الشجرة التي يُستخرج منها الأسبرين – الصفصاف

شجرة صفصاف باسقة متدلية الأغصان تنمو في مرج عشبي مفتوح

هناك شجرة تمشي قربها كل يوم ولا تلتفت إليها، أغصانها متدلية كأنها تبكي، وأوراقها رقيقة طويلة ترتجف مع أول نسمة. اسمها الصفصاف. ومن لحاء هذه الشجرة الوديعة خرج أشهر دواء عرفته البشرية، الدواء الذي يوجد في كل بيت وفي كل حقيبة سفر وفي كل صيدلية على وجه الأرض: الأسبرين.

حكاية هذه الشجرة مع الألم البشري حكاية طويلة، عمرها أكثر من ألفين وأربعمائة عام، تبدأ بطبيب يوناني يمضغ ورقة، وتنتهي بمصانع تنتج عشرات آلاف الأطنان سنوياً. هذه هي القصة كاملة.

حين مضغ أبقراط ورقة الصفصاف

في نحو عام أربعمائة قبل الميلاد، كان الطبيب اليوناني أبقراط، الذي يُلقَّب بأبي الطب، يبحث في النبات عمّا يخفف أوجاع مرضاه. ولم تكن أدواته سوى الملاحظة والتجربة والصبر.

لاحظ أبقراط أن من يمضغ لحاء شجرة الصفصاف أو أوراقها يشعر بانخفاض في الألم، وأن الحرارة المرتفعة تهدأ بعد ذلك. فسجّل ملاحظته في كتاباته الطبية، ونصح النساء في المخاض بمضغ لحاء الصفصاف لتسكين آلامهن، ووصفه كذلك لمن يعاني من الحُمّى.

ملاحظة سبقت الكيمياء بقرون

لم يكن أبقراط يعرف شيئاً عن المادة الفعّالة الكامنة في اللحاء، ولا عن تركيبها، ولا كيف تعمل داخل الجسم. كل ما كان يملكه هو نتيجة عملية: هذا اللحاء يسكّن الألم. وهذه في الحقيقة قيمة الملاحظة العلمية الأولى، أن تسجّل الظاهرة بدقة حتى يأتي من يفسّرها.

وقد ظلت وصفة الصفصاف تنتقل بين الشعوب أجيالاً متعاقبة. استخدمها المصريون القدماء، وذكرها الأطباء العرب في مؤلفاتهم في معالجة الحُمّى والأوجاع، وتوارثها الطب الشعبي في أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية، حيث كانت قبائل عديدة تغلي اللحاء وتشرب منقوعه للأوجاع والرشح.

رسم نباتي قديم يوضح أغصان الصفصاف الأبيض وأوراقه الرقيقة الطويلة وأزهاره

ما الذي يخفيه لحاء الصفصاف؟

مرت قرون طويلة قبل أن يُعرف السر. في القرن التاسع عشر توصل الكيميائيون إلى استخلاص المادة المسؤولة عن هذا الأثر، وأطلقوا عليها اسماً مشتقاً من الاسم العلمي لشجرة الصفصاف. هذه المادة يحوّلها الجسم بعد امتصاصها إلى حمض هو المسكّن الحقيقي للألم.

مشكلة الدواء الخام

كان لمنقوع اللحاء وللمادة المستخلَصة منه عيبان أزعجا الأطباء كثيراً. الأول أن مذاقهما شديد المرارة، والثاني وهو الأخطر أنهما يهيّجان المعدة تهيّجاً بالغاً، حتى إن بعض المرضى كانوا يفضّلون الاحتفاظ بألمهم على تحمّل ما يصيب معدتهم. فصار السؤال المطروح أمام الكيميائيين: كيف نحتفظ بالفائدة ونتخلص من الأذى؟

الحل: تعديل صغير في التركيب

الجواب جاء من فكرة كيميائية أنيقة، وهي إضافة مجموعة كيميائية صغيرة إلى الحمض الأصلي، فينتج مركّب ألطف على المعدة يحتفظ بقدرته على تسكين الألم وتخفيض الحرارة. هذا المركّب الجديد هو ما نعرفه اليوم باسم الأسبرين.

فيليكس هوفمان وحبة غيّرت الطب

في عام ألف وثمانمائة وسبعة وتسعين، نجح الكيميائي الألماني فيليكس هوفمان، الذي كان يعمل في شركة أدوية ألمانية، في تحضير هذا المركّب بصورة نقية وثابتة تصلح للإنتاج والتداول. وتقول الحكاية المتداولة إن دافعه الشخصي كان والده المصاب بالتهاب المفاصل، الذي لم يكن يتحمّل الدواء القديم المهيّج للمعدة.

وبعد سنتين من ذلك، طُرح الدواء في الأسواق تحت اسمه التجاري المعروف، أولاً في صورة مسحوق، ثم في صورة أقراص. وكانت تلك من أوائل المرات التي يُصنع فيها دواء في هيئة قرص جاهز محدّد الجرعة، وهو تحوّل مهم في تاريخ الصناعة الدوائية.

ملاحظة على النص المتداول

يُقال في كثير من المنشورات إن الأسبرين مستخرج من أوراق الصفصاف. والأدقّ أن المصدر التاريخي كان اللحاء أكثر من الأوراق، وأن الأسبرين نفسه اليوم لا يُستخرج من الشجرة أصلاً، بل يُحضَّر تحضيراً كيميائياً كاملاً في المعامل. الشجرة كانت الدليل والمُلهم، لا المصنع.

كيف يعمل الأسبرين داخل الجسم؟

عندما يتعرض نسيج من أنسجة الجسم للإصابة أو الالتهاب، تنشط فيه إنزيمات تنتج مواد تسمى البروستاجلاندينات، وهي التي ترفع درجة الحرارة وتزيد حساسية النهايات العصبية للألم وتوسّع الأوعية فيظهر الاحمرار والتورّم.

تعطيل مصنع الألم

يعمل الأسبرين على تثبيط هذه الإنزيمات تثبيطاً دائماً، فيقلّ إنتاج تلك المواد، فينخفض الألم وتهبط الحرارة ويخفّ الالتهاب. أي أنه لا يخدّر الإحساس كما تفعل بعض المسكّنات القوية، بل يوقف الرسالة الكيميائية من منشئها.

الأثر على الصفائح الدموية

وللأسبرين أثر آخر لم يكن مقصوداً في البداية، وهو أنه يقلّل قدرة الصفائح الدموية على الالتصاق بعضها ببعض. وهذا الأثر يستمر طوال عمر الصفيحة، أي نحو أسبوع، لأن الصفيحة لا تستطيع تعويض الإنزيم المعطَّل. وبسبب هذه الخصوصية تحوّل الأسبرين من مسكّن إلى دواء وقائي للقلب والشرايين.

من مسكّن للصداع إلى حارس للقلب

في العقود الأخيرة أصبح الاستخدام الأشهر للأسبرين ليس تسكين الصداع، بل الجرعة الصغيرة اليومية التي يوصي بها الأطباء لبعض المرضى لتقليل خطر تكوّن الجلطات في شرايين القلب والدماغ.

الوقاية من التخثّر

الجلطة في كثير من الحالات تبدأ بتجمّع الصفائح الدموية على جدار شريان متضرّر، ثم يكبر التجمّع حتى يسدّ الشريان فيحدث ما يحدث. وبتقليل ميل الصفائح إلى التجمّع، يقلّ احتمال هذا السدّ. ولهذا يُعطى الأسبرين على الفور لمن يُشتبه في إصابته بجلطة قلبية، لأن دقائق التأخير قد تكون فاصلة.

وما يُقال عن سرطان القولون

هناك بحوث كثيرة، وبعضها طويل المدى، تشير إلى أن الاستخدام المنتظم للأسبرين قد يرتبط بانخفاض في احتمال الإصابة بسرطان القولون والمستقيم، وهو مجال بحثي نشط ومثير للاهتمام. لكن المهم أن يُفهم هذا في حجمه الصحيح: النتائج مبشّرة وليست قاطعة، ولا يُوصى بتناول الأسبرين لهذا الغرض من تلقاء النفس، بل يبقى القرار للطبيب الذي يوازن بين الفائدة المحتملة واحتمال حدوث نزيف في الجهاز الهضمي.

خمسون ألف طن كل عام

يُقدَّر الإنتاج العالمي من الأسبرين بنحو خمسين ألف طن سنوياً، أي عشرات المليارات من الأقراص. وهذا الرقم وحده يكفي لتفسير موقع هذا الدواء في قائمة الأدوية الأساسية التي توصي منظمة الصحة العالمية بتوافرها في كل نظام صحي.

سر الانتشار

سبب هذا الانتشار الواسع مركّب من عدة عوامل: تحضيره الكيميائي بسيط ورخيص، وثباته على الرفّ طويل، وفوائده متعددة الأوجه، وسجلّه السريري ممتدّ لأكثر من مئة وعشرين عاماً، فصار من أكثر الأدوية التي درسها الإنسان ووثّق آثارها.

تنبيهات لا بد منها

ومع كل هذا لا يخلو الأسبرين من محاذير. فهو قد يسبّب تهيّج المعدة والقرحة والنزيف عند بعض الناس، ولا يُعطى للأطفال والمراهقين عند الحمّى أو النزلات الفيروسية لارتباطه بحالة نادرة لكنها خطيرة تصيب الكبد والدماغ، ويجب الحذر عند تناوله مع مضادات التخثر الأخرى. الخلاصة أن كونه متاحاً بلا وصفة لا يعني أنه بلا أثر، وسؤال الطبيب أو الصيدلي هو الطريق الآمن.

شجرة كثيفة الأوراق تتوسط حقلاً واسعاً مكسواً بالزهور الصفراء تحت سماء صافية

عبرة الشجرة

قصة الصفصاف والأسبرين تختصر طريق العلم كله: ملاحظة عابرة عند طبيب قديم، ثم توارث شعبي استمر قروناً، ثم استخلاص كيميائي، ثم تعديل ذكي في التركيب، ثم صناعة عالمية، ثم اكتشاف فوائد لم تكن في حسبان أحد.

وفيها أيضاً درس آخر، أن كنوز الطبيعة لا تعلن عن نفسها. الشجرة التي كانت تنمو على ضفاف الأنهار بلا اهتمام كانت تحمل في لحائها ما يخفّف أوجاع البشرية. ولعلّ حول كل واحد منا اليوم نباتات لم يُفحص محتواها بعد، تنتظر من يلاحظ ويسأل ويجرّب. وهذا وحده سبب كافٍ للحفاظ على ما تبقى من غابات الأرض ونباتاتها، فمن يعرف أيّ دواء ينام في ورقة ما زلنا نمرّ بها دون التفات.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !