أنا

Unknown
لقطة مقربة لشخص يرتدي سترة زرقاء داكنة بقلنسوة يغطي وجهه بيده في وضعية حزينة أمام جدار أخضر مائل للزرقة مع عبارة هذه الحياة هي أنا

من بين ألوان الأدب العربي الحديث تحتل الخاطرة موقعاً خاصاً، فهي نص قصير ينبثق من لحظة شعور صادقة دون أن يتقيد بوزن أو قافية، ولا يلتزم بحبكة قصة أو بناء مقال. والنص الذي بين أيدينا وعنوانه هذه الحياة هي أنا، من إعداد الكاتبة هبة محمد، نموذج واضح لهذا اللون، إذ يتحدث بلسان ذات مثقلة بالوحدة والوجع، فيصف مشاعرها بلغة مباشرة مكشوفة لا تختفي وراء الصنعة البلاغية.

نص الخاطرة

حياة خالية، فارغة سوداء، ووحدة قاتلة ولغة الصمت تسود المكان، والألم جاثم على أنقاض الفؤاد، بل تلبس حتى الجسد بالغربة ومرارة العيش.

الوحدة تقتلني، والوجع يسكنني، وذكريات الماضي تشغلني، وأشعر أن همومي ستخنقني، وأحزاني ستغرقني.

والحزن قابع في جوف أعماقي، ويستوطن نبضي وكل المساحات. ربي ما أقساه من ألم، أعلم أنه لن يتخلى عني، ومن الصعب أن يهجر قلباً سكنه سنيناً وعاشره طويلاً، وسافر معه رحلات بعيدة إلى أرض العذاب، حتى أصبح رفيقي وأنيسي الذي أسأل عنه إن غاب.

فكرة وإعداد وإخراج: هبة محمد. وهذه مجرد حياة ماضية أما الآن فلم تعد نهائياً.

قراءة في معاني الخاطرة

تقوم هذه الخاطرة على محور واحد هو الإحساس بالخلاء الداخلي، وقد اختارت الكاتبة أن تفتح نصها بثلاث صفات متتالية للحياة: خالية، فارغة، سوداء. وهذا التراكم في الوصف ليس حشواً، بل هو محاولة لإحاطة شعور يأبى أن تحده كلمة واحدة، فكلما أرادت الكاتبة أن تسمي الألم وجدت اللفظ أقل منه، فأضافت لفظاً آخر.

تحول الألم من عارض إلى ساكن

ألطف ما في النص أن الكاتبة لا تعامل الحزن معاملة الطارق العابر، بل تصفه بأوصاف السكن والاستقرار، فتقول إن الوجع يسكنها، وإن الحزن قابع يستوطن نبضها. وهذا الانتقال من العروض إلى الاستيطان هو جوهر ما تريد قوله، فالحزن العابر يحتمله الإنسان لأنه يعلم أنه راحل، أما الحزن المقيم فهو الذي يستنزف الطاقة ويغير ملامح النفس.

الألفة الموجعة مع الحزن

وفي آخر النص مفاجأة فنية جميلة، فبعد أن تشكو الكاتبة قسوة الألم وتستغيث منه، تعود فتسميه رفيقها وأنيسها الذي تسأل عنه إن غاب. وهذا من أصدق ما يوصف به حال من طالت معاناته، فالنفس تألف ما طال عليها حتى لو كان موجعاً، وتستغرب فقده ولو كان فقده راحة. وفي هذا درس نفسي دقيق يعرفه أصحاب التجارب القاسية.

دلالة العنوان

عنوان الخاطرة نفسه يستحق وقفة، فالكاتبة لم تقل هذه حياتي ولا هذه حالي، بل قالت هذه الحياة هي أنا، فجعلت الذات والحياة شيئاً واحداً لا انفصال بينهما. وهذا يفسر شدة الاختناق في النص، إذ من يرى نفسه هو عين معاناته لا يجد مسافة يقف فيها ليتنفس أو ينظر من خارجها. ثم جاء التعليق الأخير ليفتح باباً للأمل حين قالت إن هذه حياة ماضية أما الآن فلم تعد، وهو انعتاق من ذلك التوحد بين الذات والألم.

الخاطرة بين الشعر والنثر

الخاطرة نوع أدبي قائم بذاته وإن كان أقرب إلى النثر، وهي تشترك مع الشعر في الاعتماد على الصورة والإيقاع الداخلي والانفعال، وتفارقه في تحررها من الوزن والقافية. ومن سماتها الغالبة قصر النفس، والبناء على جملة قصيرة متتابعة، والتكرار الذي يؤدي وظيفة الإيقاع، والانطلاق من موقف شعوري واحد لا من فكرة مركبة.

الصورة الحسية في النص

اعتمدت الكاتبة على تجسيد المعاني المعنوية في هيئة أشياء محسوسة، فالألم جاثم على أنقاض الفؤاد، والحزن قابع في الجوف، والوحدة قاتلة، واللغة صامتة تسود المكان. وهذا التجسيم من أقوى ما يُلجأ إليه في الخاطرة، لأن القارئ لا يستطيع أن يتصور الحزن مجرداً لكنه يستطيع أن يتصور جسماً ثقيلاً جاثماً فوق أنقاض.

وظيفة التكرار

يتكرر في النص بناء واحد ثلاث مرات متتابعة: الوحدة تقتلني، والوجع يسكنني، وذكريات الماضي تشغلني. وهذا التوازي في التركيب يخلق إيقاعاً موسيقياً يشبه إيقاع الشعر دون وزن، ويشعر القارئ بأن الأحزان تتراكم واحداً فوق آخر بلا انقطاع. ثم يتكرر لفظ الرفيق مرتين في موضع واحد، وهو تكرار يشبه الوقوف المتردد أمام حقيقة مؤلمة يصعب تصديقها.

تجربة الوحدة في الأدب العربي

لم تكن الوحدة موضوعاً جديداً على الأدب العربي، فقد شكا منها الشعراء قديماً وحديثاً، ووصفوا الغربة في الوطن والغربة عن الناس والغربة عن النفس. ومن أشهر ما قيل في هذا الباب أبيات الشعراء الذين وصفوا ليل الحزين وطوله، وربطوا بين سكون الليل وثقل الهم على القلب. وقد كان الليل رمزاً متكرراً في هذا اللون من الأدب لأنه الوقت الذي تنكشف فيه النفس على نفسها بلا مشاغل.

وما يميز الخاطرة الحديثة عن القصيدة القديمة في هذا الباب أن الشاعر القديم كان يصوغ حزنه في قالب موزون مقفى فيخفف الوزن من حدة الشعور ويهدئه، أما كاتب الخاطرة فيصب انفعاله مباشرة كما هو، فتصل الصدمة إلى القارئ خالصة بلا وسيط. ولذلك يجد بعض القراء في الخاطرة صدقاً لا يجدونه في القصيدة المصنوعة.

الأدب الوجداني وأثره في القارئ

يعتقد بعض الناس أن قراءة النصوص الحزينة تزيد الحزن، والصواب أن أثرها يختلف باختلاف حال القارئ. فمن كان يمر بتجربة قاسية يجد في مثل هذه النصوص عزاء، لأنه يدرك أن ما به ليس شذوذاً وأن غيره قد ذاق مثله وعبّر عنه، وهذا وحده يخفف من وحشة الشعور بالتفرد في الألم.

الكتابة كوسيلة للتخفيف

ومن أهم فوائد هذا اللون الأدبي أثره على كاتبه نفسه قبل قارئه، فإن تحويل الشعور الغامض المضطرب إلى كلمات واضحة يعطي الإنسان قدراً من السيطرة عليه. فما دام الألم مبهماً لا اسم له فهو يتضخم في النفس بلا حدود، وحين يُصاغ في جمل محددة يصبح شيئاً يمكن النظر إليه ومحاورته. ولهذا يوصي المشتغلون بالصحة النفسية بالكتابة عن المشاعر الصعبة، ويرون فيها أثراً محموداً في تخفيف حدتها.

حدود الاستغراق في الحزن

لكن ينبغي التفريق بين التعبير عن الحزن للتخفف منه، والاستغراق فيه حتى يصير هوية يتمسك بها الإنسان ويأبى الخروج منها. فالأول باب من أبواب الشفاء، والثاني باب من أبواب المرض. وقد أشارت الكاتبة نفسها إلى هذا المعنى في خاتمة نصها حين وصفت تلك الحياة بأنها ماضية لم تعد، فأثبتت أن الحزن مرحلة عبرت لا صفة لازمة.

والمعنى الذي يستقر في نفس القارئ بعد هذا النص أن الحزن حالة إنسانية طبيعية لا عيب في الاعتراف بها ولا في التعبير عنها، وأن الكتابة عنها إحدى وسائل النجاة منها، وأن أشد ما يواجه به الإنسان وحدته أن يجد كلمات تسمي ما يشعر به. فإذا وجد بعد ذلك من يقرأ ويفهم فقد وجد ما يشبه اليد الممدودة في العتمة.

خاتمة

خاطرة هذه الحياة هي أنا نص وجداني قصير من إعداد الكاتبة هبة محمد، تصف فيه تجربة الوحدة والحزن بلغة مباشرة صادقة، معتمدة على تجسيد المعاني المعنوية وتكرار التراكيب المتوازية لخلق إيقاع داخلي يشد القارئ. وقد جمعت في نصها بين الشكوى من قسوة الألم والاعتراف بألفتها له حتى صار رفيقاً تفتقده إن غاب، وهو من أدق ما يوصف به حال من طالت معاناته. ثم خُتم النص بإشارة إلى أن تلك الحياة قد مضت، وفي ذلك أفق للأمل يذكّر بأن أشد الأحوال قسوة قابلة للتحول، وأن الكتابة عن الوجع خطوة أولى على طريق مفارقته.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !