
في الحكايات الشعبية حيلة متكررة: أن يُوزّع البطولة على جماعة لا يُجمعها في رجل واحد. وأشهر ما جاء في هذا الباب من تراث الشرق الأقصى حكاية عشرة أخوة، ولكل أخ منهم قدرة واحدة لا تنفعه وحدها، ولا تنتصر إلا حين تجتمع مع أخواتها التسع.
ما هي حكاية عشرة أخوة؟
عشرة أخوة حكاية شعبية صينية قديمة، تدور حول عشرة إخوة يولدون في بيت فقير، ولكل واحد منهم موهبة خارقة منفردة. وهي من أكثر الحكايات دوراناً في الأوساط الشعبية الصينية، وما زالت تُحكى للأطفال حتى اليوم.
مسألة الزمن والنسبة
ويُقال إنها كُتبت في زمن قريب من بناء سور الصين العظيم، وربما في عهد أسرة مينغ التي حكمت من عام ألف وثلاثمئة وثمانية وستين إلى عام ألف وستمئة وأربعة وأربعين. وهذا تقدير لا تثبيت، لأن الحكايات الشعبية لا مؤلف لها ولا تاريخ ميلاد معروف، وإنما تنتقل مشافهة أجيالاً قبل أن يُقيّدها أحد. وتوافقها مع زمن السور مردود إلى أن بعض رواياتها تربط أحداثها بالسخرة في بناء السور، لا إلى وثيقة مؤرخة.
توضيح عن قدمها
ومما يُقال في وصفها أنها من أقدم الأساطير الصينية التي رسمت بطلاً، وفي هذا مجاوزة. فالتراث الصيني فيه أبطال أقدم من ذلك بقرون طويلة، منهم الرامي الذي يُروى أنه أسقط تسعة من عشرة شموس أحرقت الأرض، ومنهم الرجل الذي أمسك الطوفان وحفر للأنهار مسالكها. فالأدق أن تُوصف حكاية الأخوة العشرة بأنها من أرسخ الحكايات الشعبية لا أقدمها.
أحداث الحكاية
تبدأ الحكاية في أكثر رواياتها المتأخرة بزوجين فقيرين لا ولد لهما، يبتلعان عشر لؤلؤات فتُرزق المرأة عشرة أبناء في بطن واحد، ولكل واحد منهم موهبة لا يشاركه فيها أحد.
الظلم الذي يحرّك القصة
ثم يبلغ خبرهم حاكماً ظالماً أو ملكاً جائراً، فيرى في قدراتهم خطراً على سلطانه، أو يطمع في تسخيرها لخدمته، فيسعى في هلاكهم. وفي روايات أخرى يكون العدوّ وحشاً أو تنيناً أو جيشاً غازياً. وفي كل الروايات يبقى الجوهر واحداً: قوة غاشمة تستهدف أسرة صغيرة عزلاء.
لماذا لا ينتصر أحدهم وحده؟
وهنا مفتاح الحكاية كله. فكل أخ يخرج بموهبته فيبلغ شيئاً ثم يعجز، لأن قدرته وحدها ناقصة. فالبصير يرى العدوّ ولا يبلغه، والقوي يبلغه ولا يراه، والطائر يصل ولا يسمع، والذكي يدبّر ولا ينفّذ. ولا يتم الأمر إلا حين ينتظمون جميعاً في عمل واحد: هذا يرى وهذا يسمع وهذا يحمل وهذا يطير وهذا يشفي الجريح.
نقطة الضعف
وفي بعض الروايات لهم مَوهن واحد: أن قواهم تخور إذا لمسوا حجراً معيناً. وهذه لفتة ذكية في بناء الحكاية، لأن البطل الذي لا يُقهر لا تُصنع منه قصة، فلا بد من ثغرة يخشاها السامع فيشتد تعلقه بالمصير.
الأخوة العشرة وقدراتهم
وأسماء الإخوة وترتيب مواهبهم يختلف بين رواية وأخرى، وأشهر ترتيب متداول هو الآتي.
الحواس والقوة
الأخ الأكبر بصره حادّ يرى ما وراء الأفق. والثاني سمعه يبلغ به المسافات البعيدة فيسمع الهمس من مسيرة أيام. والثالث قوة بدنية خارقة يحمل بها ما لا يحمله جيش.
الجسد المتحوّل
والرابع يمتد جسمه ويصلب فلا يجرحه سلاح. والخامس يطير في الهواء. والسابع يطول جسمه حتى يبلغ السماء أو يعبر النهر بخطوة. والثامن يمشي تحت الأرض فينفذ من الحصون.
العقل والصوت والدمع
والسادس ذكاء نافذ يُدبّر ما تُعجز عنه القوة. والتاسع فمه واسع يبتلع الريح ويصيح صيحة تهدّ البناء. والعاشر وهو الأصغر يبكي فيبرأ من يبكي عليه من كل علة.
لفتة في ترتيب المواهب
ومن اللطيف أن أصغرهم موهبته أضعفها في الظاهر وأنفعها في الحقيقة. فالبكاء عند الناس علامة ضعف، وهو في القصة أداة الشفاء الوحيدة، ولولاه لمات الإخوة في المعركة. وهذا مقصود في بناء الحكاية: أن ما يُحتقر من الصفات قد يكون هو مناط النجاة.
ما تريد الحكاية أن تقوله
ليست هذه حكاية تسلية فحسب، فقد بُنيت على معانٍ ثلاثة يقصدها الراوي قصداً.
لا غنى لأحد عن أحد
أولها وأظهرها أن الكمال لا يجتمع في فرد. فكل واحد من الإخوة ناقص، ومجموعهم كامل. وهذا معنى يتكرر في أمثال الأمم كلها، لكن الحكاية الصينية أخرجته في صورة محسوسة يفهمها الطفل قبل الرجل: عشرة نواقص تصنع بطلاً واحداً.
لا تُحتقر موهبة
وثانيها أن الموهبة لا تُقاس بمظهرها. فالسمع والبكاء والفم الواسع أشياء تُضحك إذا عُدّت مزايا، وهي في القصة أدوات نصر. ولذلك أحبّ الناس هذه الحكاية وحكوها لأطفالهم، لأن كل طفل يجد فيه نفسه في أحد الإخوة.
القوي الظالم يُهزم بالتعاون
وثالثها معنى اجتماعي واضح: أن الحاكم الجائر إنما تقوم قوته على تفرّق الناس، فإذا اتفق الضعفاء انكشف ضعفه. وهذا المعنى يفسّر بقاء الحكاية حيّة في الأوساط الشعبية، فهي في جوهرها حكاية أسرة فقيرة تغلب سلطاناً.
الحكاية في السينما والتلفاز
وقد نُقلت الحكاية إلى الشاشة مرات كثيرة، خاصة في الصين وهونغ كونغ، بين فيلم ومسلسل ورسوم متحركة.
أشهر الأعمال المقتبسة
ومن أشهرها فيلم أُنتج في عام ألف وتسعمئة وتسعة وخمسين، وفيلم تالٍ في العام الذي بعده يجعل خصم الإخوة وحشاً بحرياً، ومسلسل تلفزيوني في أوائل الثمانينات، وفيلم في عام ألف وتسعمئة وخمسة وتسعين، ومسلسلان تلفزيونيان في عامي ألفين وخمسة وألفين وسبعة. وقد قُدّمت كذلك في صور أوبرا شعبية وكتب مصوّرة للأطفال.
ما تغيّر في المعالجات الحديثة
وتميل المعالجات الحديثة إلى تلطيف القصة وتخفيف قسوة نهاياتها، وإلى الإكثار من عناصر الفكاهة في تصوير القدرات. وهذا تحوّل مألوف في تاريخ الحكايات الشعبية عند نقلها من مجالس الرواية إلى شاشات موجّهة للصغار.
نظائر الحكاية في تراث الأمم
وليست هذه الفكرة صينية خالصة، فالحكايات الشعبية تتشابه في الأمم على غير اتفاق بينها.
الرفاق ذوو القدرات
فقد جُمعت في التراث الأوروبي حكايات على النمط نفسه، فيها رفقة يجتمع كل منهم على قدرة عجيبة، فمنهم من يسمع نمو العشب، ومنهم من يعدو حتى يسبق الريح فيربط ساقه ليبطئ، ومنهم من يرى ما لا يُرى، فيذهبون جميعاً إلى ملك يخدمونه أو يغلبونه. وفي حكايات آسيوية أخرى وفي الحكايات العربية الشعبية نظائر لها.
لماذا يتكرر هذا النمط؟
ويرى دارسو الأدب الشعبي أن هذا التكرار لا يحتاج إلى فرض انتقال الحكاية من بلد إلى بلد، لأنه ينبع من حاجة مشتركة عند كل جماعة: أن يُروى للأبناء أن الجماعة أقوى من الفرد. فحيث وُجدت أسرة وقرية وحقل يُزرع بأيدٍ متعاونة، وُجدت حكاية تشبه حكاية الإخوة العشرة.
خاتمة
يبقى في هذه الحكاية سرّ يفسّر بقاءها قروناً: أنها لم تجعل بطلها رجلاً كامل الصفات يُعجب الناس ولا يشبههم، بل جعلته عشرة أشخاص ناقصين يشبه كل واحد منهم إنساناً نعرفه. ولذلك يخرج منها السامع بشيء أنفع من الإعجاب، وهو أنه هو نفسه أحد العشرة، وأن ما ينقصه سيجده عند أخيه.