
الجمجمة أقرب ما يكون إلى خزانة مدرعة مفصّلة على مقاس ما تحميه. فهي تحمل الدماغ وتحرسه، وتفتح فيها نوافذ للعين والأنف والأذن، وتحمل في أسفلها جهاز المضغ، وترتكز في الوقت نفسه على العمود الفقري. وهي من أكثر أجزاء الهيكل دلالة عند العلماء، لأنها تحفظ في شكلها تاريخ الكائن وطريقة حياته ونوع غذائه.
ما هي الجمجمة؟
الجمجمة هي الهيكل العظمي للرأس، وليست عظمة واحدة كما يتوهم كثيرون، بل مجموعة عظام يلتحم معظمها بمفاصل ثابتة تسمى الدروز أو الخيوط، حتى تصبح كالقطعة الواحدة. والعظم المتحرك الوحيد فيها هو الفك السفلي.
قسمان لا قسم واحد
ويقسم علماء التشريح الجمجمة إلى قسمين واضحين. الأول الجمجمة العصبية، وهي الصندوق الذي يحيط بالدماغ وأعضاء الحس الكبرى. والثاني الجمجمة الحشوية، وهي عظام الوجه والفكين وما يتصل بهما. وهذا التقسيم ليس اصطلاحاً مدرسياً، فالقسمان ينشأان في الجنين من أصول مختلفة تماماً ثم يلتقيان.
من أين تأتي عظام الوجه؟
والعجيب أن عظام الوجه والفكين لا تنشأ أصلاً كعظام وجه، بل تنشأ من تراكيب تسمى الأقواس البلعومية، وهي في الأسماك أقواس تدعم الخياشيم. فالقوس الأول منها يتحول إلى فكين علوي وسفلي، ويدعم قوس أمامي منطقة اللسان، وما يليهما يصير غضاريف للحنجرة والقصبة الهوائية في الحيوانات البرية.
عظام الجمجمة البشرية
يبلغ عدد عظام الجمجمة عند الإنسان اثنين وعشرين عظماً في التعداد المعتاد، تُوزّع بين صندوق الدماغ وعظام الوجه.
عظام صندوق الدماغ
وهي ثمانية: العظم الجبهي في مقدمة الرأس، والعظمان الجداريان يشكلان سقفه، والعظم القذالي في مؤخرته وفيه الثقبة الكبيرة التي يمر منها النخاع الشوكي، والعظمان الصدغيان على الجانبين وفيهما جهاز السمع، والعظم الوتدي في قاعدة الجمجمة وعليه يرتكز الغدة النخامية، والعظم الغربالي بين تجويفي العين وفيه ثقوب دقيقة تمر بها أعصاب الشم.
عظام الوجه
وأما عظام الوجه فأربعة عشر، منها الفك العلوي والفك السفلي، والعظمان الوجنيان اللذان يبرزان في الخدين، والعظام الأنفية، والعظام الدمعية الصغيرة عند زاوية العين، وعظم الحنك، والمحارة الأنفية السفلية، والعظم الحاجزي. ويُضاف إليها العظم اللامي في العنق، وهو العظم الوحيد في الجسم الذي لا يتصل بعظم آخر مباشرة.
عظيمات السمع
وفي كل أذن وسطى ثلاث عظيمات دقيقة هي أصغر عظام الجسم: المِطرقة والسِّندان والرِّكاب. وهي تنقل ذبذبة الغشاء الطبلي إلى الأذن الداخلية، وفيها قصة تطورية طويلة سيأتي ذكرها.
الدروز واليافوخ
عظام الجمجمة عند الوليد غير ملتحمة، وبينها مساحات غشائية لينة تُسمى اليوافيخ، أشهرها اليافوخ الأمامي في أعلى الرأس ويُحسّه الوالدان نابضاً.
لماذا خُلقت رخوة؟
ولهذه الرخاوة سببان: أولهما أن رأس الجنين كبير نسبياً، فتتراكب عظامه قليلاً أثناء الولادة لييسر مروره. وثانيهما أن الدماغ ينمو نمواً سريعاً في العامين الأولين، فلو كانت العلبة مقفلة لضاقت عليه. ويُغلق اليافوخ الخلفي في نحو الشهر الثاني أو الثالث، أما الأمامي فيُغلق بين الشهر التاسع والشهر الثامن عشر تقريباً.
الدروز عند الكبار
وبعد الإغلاق تبقى الدروز خطوطاً متعرجة كأسنان المنشار المتشابكة، أشهرها الدرز التاجي والدرز السهمي والدرز اللامي. وهذا التشابك المتعرج ليس عبثاً، فهو يوزّع قوة الصدمة ويمنع انزلاق العظام بعضها على بعض. ويستدل الأطباء الشرعيون بدرجة التحام الدروز على تقدير عمر صاحب الجمجمة.
الجمجمة عند الأسماك
لتاريخ الجمجمة قصة تبدأ من الماء. فالأسماك الغضروفية، كالقرش والورنك، تظل جمجمتها غضروفية كلها ولا تتعظم حتى في الحيوان البالغ.
صندوق الغضروف
وجمجمة السمك الغضروفي صندوق يحيط بالدماغ ويمتد أماماً في بوز، وعلى جانبيه محفظتان للشم، وخلفه محفظتان للأذنين الداخليتين، وأسفله تتصل الأقواس الحشوية التي تحمل الفكين وتدعم الخياشيم. وهي بنية بسيطة قوية خفيفة الوزن، ولذلك بقيت في هذه الأسماك مئات ملايين السنين دون تغيير جوهري.
الأسماك العظمية
أما الأسماك العظمية، وهي جمهور الأسماك اليوم، فيتعظم فيها جزء كبير من الجمجمة الغضروفية الجنينية، فتنشأ عظام تسمى العظام الغضروفية أو البديلة، وتُضاف إليها عظام غشائية تنشأ في الجلد فوقها. وتبقى الأقواس الخيشومية عند البالغ لتدعيم الخياشيم لأنها تتنفس بها في الماء.
رباعيات الأطراف والانتقال إلى البر
حين خرجت الفقاريات إلى اليبس تغير المشهد كله، لأن الحيوان استغنى عن الخياشيم وصار يستنشق الهواء، فلم تبق للأقواس الخيشومية وظيفتها القديمة.
أعظم إعادة توظيف في التشريح
ومن أطرف ما يُروى في علم التشريح المقارن مصير هذه الأقواس. ففي الزواحف والبرمائيات يتعظم مؤخر القوس الحشوي الأول من أعلى فيكوّن العظم المربعي، ومن أسفل فيكوّن العظم المفصلي، وبهما يتصل الفك السفلي بالجمجمة. أما في الثدييات ومنها الإنسان فإن هذين العظمين تصغّرا وانتقلا إلى داخل الأذن الوسطى، فصار المربعي هو السندان وصار المفصلي هو المِطرقة، وصار العظم الذي كان يدعم القوس عند الأسماك هو الرِّكاب.
ماذا يعني ذلك؟
أي أن العظام التي كنا نسمع بها اليوم كانت في أسلافنا المائيين جزءاً من مفصل الفك ودعامة الخياشيم. وهذا التحول من أشهر الأدلة التي يستشهد بها علماء الأحياء في دروس التشريح المقارن، ويمكن تتبع مراحله في متحجرات متدرجة معروفة.
ما بقي من الأقواس
وما لم يتحول إلى عظام سمعية بقي غضاريف في الحنجرة والقصبة الهوائية، ومنها غضروف تفاحة آدم البارز في حلق الرجال. فالجهاز الذي نتكلم به مصنوع من بقايا جهاز التنفس المائي القديم.
الجمجمة والطعام
وشكل الجمجمة عند أي حيوان يحكي طعامه دون أن يسأل أحد. فالحيوانات آكلة اللحوم لها جماجم قصيرة قوية وأنياب طويلة وعضلات مضغ عظيمة تُثبَّت في أعراف عظمية بارزة في أعلى الرأس. وآكلة الأعشاب لها جماجم مستطيلة وأضراس عريضة مسطحة تصلح للسحق، وحُفر مفصلية تسمح للفك بحركة أفقية.
موضع تجويف العين
ومن العلامات الدالة موضع العينين. فالمفترس عيناه في مقدمة رأسه ليقدّر المسافة إلى فريسته، والمفترَس عيناه على جانبي رأسه ليرى ما حوله من كل جهة ولو على حساب دقة تقدير المسافة. والإنسان مما عيناه في المقدمة، وهذا موروث من أسلافه المتسلقة التي كانت تحتاج تقدير المسافة بين الأغصان.
جمجمة الإنسان وما تميزت به
وتنفرد جمجمة الإنسان بأمور: كبر صندوق دماغها نسبة إلى وجهها، واستواء جبهتها وارتفاعها، وصغر أسنانها وضعف حاجبها العظمي، وبروز ذقنها وهو ما لا يوجد في غيرها من الرئيسيات.
الثقبة الكبيرة في الوسط
ومن أهم فروقها موضع الثقبة الكبيرة التي يمر منها النخاع الشوكي. فهي في الحيوانات التي تسير على أربع تقع في مؤخرة الجمجمة، وفي الإنسان تقع في وسط قاعدتها تقريباً، فيتوازن الرأس فوق العمود الفقري وكأنه كرة على عمود. وهذه العلامة وحدها يستدل بها العلماء على أن صاحب جمجمة متحجّرة كان يمشي على قدمين.
ما يُجرى على الجمجمة من عمليات
ولأن الجمجمة صندوق مقفل صلب، فإن الوصول إلى الدماغ يحتاج فتحها، وهي من أقدم العمليات التي عرفها البشر.
فتح الجمجمة
وعملية فتح الجمجمة تعني رفع قطعة من عظمها للوصول إلى الدماغ ثم إعادتها في مكانها وتثبيتها. وتُجرى لاستئصال الأورام أو إخراج تجمّع دموي أو معالجة تشوّه في الأوعية. وقد وُجدت جماجم قديمة يعود عمرها إلى آلاف السنين فيها ثقوب مصنوعة بأدوات حجرية، وعليها آثار شفاء في حافة العظم، ما يدل على أن أصحابها عاشوا بعدها.
ارتفاع الضغط داخل الجمجمة
وصلابة الجمجمة نعمة ومشكلة في الوقت نفسه. فهي تحمي الدماغ من الضرب، لكنها لا تسمح له بالتوسع. فإذا حدث ورم أو نزف أو تورّم بعد إصابة، ارتفع الضغط داخل الصندوق المغلق وضغط الدماغ على نفسه. ولهذا يلجأ الأطباء أحياناً إلى رفع جزء من العظم مؤقتاً لتخفيف الضغط، ثم إعادته بعد زوال التورّم.
خاتمة
الجمجمة إذاً ليست غطاءً للرأس فحسب، بل سجل مفتوح. فيها من الهندسة ما يوزع الصدمات، ومن التاريخ ما ينقل عظام الفك إلى داخل الأذن، ومن الدلالة ما يخبر عن غذاء صاحبها ومشيته وعمره. وحين ينظر التشريحيّ إلى جمجمة مجردة على طاولة، فإنه لا يرى عظماً فقط، بل يقرأ فيها قصة كائن كامل.