عربات الحرم الجديدة: خدمة تُيسّر الطواف والسعي على ضيوف الرحمن
يقصد المسجد الحرام في مكة المكرمة ملايين الحجاج والمعتمرين من مشارق الأرض ومغاربها كل عام، ومن بين هؤلاء شريحة كبيرة من كبار السن والمرضى والأشخاص ذوي الإعاقة الذين لا يستطيعون المشي في الطواف حول الكعبة أو السعي بين الصفا والمروة. ولما كانت مسافة المسعى وحدها تقرب من ثلاثة كيلومترات في أشواطها السبعة، فقد أصبح وجود وسيلة تنقّل داخل الحرم ضرورة لا ترفاً، وهذا ما دفع الجهات المعنية إلى تطوير منظومة متكاملة من العربات والكراسي المتحركة تخدم ضيوف الرحمن على مدار الساعة.
ما هي عربات الحرم الكهربائية؟
عربات الحرم الكهربائية هي مركبات صغيرة تعمل بالبطارية دون انبعاثات أو أصوات مزعجة، صُمّمت خاصيةً لتناسب الحركة داخل ساحات الطواف والمسعى، وتمتاز بأنها تُقاد بسرعات منخفضة جداً تحفظ سلامة المطوّفين المحيطين بها. والفرق الجوهري بينها وبين الوسائل القديمة أن المعتمر لم يعد محتاجاً إلى استئجار شخص يدفع الكرسي وراءه، بل يستطيع قيادتها بنفسه بكل سهولة ويُسر، فيحفظ له ذلك استقلاليته وخشوعه وخصوصيته في أداء مناسكه دون الحاجة لمرافق.
وتتوفر منها طرازات ذات مقصورتين تتحمل معتمرين اثنين في وقت واحد، أو معتمراً مع أطفاله في عربة واحدة، وهو ما يخفف التكلفة على الأسر ويسهّل على المرافقين متابعة من يرعونه. ويُشترط لاستلام العربة إبراز وثيقة هوية سواء كانت بطاقة مدنية أو جواز سفر، وذلك لضمان إعادة العربة بعد الانتهاء من النسك وتوثيق عملية الاستئجار رسمياً.
تكلفة استئجار عربات الحرم ومواقع استلامها
عند إطلاق الخدمة في مرحلتها الأولى كان مقابل استئجار العربة خمسين ريالاً للسعي وحده، أو مئة ريال للسعي والطواف معاً، وكان مكان الاستئجار بجانب الصفا في الدور الثاني من المسعى. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأسعار قابلة للتغير من موسم إلى آخر تبعاً للأنظمة والعقود التشغيلية ونوع العربة المستخدمة، لذلك يُنصح المعتمر دائماً بالاستعلام عن التعريفة المحدّثة من المنافذ الرسمية قبل الحجز.
وفي الوقت الحالي أصبحت الخدمة أكثر تنوّعاً وتنظيماً، وأصبح الحجز متاحاً مسبقاً عبر التطبيقات الإلكترونية الرسمية، مما يوفر على ضيف الرحمن عناء الانتطار في الطوابير ويمكّنه من تحديد موعد ومكان الاستلام مسبقاً.
أنواع وسائل التنقل داخل المسجد الحرام
لم تقتصر الخدمات على نوع واحد من العربات، بل تنوعت لتلائم حاجات مختلفة وقدرات مالية متباينة:
- الكراسي اليدوية المجانية: وتُقدم دون مقابل لمن يرغب، ويدفعها أحد مرافقي المعتمر من أهله أو أصدقائه.
- العربات المطوّرة المدفوعة: وهي كراسي محسّنة يدفعها عامل مدرّب بمقابل مالي محدد، وتناسب من لا يرغب في قيادة عربة بنفسه.
- العربات الكهربائية الفردية: وهي محور موضوعنا، يقودها المعتمر بنفسه وتمنحه حرية حركة كاملة.
- العربات الكبيرة الجماعية: وتُعرف بعربات الجولف، تتحرك في مسارات مخصصة وتنقل مجموعة من المعتمرين في وقت واحد.
- الممرات المخصصة: أُفردت مسارات خاصة للعربات في الأدوار العلوية من المطاف والمسعى لفصل حركة العربات عن حركة المشاة ومنع التزاحم.
الحكم الشرعي للطواف والسعي على العربات
من المسائل التي تشغل كثيراً من المعتمرين: هل يصح الطواف والسعي راكباً؟ والجواب أن أهل العلم اتفقوا على أمرين واختلفوا في أمر ثالث:
أولاً: المشي أفضل بالاتفاق
اتفق عامة أهل العلم على أن الطواف والسعي ماشياً أولى وأفضل منه راكباً. قال ابن قدامة رحمه الله في المغني: ولا خلاف في أن الطواف راجلاً أفضل، لأن أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم طافوا مشياً.
ثانياً: جوازه للمعذور بالاتفاق
واتفقوا على أن المعذور يجوز له الطواف والسعي راكباً، سواء كان العذر مرضاً أو عجزاً أو مشقة أو كبراً في السن، ودليلهم حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: شكوت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أني أشتكي فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة متفق عليه. وقال ابن تيمية رحمه الله: يجوز الطواف راكباً ومحمولاً للعذر بالنص واتفاق العلماء. وأفتت دار الإفتاء المصرية بأنه لا مانع شرعاً من الطواف على الكرسي المتحرك إن كان لعذر باتفاق الفقهاء، ويكون مجزئاً حينئذ.
ثالثاً: ركوب غير المعذور محل خلاف
أما الطواف والسعي راكباً لغير عذر فمحل خلاف بين العلماء: فذهب الشافعية والظاهرية إلى أن طواف الراكب وسعيه صحيح مطلقاً، لما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما: طاف النبي صلّى الله عليه وسلّم في حجة الوداع على بعير. وذهب جمهور العلماء إلى منعه دون عذر، ومنهم من ألزمه الفدية كمالك وأبي حنيفة، ومنهم من أبطل الطواف وأوجب الإعادة كما في رواية عند الحنابلة. والراجح أن طوافه وسعيه صحيح، وهو ما اختاره الشيخ ابن باز رحمه الله، على أنه لا ينبغي للمرء أن يفعل ذلك ابتداءً تحوطاً لعبادته وخروجاً من خلاف العلماء. وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله محذراً: بعض الناس يتهاون بذلك ويسعى على العربة بدون عذر، والإنسان ينبغي له أن يحتاط لدينه وأن يسعى ماشياً ما دام قادراً، فإن عجز فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
خدمات مجانية للأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن
من أجمل ما يميز منظومة التنقل في الحرم أن الجهات المعنية خصّصت خدمات مجانية للأشخاص ذوي الإعاقة مقابل إبراز بطاقة الاحتياجات مع وثيقة الهوية، إضافة إلى ألوف العربات المجانية التي تُوفر للمعتمرين من كبار السن والمرضى. وهناك كذلك جمعيات خيرية موثوقة تقدم العربات دون مقابل احتساباً للأجر، وهو وجه من أوجه البر والإحسان بضيوف الرحمن.
نصائح عملية لمن يريد استخدام عربات الحرم
- احمل وثيقة الهوية معك دائماً: بطاقة مدنية أو جواز سفر، لأن الاستلام لا يتم دونها.
- احجز مسبقاً عبر المنافذ الرسمية: لتوفر وقتك وتتجنّب الانتطار في المواسم المزدحمة.
- تحقق من التعريفة قبل الدفع: واحرص على التعامل مع المنافذ المعتمدة فقط وتجنّب الوسطاء غير المرخّصين.
- تفقّد حالة العربة والبطارية: قبل البداية تأكد أن الشحن كافٍ لإكمال أشواطك دون انقطاع.
- التزم الممرات المخصصة: ولا تدخل مسارات المشاة حفاظاً على سلامتك وسلامة الطائفين.
- التزم السرعة المنخفضة: فالمقصود من الطواف العبادة والخشوع لا السرعة والإنجاز.
- احفظ الذكر والدعاء: فراكب العربة ليس معفًى من التلبية والدعاء واستلام الحجر إن أمكن أو الإشارة إليه.
- لا تركب إلا لحاجة: فإن كنت قادراً على المشي فالمشي أفضل وأعزم أجراً بإجماع العلماء.
- أعد العربة فور انتهائك: حتى ينتفع بها غيرك من المحتاجين وتسترد وثيقة هويتك.
دلالة الخدمة وأثرها
تمثل عربات الحرم نموذجاً واضحاً على كيف يمكن أن تُسخّر التقنية الحديثة في خدمة العبادة وتيسير المشقة على المسلمين، دون أن يكون في ذلك مساس بأصل النسك أو مخالفة للشرع. فقد رفعت هذه الخدمة حرجاً عن ملايين المعتمرين الذين كان بعضهم يتردد في المجيء إلى مكة خوفاً من العجز عن إكمال المناسك، وأعادت لكبار السن والمرضى شعورهم بالاستقلالية والكرامة في أداء عبادتهم بأنفسهم.
خلاصة
عربات الحرم الجديدة خدمة مباركة تُيسّر على العاجزين وكبار السن والمرضى أداء الطواف والسعي بكرامة واستقلالية، وهي جائزة شرعاً للمعذور باتفاق الفقهاء، مجزئة له في نسكه، مع بقاء أفضلية المشي لمن قدر عليه. ومن حسن الفقه أن يعرف المسلم متى يرخّص لنفسه ومتى يأخذ بالأفضل، فالله يحب أن تُأتى رخصه كما يحب أن تُؤدّى عزائمه، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

.jpg)
.jpg)
.jpg)