العثور على بيض ديناصورات في الشيشان

كتلتان صخريتان كرويتان تشبهان البيض الضخم بألوان بيج وبني فاتح بارزتان من منحدر صخري ويقف بجانبهما رجل يرتدي قبعة داكنة وملابس زرقاء ينظر إليهما

أعلن علماء الجيولوجيا في منطقة الشيشان الروسية عن اكتشاف ما اعتقدوا أنه بيض ديناصورات متحجر وضعته الزواحف الضخمة المنقرضة التي كانت تجوب الأرض قبل أكثر من ستين مليون سنة. وقد أحاط الجدل بهذا الإعلان منذ يومه الأول، فبين من رأى فيه كشفاً علمياً نادراً ومن رأى فيه خلطاً بين البيض المتحجر وظاهرة جيولوجية معروفة، وفي هذا المقال نعرض الخبر وملابساته ثم نعرض الموازين العلمية التي يُحكم بها في مثل هذه الاكتشافات.

تفاصيل الاكتشاف

قال سعيد أمين جبريلوف وهو عالم جيولوجي في جامعة الشيشان إنهم وجدوا نحو أربعين بيضة حتى تلك اللحظة، وأن العدد لم يتحدد على وجه الدقة، وأنه يمكن أن يكون هناك الكثير تحت الأرض. وقد كُشف النقاب عن هذا الاكتشاف عندما قام طاقم بناء بنسف منحدر لبناء طريق قرب الحدود في منطقة جورجيا السوفيتية سابقاً في جبال القوقاز.

وذكر جبريلوف أن فريقاً من علماء الجيولوجيا صادف الأشكال البيضاوية الملساء التي تشبه الصخور والتي يتراوح حجمها بين خمسة وعشرين سنتيمتراً ومتر واحد أثناء رحلة إلى المنطقة، وأضاف أن هناك حاجة لعلماء الحفريات لتحديد أي نوع من الديناصورات وضعتها. وأشار إلى أن حكومة الشيشان تدرس تحويل المنطقة إلى محمية طبيعية لجذب السياح.

موقع الاكتشاف وأهميته الجغرافية

تقع الشيشان في منطقة شمال القوقاز، وهي منطقة جبلية معقدة التكوين تشكلت عبر حركات تكتونية طويلة أدت إلى رفع طبقات رسوبية قديمة كانت مغمورة تحت البحار. ومن أجل هذا تُعد منطقة القوقاز بيئة غنية بالأحافير البحرية من أصداف وعمالق ورأسيات أرجل، وهو ما يجعل الباحثين يتوقعون فيها المفاجآت بين حين وآخر.

ومن اللافت أن كثيراً من الاكتشافات الأحفورية في العالم جاءت بالمصادفة أثناء أعمال الإنشاء والتعدين وشق الطرق، لا أثناء الحفر المنهجي المخطط له. فنسف منحدر واحد قد يكشف مقطعاً صخرياً ما كان ليراه أحد لولا ذلك، ولهذا تحرص كثير من الدول على إلزام مقاولي المشاريع الكبرى بالتوقف وإبلاغ الجهات المعنية إذا عثروا على ما يشتبه في أنه أحفورة أو أثر قديم.

كيف يتحجر بيض الديناصورات

لا يتحول كل بيض إلى أحفورة، بل إن التحجر حالة استثنائية تتطلب شروطاً دقيقة يقل احتمال توافرها. فالأصل في البيضة أن تتفتت قشرتها وتتحلل بقاياها في وقت قصير، ولذلك فإن ما وصل إلينا من بيض الزواحف القديمة قليل جداً بالنسبة إلى ما وضعته تلك الكائنات على مدى ملايين السنين.

شروط الحفظ

يحتاج تحجر البيض إلى أن يُدفن سريعاً تحت طبقة من الرمل أو الطين قبل أن تعبث به العوامل الجوية أو تأكله الحيوانات، وأن يكون الوسط المحيط قليل الأكسجين حتى تتباطأ عمليات التحلل. ثم تتسرب المياه المحمّلة بالمعادن إلى داخل القشرة والفراغات، فتترسب فيها معادن مثل الكالسيت والسيليكا، فتحل مكان المواد الأصلية شيئاً فشيئاً حتى تصير البيضة كتلة حجرية تحفظ شكلها الخارجي وبعض تفاصيل بنيتها الدقيقة.

ما يمكن أن يعرفه العلماء من البيض المتحجر

البيض المتحجر ليس مجرد شكل جميل، بل هو وثيقة علمية تحمل معلومات لا تتوفر في الهياكل العظمية. فمن سماكة القشرة وتوزيع المسام فيها يستدل الباحثون على طبيعة البيئة التي وُضع فيها البيض ودرجة رطوبتها، ومن ترتيب البيض في العش يستدلون على سلوك التعشيش عند ذلك النوع وهل كان يحتضن بيضه أم يتركه لحرارة الأرض. وإذا حُفظت داخل البيضة عظام جنين لم يخرج فذلك من أنفس ما يمكن أن يجده عالم الحفريات، إذ يمكّنه من دراسة مراحل النمو الأولى.

الفرض الآخر: العُقيدات الصخرية

الصور المنشورة عن هذا الاكتشاف دفعت عدداً من الباحثين إلى الترجيح بأن ما وُجد في الشيشان ليس بيض ديناصورات، وإنما هو ظاهرة جيولوجية معروفة تُسمى العُقيدات الصخرية. وهذه العُقيدات كتل صلبة مستديرة تتكون داخل الطبقات الرسوبية حين تترسب المعادن حول نواة صغيرة كقطعة صدفة أو حبة رمل، فتنمو حولها في شكل كروي متمركز على مدى زمن طويل، ثم تظهر بارزة من المنحدر بعد أن تجرف التعرية الصخر الأضعف المحيط بها.

لماذا يشتبه الأمر على غير المتخصص

الشبه بين العُقيدة والبيضة المتحجرة قوي في الظاهر، فكلتاهما مستديرة أو بيضاوية، ملساء السطح، لونها قريب من لون الصخر، وتظهر بارزة من الطبقة الحاوية لها. ولهذا تكررت في مواضع من العالم أخبار عن العثور على بيض ديناصورات ثم تبين بعد الفحص أنها عُقيدات، ومن أشهر أمثلتها كرات حجرية في نيوزيلندا وأخرى في أمريكا الشمالية وأخرى في بعض المناطق الصحراوية.

الفروق التي يعتمد عليها المتخصصون

يفرق علماء الحفريات بين الحالتين بعدة موازين. أولها فحص المقطع الرقيق تحت المجهر، فقشرة البيض الحقيقية لها بنية بلورية طبقية مميزة تختلف تمام الاختلاف عن البنية المتمركزة للعُقيدة. وثانيها وجود قشرة رقيقة محددة تفصل الداخل عن الخارج، فالبيضة لها قشرة أما العُقيدة فهي صلبة متجانسة إلى مركزها. وثالثها الحجم، فأكبر بيض الديناصورات المعروف لا يزيد قطره على نحو ثلاثين إلى أربعين سنتيمتراً، ووجود كتل يبلغ قطرها متراً كاملاً يبعد احتمال أن تكون بيضاً بعداً شديداً. ورابعها الترتيب المكاني، فالبيض يوضع في أعشاش لها نظام معروف، أما العُقيدات فتتوزع في الطبقة الرسوبية توزعاً عشوائياً على مستوى واحد.

الفرق بين الخبر الأولي والحقيقة العلمية

هذه الحادثة تصلح مثالاً تعليمياً على الفرق بين الإعلان الأولي والنتيجة المؤكدة. فالباحث الميداني قد يرى ظاهرة فيصفها بأقرب ما يشبهها في ذهنه، وهذا مقبول في مرحلة الرصد الأولى، لكن الحكم لا يستقر إلا بعد الفحص المخبري ومراجعة المتخصصين ونشر النتيجة في دورية علمية محكّمة. وبين هاتين المرحلتين تنقل الصحافة الخبر بصيغة الجزم فيستقر في أذهان الناس ولو تبين خلافه بعد ذلك.

كيف يقرأ القارئ أخبار الاكتشافات

يحسن بالقارئ أن ينظر في ثلاثة أمور قبل أن يجزم بصحة خبر من هذا النوع. أولها هل صدر التصريح عن متخصص في المجال المعني بالذات، فعالم الجيولوجيا ليس بالضرورة متخصصاً في الأحافير الحيوانية، وهو ما أشار إليه الباحث نفسه حين قال إن الأمر يحتاج إلى علماء حفريات. وثانيها هل أُخضعت المادة لفحص مخبري أو بقي الأمر على الوصف الظاهري. وثالثها هل نُشرت النتيجة في مصدر علمي محكّم أم بقيت في نطاق التصريحات الصحفية.

البعد الاقتصادي والسياحي

ذكر الخبر أن حكومة الشيشان تدرس تحويل المنطقة إلى محمية طبيعية لجذب السياح، وهذا التوجه معروف في كثير من دول العالم، إذ صارت المواقع الأحفورية مقصداً سياحياً وتعليمياً يدر عائداً على المجتمعات المحلية ويوفر فرص عمل لأبنائها. وفي المقابل فإن جعل الموقع مقصداً للزوار قبل استكمال دراسته يحمل خطراً على المادة العلمية نفسها، إذ قد تُنقل الأحجار أو تُخدش أو تُهرّب قطع منها قبل أن يفحصها الباحثون.

والأسلوب المتبع في المواقع المدارة جيداً هو التوفيق بين الأمرين، فيُحاط الموقع بسياج ويُنظم دخول الزوار في مسارات محددة مع مرشدين، وتُعرض نماذج مصنوعة بدل الأصلية في بعض المواضع، وتبقى القطع النفيسة في مختبرات ومتاحف مجهزة. وبهذا يُصان العلم ويُتاح للناس أن يروا ويتعلموا.

خاتمة

خبر العثور على ما يُعتقد أنه بيض ديناصورات في الشيشان أثار اهتماماً واسعاً، وقد أعلن عالم الجيولوجيا سعيد أمين جبريلوف أن الفريق وجد نحو أربعين وحدة تتراوح أحجامها بين خمسة وعشرين سنتيمتراً ومتر كامل، وذلك بعد أن كشف نسف منحدر لبناء طريق عن الطبقة الحاوية لها. وقد أشار الباحث نفسه إلى الحاجة لعلماء الحفريات لتحديد النوع، وهو ما يعني أن الأمر لم يكن قد استقر على نتيجة نهائية. ويظل الاحتمال الأقوى في نظر عدد من المتخصصين أن هذه الكتل عُقيدات صخرية تكونت بترسب المعادن حول نوى صغيرة، لا بيضاً متحجراً، لكبر أحجامها ولانعدام بنية القشرة المميزة فيها. وفي كل الأحوال يبقى الموقع جديراً بالدراسة، ويبقى الدرس المستفاد أن الفصل في مثل هذه المسائل لأهل الاختصاص وللمجهر والمختبر، لا للشبه الظاهري وحده.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !