لحم الخنزير: حكمه في الإسلام وأضراره الصحية المثبتة علميًّا
يُعَدُّ لحم الخنزير من أكثر الأطعمة التي أثارت جدلًا بين الشرائع السماوية والدراسات الطبية الحديثة على حدٍّ سواء، فهو محرَّم تحريمًا قاطعًا في الإسلام، ومحرَّم كذلك في الديانة اليهودية، في حين تُقبل عليه شعوب أخرى إقبالًا واسعًا حتى صار من أكثر اللحوم استهلاكًا في العالم. وبين النهي الشرعي القديم والتحذير الطبي المعاصر تتكشّف حقائق مذهلة عن هذا اللحم، تجعل المسلم يزداد يقينًا بأنّ ما حرّمه الله عليه إنما حُرِّم لحكمة بالغة، وإن لم يُدرك تفاصيلها إلا بعد قرون طويلة من نزول الوحي.
وفي هذا المقال نستعرض حكم لحم الخنزير في الشريعة الإسلامية بأدلته من القرآن الكريم وكلام أهل العلم، ثم نتناول تركيبه الغذائي بالأرقام، ونفصّل أخطر الأمراض الطفيلية والمزمنة التي ثبت ارتباطها بتناوله، ونختم بتنبيه عملي لكل مسلم يعيش في بلاد يشيع فيها هذا اللحم ومشتقاته الخفية.
حكم لحم الخنزير في الإسلام
تحريم لحم الخنزير في الإسلام ليس مسألة خلافية ولا اجتهادية، بل هو من المسائل التي انعقد عليها إجماع الأمة منذ عصر الصحابة إلى يومنا هذا. وقد ورد النصّ على تحريمه في أربع آيات من القرآن الكريم، وهذا التكرار في مواضع متفرقة من كتاب الله دليل على تأكيد الحكم وقطعيته.
قال الله تعالى في سورة البقرة: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ) الآية 173. وقال في سورة المائدة: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ) الآية 3. وقال في سورة الأنعام: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) الآية 145. وقال في سورة النحل: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) الآية 115.
واللافت في هذه الآيات أنّ الله سبحانه قرن لحم الخنزير بالميتة والدم المسفوح، وكلاهما ممّا لا يشكّ عاقل في خبثه وضرره، فكان هذا القِران في السياق إشارة بليغة إلى أنّ الخنزير من جنس ما تعافه الفطرة السليمة. كما وصفه القرآن بأنه (رِجْسٌ)، وهي كلمة تجمع معاني القذر والنجس والمستقذَر، ولم تُستعمل هذه اللفظة مع سائر المحرَّمات من الأطعمة بهذا الوضوح.
حرام لذاته لا لعلة عارضة
من الفروق الدقيقة التي يقرّرها أهل العلم أنّ لحم الخنزير محرّم لذاته، أي أنّ التحريم لازم للعين نفسها ولا ينفكّ عنها بحال، بخلاف كثير من المحرّمات التي تُحرّم لعلة عارضة تزول بزوالها. فلحم الشاة والبقرة مثلًا يصير حرامًا إذا ماتت الدابة حتف أنفها أو ذُبحت لغير الله، فإن ذُكيت الذكاة الشرعية حلّت، أمّا الخنزير فلا تعمل فيه الذكاة ولا ترفع عنه التحريم، لأنّ المنع فيه متعلق بحقيقته لا بطريقة قتله.
وقد نقل العلماء أنّ التحريم لا يختصّ باللحم وحده، بل يشمل الحيوان كلّه: شحمه وجلده وأمعاءه وعظامه ومرقته، وقد أجمع المسلمون على ذلك، وإنما ذُكر اللحم في الآيات لأنّه معقود المقصود من الحيوان ومحلّ الرغبة فيه، فإذا حُرّم المقصود الأعلى دخل ما عداه في الحكم من باب أولى. وعلَّة التحريم التي يشير إليها النص هي الخُبْث، فالخنزير داخل في عموم قوله تعالى في وصف النبي صلى الله عليه وسلم: (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ).
وممّا ينبغي أن يُفهم أنّ المسلم لا يترك لحم الخنزير من أجل ما كُشف من أضراره الطبية فحسب، ولا يربط حكم الله بما تقرّره المختبرات؛ لأنّ الأصل في الامتناع هو الانقياد لأمر الشارع. فلو فُرِض أن الطبّ لم يكتشف فيه علّة واحدة لما تغيرّ الحكم، ولو اكتُشفت له منافع لما حلّ. غير أنّ ما يكشفه العلم من مفاسده يزيد الموقن طمأنينة ويكون حجة في الدعوة والبيان، وهو ما نعرضه فيما يأتي.
القيمة الغذائية للحم الخنزير بالأرقام
لفهم أثر هذا اللحم على الجسم يجدر أن ننظر في تركيبه الفعلي. وفيما يأتي بيان المحتوى الغذائي لكلّ مائة جرام من شرائح لحم الخنزير المعلّبة:
- السعرات الحرارية: 334 سعرة حرارية
- الدهون الكلية: 30.30 جرام
- الدهون المشبعة: 10.79 جرام
- الكوليسترول: 62 ملليجرام
- البروتين: 12.50 جرام
- الكربوهيدرات: 2.10 جرام
- الألياف الغذائية: صفر
وأول ما يلفت النظر في هذه الأرقام أمران: أنّ نسبة الدهن تبلغ أكثر من ضعفي نسبة البروتين، وأنّ الدهون المشبعة تمثّل أكثر من الثلث من مجموع الدهون. ومعنى ذلك أنّ وجبة واحدة من مائة جرام تقرّب من نصف الحدّ اليومي الموصى به للدهون المشبعة عند أكثر الناس، مع أنّ ما تمنحه من بروتين أقلّ ممّا تمنحه وجبة مماثلة من الدجاج أو السمك أو العدس. وخلوّه التامّ من الألياف يجعله بطيء الإشباع ثقيل الهضم، فيدفع إلى تناول كميات أكبر مما يحتاجه الجسم.
الدهون المشبعة وصحة القلب والشرايين
ترفع الدهون المشبعة من مستوى الكوليسترول المنخفض الكثافة في الدم، وهو النوع المرتبط بتراكم اللويحات الدهنية على جدران الشرايين وتصلّبها، وما يترتّب عليه من ارتفاع احتمال الإصابة بأمراض القلب التاجية والجلطات الدماغية. ومع ارتفاع الطاقة الحرارية في وحدة الوزن يزيد خطر السمنة ومقاومة الأنسولين وارتفاع ضغط الدم، وهي مجموعة تُعرف بالمتلازمة الأيضية التي تمهّد للسكري من النوع الثاني.
ومعروف أنّ معظم ما يُقدّم من لحم الخنزير في المطاعم والمتاجر يأتي في صورة مصنّعة مثل المقددات والنقانق والمعلبات، وهي تُملّح وتُدخّن وتُعالج بمواد حافزة تزيد الأمر سوءًا بما تضيفه من ملح ومركبات نيتريتية.
الأمراض الطفيلية المنتقلة بلحم الخنزير
أخطر ما يحمله لحم الخنزير ليس دهونه، بل ما يسكن في أنسجته من طفيليات قد تبقى حيّة إذا لم يُطهَ طهيًا كاملًا. وقد ذكرت المراجع الطبية أنّ تناول لحم الخنزير نيئًا أو غير مطهوّ جيدًا ينقل أمراضًا دودية خطيرة، أشهرها الدودة الشريطية والدودة الشصية والدودة الدبوسية.
الدودة الشريطية وداء الكيسات المُذنّبة
الدودة الشريطية الخنزيرية طفيل معوي طويل يمكن أن يبلغ أمتارًا في أمعاء الإنسان، وينتقل إليه من خلال أكل لحم خنزير يحوي أكياسًا يرقية لم تُقتَل بالحرارة. والإصابة المعوية قد تمرّ بلا أعراض واضحة أو تسبّب ألمًا في البطن وإسهالًا ونقصانًا في الوزن، مع التهام الدودة لقسم من غذاء المريض.
لكنّ المرحلة الأخطر تأتي حين تنتقل بُيوض الطفيل إلى داخل الجسم، فتخرج من الأمعاء إلى الدم وتستقرّ في العضلات والعين والدماغ مكوّنة أكياسًا، وهو ما يُعرف بداء الكيسات المُذنّبة. وإذا وقعت هذه الأكياس في الجهاز العصبي المركزي سمّيت الحالة داء الكيسات المُذنّبة العصبي، وأعراضه تشمل النوبات الصرعية، والصداع المزمن، والدوار، وتشوّش الرؤية وقد ينتهي بالعمى، والألم العصبي، وضعف العضلات، وفقدان الذاكرة، والاضطرابات النفسية.
وممّا يبين فداحة المشكلة أنّ منظمة الصحة العالمية تذكر أنّ هذا الطفيل يقف وراء نحو ثلاثين في المائة من حالات الصرع في المناطق التي يكون فيها متوطّنًا، وهي مناطق ينتشر فيها تربية الخنازير مع ضعف الرقابة الصحية والصرف الصحي. وليس أمرًا هينًا أن يكون طفيل واحد مرتبط بثلث حالات مرض عصبي مزمن لا يزال يُرهق أصحابه مدى الحياة. كما تنتقل الإصابة من شخص إلى آخر عبر الأيدي والماء والطعام الملوّث ببُيوض الدودة، فتتجاوز الأضرار من أكل اللحم إلى من لم يأكله أصلًا.
داء الشعريات اللولبية
من الأمراض المرتبطة بلحم الخنزير أيضًا داء الشعريات اللولبية، وهو ينتج عن دُوَيْدات متكيّسة في عضل الحيوان. وتبدأ أعراضه باضطراب معوي وإسهال وغزارة ألم في البطن، ثم تتحوّل بعد أسابيع إلى ألم عضلي مبرّح وحمّى وتورّم حول العينين، وفي الحالات الشديدة تُصاب عضلة القلب أو الجهاز التنفسي ويتعرّض المريض للخطر.
الدودة الشصية والدودة الدبوسية
الدودة الشصية طفيل يتعلق بجدار الأمعاء ويمتصّ الدم منه، فيسبّب فقر دم مزمنًا ونقصًا في الحديد وإرهاقًا متواصلًا وشحوبًا في الوجه، وهو أشدّ أثرًا على الأطفال لأنّه يعوق نموّهم الجسدي والذهني. أمّا الدودة الدبوسية فتسبّب حكّة شديدة حول الشرج تزداد ليلًا فتمنع النوم وتورّث العصبية وفقدان الشهية، وهي من أسرع الطفيليات انتقالًا بين أفراد البيت الواحد.
ومن الملاحظ أنّ تركيز التحذيرات الطبية على ضرورة الطهي الكامل يعني أنّ درجة واحدة من التقصير في الطبخ أو خللًا يسيرًا في التخزين كافٍ لتحول وجبة إلى إصابة مزمنة. وهذا فرق جوهري بين طعام أصله السلامة وطعام أصله الخطر ويحتاج إلى سلسلة احتياطات لا يختلّ منها شيء.
لحم الخنزير المصنّع وخطر الأورام
في عام ألفين وخمسة عشر أعلنت الوكالة الدولية لبحوث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية تصنيف اللحوم المصنّعة ضمن المجموعة الأولى، أي المواد المسبّبة للسرطان لدى الإنسان بأدلة كافية، وخلُص خبراء الوكالة إلى أنّ تناول خمسين جرامًا فقط من اللحم المصنّع يوميًا يزيد خطر سرطان القولون والمستقيم بنحو ثمانية عشر في المائة. والمقصود باللحم المصنّع ما عُولِج بالتمليح أو التقديد أو التدخين أو الحفز، وأشهر أمثلته في أسواق العالم منتجات مصنوعة من لحم الخنزير.
ومن المفيد أن يُلاحظ أنّ الأرقام الغذائية المذكورة في موضوعنا مأخوذة من شرائح معلّبة، وهي تدخل في هذا الباب بعينه، فتكون محمّلة بثلاثة أخطار معًا: دهون مشبعة عالية، ومواد حافزة مرتبطة بالأورام، وملح زائد يرفع الضغط.
مشتقات الخنزير الخفيّة في المنتجات
لا يكفي المسلم أن يتجنّب اللحم في صورته الواضحة، فمشتقات الخنزير داخلة في صناعات كثيرة لا يخطر بالبال أنّها تحتويه، وخاصة لمن يقيم أو يسافر إلى بلاد غير إسلامية. ومن أشهر ما ينبغي التدقيق فيه:
- الجيلاتين مجهول المصدر في الحلوى والمهلبيات والأدوية والكبسولات والمكملات
- شحم الخنزير المستعمل في المخبوزات والمعجنات والرقائق وبعض المقالي
- المنكّهات والمستحلبات والإنزيمات في الأجبان والمرقات الجاهزة
- بعض أرقام المضافات الغذائية ذات الأصل الحيواني المحتمل
- أمصال ومستحضرات وخُيوط جراحية قد تعتمد على أنسجة الخنزير
والأصل في مثل هذا أن يحرص المسلم على السؤال والتحقق من الملصقات، وأن يختار المنتجات الموثّقة بشهادات الحلال المعتمدة، فإن ترك المشتبه فيه من تمام الدين ومن أسباب طيب المأكل الدّالّ على قبول الدعاء.
لمادا لا يفقد المسلم شيئًا بتركه
يتوهّم بعض الناس أنّ في ترك لحم الخنزير حرمانًا من مصدر بروتين مهمّ، والواقع أنّ كلّ ما يقدّمه موجود في غيره بلا مخاطرة: فاللحم الأحمر الحلال والدواجن والأسماك تمنح بروتينًا أعلى قيمة مع دهون أقلّ، والبقوليات والمكسرات تجمع البروتين مع الألياف التي يخلو منها لحم الخنزير تمامًا. وفيتامينات المجموعة باء والحديد والزنك متوفرة في مصادر طيبة واسعة الانتشار.
ومن أراد أن يُحسن غذاءه فليجعل طبقه متوازنًا: بروتين قليل الدهن، وخضروات غنية بالألياف، وحبوب كاملة، ودهون نافعة كزيت الزيتون، مع تقليل المصنّعات عمومًا ولو كانت حلالًا. فالحلال ليس مرادفًا دائمًا للصحيّ، والمطلوب من المسلم أن يراعي الأمرين: طيب المصدر واعتدال الكمية.
خاتمة
يجتمع في لحم الخنزير ما لا يجتمع في غيره من الأطعمة: نصّ قرآني متكرر في أربعة مواضع يقطع بتحريمه، وإجماع لم يُخرق، وتركيب غذائي تغلب فيه الدهون المشبعة على البروتين، وملفّ طفيلي يصل أثره إلى الدماغ والعين والعضل. وأمام هذا كلّه يزداد المسلم يقينًا أنّ الشريعة لم تحرّم عليه شيئًا إلا لحفظه، وأنّ في الطيبات المباحة من السعة ما يغنيه عن كلّ خبيث.
ومن اللطائف أنّ هذا التحريم نزل قبل أن يُعرف شيء عن الطفيليات والدهون والمسرطنات، ولم يكن للناس مجاهر ولا مختبرات، ثم جاء العلم بعد قرون يكشف طرفًا من الحكمة لا كلّها. ولعلّ أجمل ما يخرج به القارئ أن يجعل من كلّ حكم شرعي بابًا للثقة والطمأنينة، لا مجرد قيد يجري البحث عن تعليله.
