
تدخل مكاناً لم تزره قطّ فيجتاحك يقين أنك كنت هنا من قبل. أو تسمع جملة في حديث عابر فتوقن لحظة أن هذا الحديث بعينه دار بينكما مرة أخرى. ثم تمر الثواني فتزول الحالة وتبقى متحيراً. هذا ما يسميه الناس ديجافو، وله من العلم تفسيرات أقرب إلى الواقع مما يشيع عنه في مجالس الغرائب.
ما معنى ديجافو؟
ديجافو لفط فرنسي معناه حرفياً «رُئي من قبل». ويُراد به تلك اللحطة القصيرة التي يشعر فيها المرء أن موقفاً جديداً تماماً قد مرّ به من قبل، مع علمه في الوقت نفسه أن هذا مستحيل. وفي العربية يسمّيه الباحثون وهم الألفة أو المألوفية الزائفة.
الفرق الجوهري
وما يميز ديجافو عن التذكر العادي خصلتان. الأولى أن الإحساس بالألفة يأتي فارغاً من التفاصيل، فلا تستطيع أن تحدد متى رأيت المشهد ولا أين ولا مع من. والثانية أنك تعرف أن الشعور خاطئ وأنت تشعر به. وهذا التناقض بين ما تحسّ وما تعلم هو موضوع البحث العلمي.
من أول من وضع الاسم؟
أول من أطلق هذا الاسم على الحالة عالم نفس وفيلسوف فرنسي اسمه إيميل بواراك، في رسالة له نشرت في أواخر القرن التاسع عشر. وكان من المشتغلين بما كان يسمى حينها علم النفس الخارق، وله اهتمام بالتنويم والطاقات، وهو الواضع لمصطلح الإدراك الحسي الفائق. لكن وضعه للاسم لا يعني أنه أول من لاحط الظاهرة، فقد وصفها قبله أطباء وفلاسفة بألفاط أخرى، وورد وصفها في روايات أدبية قبل أن تدخل معاجم الطب.
هل هي ظاهرة نادرة؟
يُظن أن ديجافو حالة استثنائية تصيب أفراداً قليلين، والواقع خلاف ذلك تماماً. فالمسوح النفسية المتكررة تشير إلى أن نحو ثلثي الناس أو أكثر مرّوا بها مرة على الأقل في حياتهم، وأن كثيرين يمرّون بها عدة مرات في السنة.
من يمرّ بها أكثر؟
ومما لاحظه الباحثون أن تكرارها يبلغ ذروته في سنوات الشباب المبكر، ثم يتراجع مع تقدم العمر، وهذا عكس ما يتوقعه المرء لو كانت الظاهرة خللاً في الذاكرة. ولوحظ كذلك أنها أكثر عند من يسافرون كثيراً، وعند من يشاهدون أفلاماً وصوراً بكثرة، وعند المتعلمين، وعند من ينامون قليلاً أو يعملون تحت ضغط وإجهاد.
دلالة هذه الملاحظات
وهذه الملاحظات نفسها تشكّك في التفسيرات الغيبية. فلو كانت الحالة رسالة من عالم آخر أو ذكرى من حياة سابقة، لما كان لعدد الرحلات التي قام بها المرء ولا لعدد ساعات نومه أثر في تكرارها.
التفسيرات العلمية للظاهرة
ليس للظاهرة تفسير واحد متفق عليه، لكن القول بأنه «لا يوجد أي تفسير» قول قديم لم يعد دقيقاً. فقد تراكم في العقود الأخيرة عدد من التفسيرات المدعومة بتجارب مخبرية، وأشهرها ثلاثة.
التفسير الأول: خطأ في تقييم المألوفية
وهو أقوى التفسيرات وأكثرها قبولاً اليوم. وبيانه أن الدماغ يميّز بين شعورين منفصلين: شعور «هذا مألوف» وشعور «أتذكر أين رأيته». والأول يصدر عن منطقة في الدماغ تسمى القشرة الأنفية الجانبية، والثاني يعتمد على قرن آمون وما حوله. فإذا نشط جهاز المألوفية دون أن يجد جهاز الاسترجاع ما يسنده، حصل الإحساس بالتناقض: أعرف هذا المكان ولا أعرف من أين.
التفسير الثاني: التشابه الجزئي في التفاصيل
وهذا التفسير قابل للاختبار، وقد أُخضع له في المعامل بنتائج مقنعة. وفكرته أن المشهد الجديد يشترك في تنظيمه المكاني أو في تفاصيله الصغيرة مع مشهد رأيته من قبل ونسيته. فتُصمَّم غرف افتراضية تتشابه في توزيع الأثاث وتختلف في كل شيء آخر، فيُبلّغ المشاركون عن إحساس بالألفة عند دخول الثانية دون أن يعرفوا سببه. أي أن الدماغ التقط التشابه في البنية ولم يتذكر أصله.
التفسير الثالث: تأخر بسيط في المعالجة
وهو ما أشار إليه النص القديم على وجه التقريب. ومضمونه أن المعلومة تسلك في الدماغ أكثر من مسار، فلو وصلت عبر مسار قبل الآخر بجزء من الثانية، فسّرها الدماغ على أنها معلومة قديمة استُرجعت لا معلومة جديدة وردت. وهذا التفسير أضعف من سابقيه لصعوبة إثباته تجريبياً، لكنه لا يزال مطروحاً.
تصحيح لعبارة شائعة
وأما تسمية ذلك «مشاهدة العقل الباطن» فهي عبارة أدبية أكثر منها علمية. فالدماغ لا يشتمل على عقلين أحدهما يسبق الآخر إلى المشاهد، وإنما فيه مسارات معالجة متعددة السرعة، وشبكات للتعرف على الأشياء تعمل بلا وعي منا. والفرق بين العبارتين ليس لفظياً، فالأولى تفتح الباب لتفسيرات خارقة والثانية تصفها بأنها عمل عادي للدماغ.
ديجافو والصرع: الدليل الحاسم
أقوى ما يدعم التفسير الدماغي للظاهرة يأتي من مجال طبي لا علاقة له بالغرائب، وهو دراسة الصرع.
الهالة التي تسبق النوبة
فبعض مرضى الصرع الصدغي يمرّون بإحساس شديد بالمألوفية قبل النوبة مباشرة، ويسمّى ذلك الهالة. وهو أقوى وأطول من ديجافو الطبيعي، وقد يصاحبه إحساس بالغربة عن المكان أو بأن الجسم ليس جسمه.
إحداث الظاهرة بالكهرباء
والأهم من ذلك أن الجراحين حين يزرعون أقطاباً كهربائية في دماغ هؤلاء المرضى لتحديد موضع البؤرة قبل الجراحة، يستطيعون توليد إحساس ديجافو عند المريض بتنبيه مواضع معينة في الفص الصدغي الأوسط بتيار خفيف. أي أن الظاهرة تُصنع بالطلب في غرفة عمليات.
ماذا يعني ذلك؟
وهذا يحسم المسألة من حيث الأصل: ديجافو نشاط كهربائي في منطقة معلومة من الدماغ، لا رسالة من الغيب ولا ذكرى من عالم سابق. وموقع هذه المنطقة ليس مفاجئاً، فالفص الصدغي الأوسط هو مقرّ تكوين الذكريات وتمييز المألوف من الغريب.
متى يكون علامة على مرض؟
وديجافو عند معظم الناس ظاهرة سليمة لا تستوجب قلقاً، لكن هناك صوراً منه ينبغي عرضها على طبيب.
علامات تستوجب الفحص
فإذا كان يتكرر مرات كثيرة في اليوم أو الأسبوع، أو يطول حتى يشمل دقائق، أو يصحبه رائحة غريبة أو طعم في الفم أو غثيان أو رفّة في اليد أو غياب قصير عن الوعي، أو يعقبه صداع وإرهاق شديد، فقد يكون هذا نوبة صرع جزئية بسيطة. وكذلك إذا ظهر لأول مرة في سنّ متقدمة بعد أن لم يكن معهوداً.
الفارق بين الحالتين
والفارق أن ديجافو السليم قصير جداً، ثوانٍ قليلة، ويعرف صاحبه أنه غير حقيقي، ولا يصحبه شيء آخر. أما المرضي فطويل ملحّ، وقد يصدّقه المريض، ولا يأتي وحده.
لماذا يُنسب إلى ما وراء الطبيعة؟
ويبقى السؤال: لِمَ ارتبطت هذه الحالة في أذهان الناس بالغيب والأحلام النبوئية وتناسخ الأرواح؟
قوة الإحساس لا قوة الدليل
والجواب أن الظاهرة تجمع خصلتين تُغريان بالتفسير الخارق: أنها تحدث فجأة بلا مقدمة ولا سبب ظاهر، وأن الإحساس بها قويّ يقيني يتجاوز الشكّ. ونحن نميل بطبعنا إلى تفسير ما نحسّ به يقيناً ولا نجد له سبباً بأنه من جنس آخر من الحقائق. وقد ثبت في دراسات نفسية أن الناس يخلطون بين ديجافو وبين ما يسمى الإحساس بالتنبؤ، فيظن أحدهم أنه كان يعلم ما سيحدث بعد لحظة، والواقع أنه بنى هذا الشعور بعد وقوع الحدث لا قبله.
ما يستحق التأمل فعلاً
ولعلّ الأعجب في القصة أن ديجافو ليس خللاً بل دليل صحة. فهو مؤشر على أن الدماغ يراقب ذاكرته ويكشف تعارضاً في تقريرها ويُنبّهك إليه. فحين تحسّ بالتناقض فأنت في حقيقة الأمر تشهد جهاز رقابة داخلياً يعمل بكفاءة، يقول لك: هناك خطأ في هذا الشعور فلا تصدّقه. وهذا وحده أعجب من أي تفسير غيبي.
.png)