اختبار نسبة التوتر والاضطرابات النفسية

نمط بصري مكون من أربع مجموعات دائرية من النقاط الصفراء ثلاثية المظهر على خلفية أرجوانية توحي بالدوران مع أنها صورة ثابتة

تنتشر بين الناس صورة من نقاط صفراء على خلفية أرجوانية، ويُقال معها إنها صورة ثابتة في الأصل، وأن من رآها ساكنة فهو معتدل لا توتر عنده، ومن رآها تتحرك ببطء فلديه توتر خفيف، ومن رآها تتحرك بسرعة فهو متوتر غير مستقر، ويُختم بأنهم يحتاجونها في علم النفس لقياس نسبة التوتر والاضطرابات النفسية. والحقيقة أن الصورة نفسها ممتعة ومفيدة في بابها، لكن ما رُبط بها من قياس للتوتر لا أساس له في علم النفس، وفي هذا المقال نبين السبب الحقيقي للحركة التي يراها الناظر، وكيف يُقاس التوتر عند المختصين.

ما في الصورة حقيقة

هذا النمط من الصور يُعرف عند الباحثين بوهم الحركة المحيطية، وهو خداع بصري مدروس ومفهوم الأسباب. وقد فحصتُ الصورة فوجدتها أربع مجموعات دائرية من نقاط صفراء مظللة تبدو كروية، مرتبة على خلفية أرجوانية واحدة، وليس فيها نص ولا حركة حقيقية.

لماذا تبدو متحركة

السبب في طريقة عمل العين والدماغ لا في نفسية الناظر. فالعين لا تسكن أبداً، بل تقوم بحركات دقيقة لا إرادية متوالية حتى وأنت تحاول تثبيت نظرك على نقطة واحدة، ومنها رجفة دقيقة مستمرة وقفزات صغيرة جداً. وعندما تقع هذه الحركات على نمط مرسوم بتدرجات متداخلة وتباين عالٍ وترتيب متكرر منتظم، يعجز الدماغ عن المطابقة بين ما يراه قبل القفزة وما يراه بعدها، فيفسر الفرق بأنه حركة في الصورة لا حركة في العين.

دور الرؤية المحيطية

ومما يزيد الأثر أن حدة الإبصار لا تتوزع بالتساوي على مجال الرؤية، فمركز النطقة المركزية دقيق جداً وما حوله أقل دقة لكنه أشد حساسية للحركة. ولهذا تلاحظ أن النقاط التي تنظر إليها مباشرة تسكن، أما التي في أطراف الصورة فتبدو دائرة. وهذه من أوضح الأدلة على أن الأمر بصري محض، فلو كان الأمر متعلقاً بالتوتر لما تغيرت النتيجة بتغيير موضع النظر وحده.

عوامل تغير شدة الوهم

يمكنك أن تختبر هذا بنفسك، فالحركة المتوهمة تزيد وتنقص بعوامل لا صلة لها بالنفس. فإذا قربت وجهك من الشاشة اشتدت الحركة، وإذا أبعدته ضعفت. وإذا كانت إضاءة الغرفة خفيفة زاد الأثر، وإذا سطع النور نقص. وإذا كنت متعباً أو مجهد العين بعد سهر رأيتها أشد دوراناً، لا لأن توترك ارتفع بل لأن ثبات العين ضعف. وإذا نظرت إليها على شاشة صغيرة اختلف الأمر عن الشاشة الكبيرة. فأي مقياس نفسي هذا الذي تتغير نتيجته بتغير المسافة والإضاءة وحجم الشاشة؟

لماذا لا يصح أن يكون مقياساً للتوتر

لكي يُعتد بأي أداة قياس نفسي يجب أن تستوفي شروطاً معروفة، وهذه الصورة لا تستوفي منها شيئاً.

الثبات في النتيجة

الشرط الأول أن يعطي المقياس نتيجة متقاربة إذا أُعيد على الشخص نفسه في ظروف متشابهة. وهذه الصورة لا تفعل، فقد يراها الشخص ساكنة في الصباح ودائرة في المساء، بل قد يراها ساكنة ودائرة في الدقيقة نفسها بحسب موضع نظره. ومقياس تتغير نتيجته في الدقيقة الواحدة ليس مقياساً.

الصدق في القياس

الشرط الثاني أن يقيس ما يدّعي قياسه فعلاً، وذلك يثبت بمقارنة نتائجه بنتائج أدوات معتمدة. ولم تُنشر دراسة واحدة تربط شدة رؤية الحركة في هذه الأنماط بدرجات القلق أو التوتر عند الناس. وإنما ما وجده الباحثون شيء آخر، وهو أن حساسية الشخص لهذا النوع من الأوهام تختلف بحسب عمره وحالة عينه وطبيعة جهازه البصري، وأن بعض الناس لا يرون الحركة أصلاً لأسباب تتعلق بمعالجة الحركة في الدماغ لا بمزاجهم.

خلط بين التوتر والاضطراب

ومن أخطر ما في الرسالة المنتشرة أنها تخلط بين التوتر العابر وهو شعور طبيعي يعرفه كل إنسان، وبين الاضطراب النفسي وهو تشخيص طبي له معايير محددة في المدة والشدة والأثر على الحياة. فالقول لمن رأى الصورة تدور إنه غير مستقر فكرياً كلام لا يقوله مختص، وفيه من الإيهام والإيذاء ما لا يخفى، إذ قد يقرأه شخص حساس فيمضي أسبوعاً يظن أن به مرضاً.

كيف يُقاس التوتر فعلاً

القياس النفسي علم له أدوات مصممة ومختبرة على آلاف الأشخاص، وليس فيه صورة واحدة تكشف حال النفس.

المقاييس المكتوبة

يستعمل المختصون استبانات معروفة تسأل عن أعراض محددة في مدة محددة، مثل مقياس القلق العام ومقياس الضغط المدرك ومقاييس جودة النوم. وهذه الاستبانات لا تُقرأ منفردة، بل تُقرأ في ضوء المقابلة الشخصية والتاريخ الطبي.

المؤشرات الجسدية

وثمة قياسات جسدية تُستعمل في البحث العلمي، منها تغيرات نبض القلب ومقاومة الجلد وتحليل مستوى هرمون الكورتيزول في اللعاب. وهذه أيضاً لا تُفسر وحدها، فارتفاع النبض قد يكون من قهوة شربها الشخص لا من قلق يعانيه.

المقابلة السريرية

وأهم الأدوات كلها المقابلة مع مختص، لأنها الوحيدة القادرة على التمييز بين قلق طبيعي ناتج عن ضغط ظرفي وبين اضطراب يحتاج علاجاً، وعلى استبعاد أسباب جسدية تشبه القلق في أعراضها مثل فرط نشاط الغدة الدرقية أو نقص فيتامين معين أو أثر دواء.

لماذا تنتشر هذه الرسائل

سبب انتشار هذا النوع من المنشورات ظاهر، فهو يجمع بين ثلاثة أمور جاذبة: صورة مثيرة للانتباه، ونتيجة شخصية تخص القارئ وحده، وسهولة الاختبار في ثوان دون جهد. وهي بذلك تشبه ما ينتشر من اختبارات الشخصية والألوان.

علامات تكشف الاختبار غير العلمي

ويستطيع القارئ أن يميز هذا النوع بعلامات: أن يعتمد على صورة أو سؤال واحد، وأن ينتقل من ملاحظة بسيطة إلى تشخيص نفسي مباشرة، وأن يستعمل عبارات فضفاضة مثل غير مستقر فكرياً ليس لها معنى محدد في الطب، وأن يُنسب إلى علم النفس بصيغة مجهولة كقولهم يحتاجونها في علم النفس دون ذكر جامعة ولا باحث ولا دورية.

فائدة الصورة الحقيقية

ليس معنى ما تقدم أن الصورة عديمة النفع، بل هي مفيدة في بابها الصحيح. فأوهام الحركة من أهم الوسائل التي يدرس بها الباحثون كيف يبني الدماغ صورة العالم، وهي تعلمنا درساً بالغ الأهمية وهو أن ما نراه ليس نقلاً أميناً لما هو موجود، وإنما هو تفسير يصنعه الدماغ بحسب ما تعلمه من قبل. ومن هنا كان الشاهد الواحد قد يخطئ في وصف ما رأى وهو صادق غير كاذب. وهذه فائدة أعظم من أن نحوّل الصورة إلى اختبار نفسي مزعوم.

خاتمة

الصورة المنتشرة نمط بصري من نقاط صفراء على خلفية أرجوانية، وهي ثابتة فعلاً كما قيل، لكن سبب رؤية الحركة فيها هو حركات العين الدقيقة اللاإرادية وتفاعلها مع التباين والتدرج في النمط، لا نسبة التوتر عند الناظر. والدليل القاطع على ذلك أن شدة الحركة تتغير بتغير المسافة والإضاءة وحجم الشاشة ومدى تعب العين وموضع النظر، وكلها أمور بصرية لا نفسية. وليس في علم النفس مقياس بهذه الصورة، ولا يصح أن يُبنى على منشور متداول حكم على استقرار إنسان فكرياً. ومن أحسّ في نفسه توتراً يعطل نومه أو عمله فالطريق إلى معرفة حاله مختص يقابله ويسأله، لا صورة على شاشة. أما الصورة فخذها على أنها متعة بصرية ودرس في أن العين لا تنقل الحقيقة كما هي.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !