من هم اللاجئون الفلسطينيون | القضية المستمرة

Unknown

قضية اللاجئين الفلسطينيين هي أطول ملف لجوء لم يُغلق في التاريخ الحديث، وأكبره من حيث عدد المشمولين به وامتداده الزمني عبر أربعة أجيال. وحين يتناول الحديث هؤلاء اللاجئين فإنه لا يتناول حادثة عابرة انقضت بانقضاء عامها، بل واقعاً متصلاً ما زال يشكل حياة ملايين البشر في المخيمات والمدن والمنافي، ويحكم علاقتهم بأوراق ثبوتية ومدارس ومستوصفات ووثائق سفر لا تشبه ما لدى غيرهم. وفي هذه المقالة نعرض من هم هؤلاء اللاجئون، وكيف تعرّفهم المؤسسات الدولية، ومتى تولّدت موجات لجوئهم، وأين يقيمون اليوم، وكيف تطورت أعدادهم، وما مركزهم القانوني.

عائلة فلسطينية تسير على طريق ترابي حاملة أمتعتها خلال التهجير عام ألف وتسعمئة وثمانية وأربعين

من هم اللاجئون الفلسطينيون؟

اللاجئون الفلسطينيون هم من هاجروا وهُجِّروا من ديارهم في فلسطين على وقع العمليات المسلحة التي شنّتها الميليشيات الصهيونية في عامي ألف وتسعمئة وسبعة وأربعين وألف وتسعمئة وثمانية وأربعين، ثم على وقع الحرب العربية الإسرائيلية التي تلتها، وما جاء بعدها من حروب واحتلالات. وتنتقل الصفة إلى نسل أولئك المهجَّرين جيلاً بعد جيل، وهي خصوصية تميّز هذا الملف عن غيره من ملفات اللجوء. ومعظم هؤلاء ناطقون بالعربية، ويتوزعون بين الأرض الفلسطينية نفسها ودول الجوار والشتات الأوسع.

والفرق الجوهري بين هجرة اللاجئ الفلسطيني وسواها أن الرحيل لم يقترن بإمكان العودة. فالنازح من كارثة طبيعية يعود إلى أرضه بعد انقضائها، والفارّ من حرب داخلية يعود بعد سكونها، أما هؤلاء فقد أُغلق باب العودة عليهم بقوانين وسياسات، ووُطِّن مكانهم قادمون جدد، فصار المؤقت دائماً، وصارت الخيمة بيتاً ثم حجراً ثم حياً كامل المعالم.

التعريف الرسمي لدى وكالة الأونروا

أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة في نهاية عام ألف وتسعمئة وتسعة وأربعين وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، المعروفة اختصاراً بالأونروا، وبدأت عملها فعلياً في ربيع عام ألف وتسعمئة وخمسين لغوث لاجئي النكبة. ووُضع للوكالة تعريف إجرائي محدد للمستحقين لخدماتها، وهو التعريف الأكثر تداولاً في الأدبيات والإحصاءات.

نص التعريف وشروطه

يعرّف التعريف اللاجئ الفلسطيني بأنه: «كل شخص كان مكان إقامته العادي فلسطين في المدة الواقعة بين حزيران عام ألف وتسعمئة وستة وأربعين وأيار عام ألف وتسعمئة وثمانية وأربعين، وفقد بيته ومورد رزقه نتيجة حرب عام ألف وتسعمئة وثمانية وأربعين». وينبني على هذه الصياغة ثلاثة شروط مجتمعة: إقامة معتادة في فلسطين خلال المدة المذكورة، وفقدان المسكن، وفقدان مصدر العيش. وتُلاحظ دقة تحديد المدة، إذ جُعل ابتداؤها سنتين قبل الحرب لتُستوعب حالات من انتقلوا للعمل أو السكن في فلسطين قبيل الأحداث.

امتداد الصفة إلى الأبناء والأحفاد

يشمل التعريف أيضاً نسل من تنطبق عليهم الشروط، بصرف النظر عن أماكن سكنهم اللاحقة. وهذا الامتداد الوراثي كثيراً ما يُثار الجدل حوله، والحقيقة أنه ليس استثناءً مخترعاً لهذه الحالة وحدها، إذ درجت الأعراف الدولية على أن يبقى المرء لاجئاً وأبناؤه معه ما لم يتحقق أحد الحلول الدائمة الثلاثة: العودة إلى الوطن، أو الاستقرار النهائي في بلد اللجوء بجنسيته، أو التوطين في بلد ثالث. ولمّا تعذّرت هذه الحلول في هذا الملف بقيت الصفة قائمة وتوارثتها الأجيال.

من لا يشمله التعريف

تعريف الوكالة تعريف إجرائي غايته تحديد المستحقين للخدمات، لا حصر الفلسطينيين المتضررين جميعاً. فهناك من نزح عام ألف وتسعمئة وثمانية وأربعين دون أن يسجّل نفسه، وهناك من قدر على إعالة أسرته فلم يطلب الغوث، وهناك المهجَّرون داخل حدود ما صار إسرائيل فبقوا خارج ولاية الوكالة، وهناك من هُجِّر في حروب لاحقة. ولهذا يزيد العدد التقديري للفلسطينيين المتضررين من التهجير على عدد المسجلين رسمياً.

يد ممتدة تحمل مفتاح البيت من خلف أسلاك شائكة رمزاً لحق العودة الفلسطيني

موجات اللجوء الكبرى

لم يجرِ التهجير على دفعة واحدة، بل تولّدت موجتان رئيسيتان تفصل بينهما نحو عشرين سنة، ولحقتهما موجات أصغر ممتدة إلى اليوم.

الموجة الأولى: نكبة عام ألف وتسعمئة وثمانية وأربعين

تزامنت هذه الموجة مع إعلان قيام دولة إسرائيل وما رافقه من عمليات عسكرية ومجازر وإخلاء قسري للمدن والقرى. وفي هذه الموجة خرج مئات الآلاف من مناطق الساحل ومن الجليل والمدن الكبرى، وأُفرغت مئات القرى من سكانها ومُحيت كثير منها عن الخريطة. وقد خرج معظم هؤلاء وهم يوقنون أن الغياب أسابيع لا أكثر، فأقفلوا أبواب بيوتهم وحملوا مفاتيحها معهم، ومن هنا صار المفتاح رمزاً ملازماً لهذه القضية يتوارثه الأبناء عن الآباء.

الموجة الثانية: حرب عام ألف وتسعمئة وسبعة وستين

في حرب حزيران احتُلت الضفة الغربية وقطاع غزة، فنزح نحو ثلاثمئة ألف إنسان معظمهم إلى الأردن. ومن أشقّ ما في هذه الموجة أن قسماً كبيراً منهم كانوا لاجئي الموجة الأولى، فلجأوا مرتين وخرجوا من مخيم إلى مخيم، وهؤلاء يوصفون في أدبيات القضية باللاجئين المهجَّرين مرتين. أما من نزح عام سبعة وستين ولم يكن مشمولاً بتعريف الموجة الأولى فقد صُنّف في خانة قانونية أخرى تُعرف بالمهجَّرين، وله مسار مفاوضات مستقل عن مسار اللاجئين.

الموجات اللاحقة

تكرّر التهجير في محطات تالية: الخروج من الأردن في مطلع السبعينيات، وحرب لبنان وحصار المخيمات في الثمانينيات، وطرد الفلسطينيين من الكويت بعد حرب الخليج، ثم تشتّت لاجئي العراق بعد عام ألفين وثلاثة، ثم تدمير مخيمات سوريا وأشهرها اليرموك بعد عام ألفين وأحد عشر، ثم موجات التهجير المتلاحقة داخل قطاع غزة. وهكذا صار اللجوء في هذه القضية حالة متجددة لا حادثة تاريخية مغلقة.

أماكن تواجد اللاجئين الفلسطينيين

يتوزع اللاجئون الفلسطينيون على دوائر متفاوتة القرب من فلسطين، وتختلف أحوالهم اختلافاً بيّناً بحسب البلد المضيف وقوانينه.

داخل الأرض الفلسطينية

في قطاع غزة يشكل اللاجئون الغالبية العظمى من السكان، وهو أعلى نسبة لاجئين إلى سكان في العالم، وفيه ثمانية مخيمات رسمية مكتظة اكتظاظاً بالغاً. وفي الضفة الغربية تسعة عشر مخيماً موزعة على المحافظات، وسكانها أقلية من مجموع سكان الضفة لكنهم كثيفو الوجود في المدن الكبرى. أما داخل الخط الأخضر فهناك المهجَّرون داخلياً الذين اقتُلعوا من قراهم ولم يخرجوا من حدود ما صار إسرائيل، ويُعرفون بالحاضرين الغائبين، وهي تسمية قانونية معناها أنهم موجودون بأجسادهم غائبون في سجلات ملكية أراضيهم.

دول الجوار

الأردن هو أكبر مضيف لهم عدداً، وقد مُنح معظم لاجئي الموجة الأولى فيه الجنسية الأردنية كاملة الحقوق، وهو استثناء لا نظير له في المنطقة، مع بقاء صفة اللاجئ لهم في سجلات الوكالة لأنها لا تسقط بالتجنيس. وفي سوريا حظي اللاجئون قبل الحرب بحقوق مدنية واسعة في العمل والتعليم والتملك دون تجنيس، ثم بدّدت الحرب أوضاعهم فهُجّر أكثرهم مرة أخرى. وفي لبنان أوضاعهم أشقّ ما تكون، إذ حُرموا سنوات طويلة من ممارسة مهن عديدة ومن التملك ومن الانتساب إلى مؤسسات الدولة، فباتوا رهن خدمات الوكالة وحدها.

الشتات الأوسع

في مصر جماعة أقدم عهداً لكنها أصغر عدداً وأوضاعها القانونية متأرجحة. وفي العراق كانت جماعة صغيرة تحظى بمعاملة تفضيلية ثم تعرضت للاستهداف بعد عام ألفين وثلاثة فتشتّت بين المخيمات الحدودية وبلدان الشتات. ويمتد الوجود الفلسطيني إلى دول الخليج وأوروبا والأمريكتين وأستراليا، وهؤلاء خارج مناطق عمل الوكالة الخمس ولا تشملهم خدماتها، وإن ظلت الصفة القانونية والمطالبة قائمة.

تطور الأعداد بمرور العقود

بلغ عدد المسجلين لدى الوكالة نحو سبعمئة وأحد عشر ألفاً عند بدء عملها في مطلع الخمسينيات، ثم صار نحو أربعة ملايين وسبعمئة ألف مسجل بحلول عام ألفين وعشرة، وتجاوز العدد الآن ستة ملايين. وهذا النمو أثر طبيعي لتوارث الصفة مع النمو السكاني الطبيعي وطول أمد القضية، لا مؤشراً على تهجير جديد بهذا الحجم.

ويحسن التنبيه إلى أن عدد المسجلين ليس بالضرورة عدد المنتفعين فعلاً، فبعض المسجلين لا يقيمون في مناطق عمل الوكالة ولا يتلقون خدماتها، وبعضهم استقرت أحوالهم فلم يعودوا محتاجين إليها، والسجل يبقيهم مسجلين لأن التسجيل إثبات لحق لا إقرار بحاجة. ولهذا تختلف الأرقام المتداولة اختلافاً واسعاً بحسب ما يُقاس: المسجلون، أم سكان المخيمات، أم متلقو المعونة.

المركز القانوني وحق العودة

يقوم المرجع القانوني الأشهر في هذه القضية على قرار الجمعية العامة رقم مئة وأربعة وتسعين الصادر في نهاية عام ألف وتسعمئة وثمانية وأربعين، ونصّه يقرر وجوب السماح بعودة الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم، وتعويض من يختار عدم العودة وتعويض من فقد ماله. ويستند إليه الفلسطينيون في المطالبة بحق العودة، وهو من أكثر القرارات الدولية تكراراً للتأكيد في الجمعية العامة، وإن بقي معطلاً في التنفيذ.

ومن الخصوصيات القانونية أن هؤلاء اللاجئين خارج ولاية المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لأن لهم وكالة خاصة أُنشئت قبلها، فلا ينطبق عليهم مسار الحلول الدائمة الذي تديره المفوضية لسائر لاجئي العالم. ونتيجة ذلك أن ملفهم صار ملفاً سياسياً تفاوضياً معلقاً على تسوية شاملة، لا ملفاً إنسانياً تعالجه مؤسسة واحدة بأدواتها المعتادة.

خاتمة

اللاجئون الفلسطينيون ليسوا رقماً في سجل ولا بنداً في جدول مفاوضات، بل مجتمعات كاملة نشأت في المخيمات فأنتجت مدارسها وأطباءها ومهندسيها وشعراءها وحفظت أسماء قراها في أسماء أبنائها وأزقة مخيماتها. وقضيتهم قائمة بقيام سببها: مسكن فُقد ولم يُستعد، وحق أُقرّ ولم يُنفّذ. وفهم هذا الملف بتعريفاته وموجاته وأرقامه شرط لفهم الصراع في هذه المنطقة كله، لأنه أصله الذي تفرّعت عنه سائر فصوله.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !