سيدة دفنت ليلاً وعادت للحياة صباحاً

من أشد المخاوف التي راودت الإنسان في كل عصر أن يُدفن وهو حي، فيفيق في ظلمة لا مخرج منها. وهذا الخوف ليس وهماً محضاً، فقد سُجلت حوادث متفرقة في بلدان مختلفة عاد فيها من أُعلنت وفاته إلى الحركة والوعي قبل الدفن أو بعده بقليل. ومن هذه الحوادث واقعة تونسية تناقلتها الصحف لامرأة دفنها أهلها بعد أن أيقنوا موتها، ثم أخرجوها من قبرها حية. وفي هذه المقالة نروي تفاصيل الحادثة ونفسر أسبابها الطبية، ونعرض لنظائرها في التاريخ، وما يجب أن يُتعلم منها.

مقبرة في منطقة جافة تنتشر فيها قبور محددة بأطر حجرية وشواهد بسيطة

تفاصيل الحادثة التونسية

نقلت صحيفة الشروق التونسية أن سيدة دُفنت في منطقة ورغة بمحافظة سيدي بوزيد، الواقعة على بعد نحو مئتين وثلاثة وثمانين كيلومتراً جنوب العاصمة، بعد أن أُعلنت وفاتها. وكانت قبل ذلك قد سقطت مغشياً عليها دون أن تكون معروفة بمرض مزمن يفسر ما جرى. وطالت مدة الإغماء حتى ظنّ أفراد أسرتها أنها فارقت الحياة، فاشتروا الكفن وتلقوا العزاء ومضوا في إجراءات الدفن وأودعوها التراب.

الصوت المنبعث من القبر

وشاء القدر أن تمر امرأة بجانب المقبرة فتسمع صوتاً منبعثاً من أحد القبور، فلم تعره اهتماماً في أول الأمر لشدة ما أخذها من الروع، ولـأن أول ما يتبادر إلى الذهن في موقف كهذا أنه وهم أو خدعة سمع. لكنها ثبتت وعادت تتحقق حتى تبيّن لها أن الصوت آتٍ من القبر الذي دُفنت فيه السيدة للتو. ومن أحسن ما في هذه الواقعة أن المرأة لم تدع خوفها يحملها على الفرار، ولو فعلت لكان للقصة منتهى آخر.

نبش القبر وإخراجها حية

أسرعت المرأة فأعلمت أفراد أسرة المتوفاة، فهرعوا إلى المقبرة ونبشوا القبر، فوجدوا من دفنوها حية ترزق وقد تمكنت من تمزيق كفنها. وفي هذه التفصيلة الأخيرة دلالة مهمة، فتمزيق الكفن حركة تحتاج وعياً وقوة عضلية، أي أن السيدة استعادت وعيها كاملاً داخل القبر وأدركت موقفها، وهو أقسى ما يمر بإنسان.

ملاحظة على ما تناقلته الصحف

يحسن التنبيه إلى أن ما بين أيدينا خبر صحفي محلي لا تقرير طبي، ومثل هذه الأخبار تُروى غالباً على لسان الأهل والجيران دون فحص طبي لاحق يثبت ما جرى ويفسّره. ولذلك يُقرأ متن الخبر على أنه رواية لما شهده الناس، أما التفسير العلمي فمصدره الحالات المشابهة الموثقة في المستشفيات. ومن الملحوظ أيضاً أن عنوان الخبر يقول «دفنت ليلاً وعادت صباحاً»، والمتن لا يذكر توقيتاً محدداً، وهذه من زيادات صياغة العنوان التي تكثر في الصحافة اليومية.

كيف يقع مثل هذا الخطأ؟ التفسير الطبي

لم يقع ما جرى خرقاً لقوانين الطبيعة، بل هو خطأ في تشخيص الموت. فالموت الحقيقي توقف لا رجعة فيه لعمل القلب والتنفس وجذع المخ، أما ما وقع هنا فحالة انخفضت فيها العلامات الحيوية انخفاضاً بالغاً حتى غابت عن الحس والملاحظة العادية.

حالات تُشبه الموت وليست موتاً

هناك حالات معروفة في الطب يهبط فيها النبض والتنفس إلى حدود لا تُدرك باليد ولا بالعين المجردة. من ذلك هبوط حرارة الجسم الشديد، إذ يبطئ الأيض ويصير النبض بالغ الخفوت. ومن ذلك الغيبوبة السكرية والإغماء الناتج عن هبوط ضغط الدم الحاد أو نقص السوائل. ومن ذلك الصرع وبعض حالات الشلل المؤقت والذهول الشديد الذي يعقب صدمة نفسية أو جسدية. ومن ذلك التسمم ببعض المواد التي تعطل الجهاز العصبي مدة ثم يتلاشى أثرها. وفي هذه الحالات كلها يكون القلب عاملاً والدم دائراً، لكن بمعدل خافت لا يُلمس بالجس.

الفرق بين توقف القلب والموت الدماغي

يخلط الناس بين توقف القلب والموت النهائي، وهما مختلفان. فتوقف القلب حالة قد تُعكس بالإنعاش، وقد يعود القلب للعمل تلقائياً في حالات نادرة توصف بعودة الدورة الدموية الذاتية بعد توقف الإنعاش، وهي ظاهرة موثقة في الأدبيات الطبية. أما الموت الحقيقي فهو موت جذع المخ، ولا يُقرر إلا بفحوص متخصصة. ولهذا لا يصح أن يُعلن الموت بمجرد سكون الجسم وبرودة أطرافه.

لماذا يخطئ غير المختصين؟

في القرى والمناطق النائية يتولى الأهل غالباً تقرير الوفاة بأنفسهم، مستدلين بأمارات ظاهرة: سكون الصدر، وبرودة اليد، وشحوب الوجه، وانعدام الاستجابة للنداء. وهذه أمارات لا تكفي، لأن التنفس الخافت لا يُرى في الصدر، والنبض الضعيف لا يُلمس في الرسغ، وبرودة الأطراف تحدث في الإغماء الشديد لانسحاب الدم إلى الأعضاء الحيوية. ويزيد الأمر تعقيداً استعجال الدفن في المناطق الحارة، والحرج من طلب الطبيب، وسرعة الإجراءات الاجتماعية التي تبدأ بشراء الكفن وتقبّل العزاء فتصير الوفاة أمراً مسلّماً لا يُراجَع.

نظائر هذه الحادثة في التاريخ

لهذه الظاهرة تاريخ طويل، وقد بلغ الخوف منها في القرن التاسع عشر في أوروبا حداً صار ظاهرة اجتماعية، إذ كانت الوفيات تُقرر بوسائل بسيطة وانتشرت أخبار العثور على جثامين تغيّرت أوضاعها في توابيتها. وقد أدى ذلك إلى نشوء صناعة كاملة من التوابيت المزودة بأجراس وأنابيب تهوية وحبال يشدها المدفون ليُسمع صوته، وسُجّلت في ذلك براءات اختراع عديدة. كما أنشئت في بعض المدن الألمانية بيوت خاصة تُترك فيها الجثامين تحت المراقبة أياماً قبل الدفن، تُربط فيها الأصابع بأجراس، ولم يُعرف أنها التقطت حالة حياة واحدة، لكنها تدل على شدة القلق آنذاك.

وفي العصر الحاضر ما زالت الحالات تتكرر ولو نادراً، ومنها من أُعلنت وفاته في مستشفى ثم تحرك في براد الموتى، ومنها من أُوقف الإنعاش عنه ثم عاد قلبه للعمل بعد دقائق. وأكثر هذه الحالات في العصر الحديث ترتبط بضغط العمل في المستشفيات أو بالتسرع في الإعلان، لا بجهل بالطب.

ماذا نستفيد من هذه الحادثة؟

لا يُقرر الموت إلا بجهة مختصة

أهم درس أن تقرير الوفاة عمل طبي لا عمل عاطفي ولا اجتماعي، ولا بد فيه من طبيب أو جهة مختصة تصدر شهادة وفاة. وفي حالات السقوط المفاجئ من غير مرض معروف يزيد وجوب الفحص، لأن السقوط المفاجئ بغير سابقة مرضية أدعى للشك.

البدء بالإنعاش قبل الاستسلام

ينبغي عند العثور على شخص لا يتنفس أن يُبدأ الإنعاش القلبي الرئوي فوراً ويُطلب الإسعاف، ولا يُترك بحجة أنه مات. فالدقائق الأولى فاصلة، وكثير من الأرواح تُفقد لأن من حولها اكتفى بالنحيب.

عدم استعجال الدفن

تعجيل الدفن مستحسن شرعاً وصحياً، لكنه لا يعني إسقاط التحقق. والقاعدة العملية أن يكون التعجيل بعد ثبوت الوفاة لا قبله، وأن تُترك مدة كافية للفحص، فالخسارة في التأخر ساعات، والخسارة في التسرع لا تُعوّض.

خاتمة

هذه الحادثة، مهما بلغت غرابتها في الرواية، ليست خارقة للعادة بقدر ما هي تحذير من التسرع. فالحياة قد تبقى كامنة في الجسد الساكن، والحكم بالموت أثقل من أن يُبنى على الظاهر وحده. وفي هذه الواقعة نجت السيدة بسبب امرأة مارّة غلبت خوفها وأصرّت على التحقق، وليس في كل مرة تمر امرأة بجانب المقبرة. ولذلك فالعبرة ليست في العجب من الحكاية بل في أن يُنقل تقرير الوفاة من العاطفة إلى الطب.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !