.jpg)
لو سألت مزارعاً عن أكره ما يراه على أوراق محصوله، لذكر لك تلك الحبيبات الخضراء المتراصة على السويقات الغضة وأسفل الأوراق. حشرة لا يزيد طولها على ملليمترين، لا تقرض ولا تقطع، ومع ذلك تُعدُّ من أخطر ما يصيب المحاصيل في العالم. ولها مع النمل حكاية من أغرب ما يُروى في علم الحشرات.
ما هي حشرة المن؟
المن حشرات صغيرة رقيقة الجسم، تنتمي إلى رتبة متساوية الأجنحة، وتتغذى بمص عصارة النباتات. وليست المن نوعاً واحداً كما يُفهم أحياناً، بل هي عائلة واسعة تضم ألوفاً من الأنواع الموصوفة، منها من يتخصص في نبات واحد لا يتجاوزه، ومنها من يأكل من مئات النباتات.
الشكل والألوان
وألوانها مختلفة: خضراء وسوداء وصفراء ووردية ورمادية، وقد يتغير لون النوع الواحد باختلاف النبات الذي تأكل منه أو فصل السنة. وجسمها رقيق كأنه قطرة منتفخة، ولها قرون استشعار طويلة وأرجل دقيقة.
أنبوب المص
وأداتها في الأكل خرطوم دقيق جداً تغرزه في النسيج النباتي حتى تصل إلى أوعية اللحاء، وهي الأنابيب التي ينقل النبات فيها عصارته السكرية من الأوراق إلى بقية أجزائه. ولأن السائل في هذه الأنابيب مضغوط، فإن الحشرة لا تحتاج أن تمتص بجهد، بل يدفع النبات إليها غذاءه دفعاً.
لماذا تفرز المنّ سائلاً سكرياً؟
هنا يقع سرّ القصة كلها. فعصارة اللحاء غنية بالسكر فقيرة بالبروتين، والحشرة تحتاج البروتين لتنمو. فتجد نفسها مضطرة إلى شرب كميات هائلة من العصارة لتحصل على قدر يسير من البروتين.
فضلة لا هدية
وما زاد من السكر لا فائدة لها فيه، فتطرحه من مؤخرتها في صورة قطرات لزجة تسمى الندوة العسلية. أي أن هذا السائل الذي يتلذذ به النمل ليس عطاءً تجود به الحشرة، بل فضلة تتخلص منها. وهذا يفسّر غزارته: هي لا تدّخره لأنها لا تنفع به.
العسل الأسود على الأوراق
وهذه الندوة إذا تراكمت على الأوراق صارت طبقة لزجة تنمو عليها فطريات سوداء تسمى العفن الهبابي، فتحجب الضوء عن الورقة وتعطل التمثيل الضوئي. ولهذا يشكو أصحاب السيارات المتوقفة تحت الأشجار المصابة من قطرات لاصقة تتساقط على أسطح سياراتهم، ولا يدرون أن مصدرها هذه الحشرات.
المنّ والنمل: علاقة الرعي
ولأن هذا السائل غذاء غنيّ سهل المنال، فقد نشأت بين المنّ وبعض أنواع النمل علاقة يسمّيها العلماء علاقة تبادل المنفعة، ويسميها العامة على وجه التقريب حَلْب المنّ ورعْيه.
ماذا يفعل النمل؟
فالنمل يحمي مستعمرات المنّ من أعدائها، ويطارد الدعسوقة وأسد المنّ إذا اقتربا، وينقل الأفراد على أرجله من نبات جفّ إلى نبات غضّ، وقد يبني حولها ملاجئ من التراب. وفي المقابل يحصل على السائل السكري، ويطلبه من الحشرة بأن يلمس بطنها وظهرها بقرون استشعاره لمساً لطيفاً فتُقطر له. وقد ثبت كذلك أن بعض أنواع النمل تنقل بيض المنّ إلى داخل عشّها في الشتاء وتحفظه من البرد حتى يفقس في الربيع.
تصحيح ما يشيع في هذا الباب
وقد شاع في كثير من المقالات أن النمل يُعمي حشرة المنّ بحبسها في الظلام حتى تفقد بصرها فلا تستطيع الهرب. وهذا مما لا يثبت في المراجع العلمية. فالمنّ لا يفقد بصره بالحبس في الظلام، ولا حاجة إلى ذلك أصلاً، لأن حشرة تعيش عمرها ملتصقة بساق نبات تمصّه لا تحتاج بصراً حاداً ولا تنوي الرحيل.
ما الذي يفعله النمل فعلاً؟
لكن للحقيقة العلمية وجهاً أطرف من الأسطورة. فقد وجد الباحثون أن بعض أنواع النمل يمنع المنّ من الطيران، لا بإعمائه بل بقرض أجنحته أو بمواد كيميائية يفرزها من أقدامه تُهدّئ الحشرة وتُبطئ حركتها فتلزم مكانها. وثبت كذلك أن وجود النمل يقلل نسبة الأفراد المجنّحة في المستعمرة. فالنتيجة قريبة مما تحكيه الأسطورة، أما الوسيلة فمختلفة.
مسألة العدد
وأما ما يُذكر من أن الحشرة الواحدة تفرز ثمانياً وأربعين قطرة في اليوم، وأن ذلك يزيد مئة ضعف على ما تنتجه البقرة قياساً بالحجم، فهو رقم يتردد في كتب التبسيط ولا يُسنَد إلى دراسة معروفة. والثابت المقيس أن غزارة الإفراز عالية جداً بالنسبة لحجم الحشرة، وأن مستعمرة كبيرة على شجرة واحدة قد تُنزل كميات ملحوظة من الندوة العسلية في اليوم. وهذا يكفي في تصوير المعنى دون حاجة إلى رقم لا يُعرف أصله.
تكاثر غريب لا يحتاج ذكوراً
ومن أعجب ما في هذه الحشرة طريقة تكاثرها، وهي السبب الحقيقي في خطرها الزراعي.
ولادة بلا تلقيح
فالمنّ في الربيع والصيف يتكاثر بالتولد البِكري، أي أن الأنثى تُنجب دون أن يلقّحها ذكر، والمواليد كلها إناث نسخ من أمها. وهي لا تبيض في هذا الفصل بل تلد صغاراً أحياء، فيبدأ الوليد الأكل والنمو فوراً.
حشرة داخل حشرة
وأدهش من ذلك أن الأنثى تحمل داخلها بنتاً حاملة بحفيدتها في الوقت نفسه، فتكون الأجيال الثلاثة متداخلة في جسم واحد. ولهذا تستطيع مستعمرة واحدة أن تتضاعف في أيام قليلة، وأن تكسو ساقاً نضراً في أسبوع.
الخريف وعودة الذكور
وفي الخريف حين يقصر النهار ويبرد الجو، ينتج الجيل ذكوراً وإناثاً تتلاقح فتضع بيضاً يقاوم البرد ويقضي الشتاء ساكناً على أغصان الشجر أو في تربة الجذور، ثم يفقس في الربيع فتبدأ الدورة من جديد.
الضرر الذي تحدثه
وضرر المنّ ليس في مقدار ما تأخذه من عصارة فحسب، بل في ثلاثة أوجه مجتمعة.
استنزاف النبات
فأولها المصّ المتصل، فتضعف النبتة ويصفرّ ورقها ويتجعّد ويتقزّم نموّها، وقد تتشوّه الأوراق الحديثة وتنطوي على نفسها.
نقل الأمراض
وثانيها وهو الأخطر أن المنّ من أشهر نواقل الأمراض الفيروسية في النبات. فهي تنقل الفيروس من نبتة مريضة إلى أخرى سليمة بخرطومها كما تنقل الحقنة الملوثة المرض. وقد يكون الضرر الفيروسي أضعاف ضرر المصّ نفسه، لأن النبتة المصابة بالفيروس لا شفاء لها.
الندوة والعفن
وثالثها تلك الطبقة اللزجة وما ينمو عليها من عفن أسود يخفض جودة المحصول ويسوّد الثمار والأوراق.
ما النباتات التي تصيبها؟
وتصيب المنّ طائفة واسعة من المزروعات: أشجار الفاكهة كالتفاح والخوخ والحمضيات والرمان، والمحاصيل الحقلية كفول الصويا والقمح والقطن، والبقول والخضروات كالفلفل والباذنجان والبطاطس، وأشجار الزينة والورد. ولكل نبات تقريباً نوع من المنّ يفضّله.
أعداؤها الطبيعيون ووسائل المكافحة
ولها في الطبيعة أعداء كثيرون، وأشهرهم الدعسوقة التي تأكل أعداداً كبيرة منها في يومها، ويرقات أسد المنّ، ويرقات ذباب الأزهار، وزنابير طفيلية دقيقة تضع بيضها داخل جسم الحشرة فتقتلها من داخلها وتُخرج منها هيكلاً منتفخاً متصلباً.
مكافحة بغير سموم
ولهذا تعتمد المكافحة الحديثة على إطلاق هذه الأعداء الطبيعية في البيوت المحمية، وعلى الرشّ بالماء القوي أو الماء والصابون الزراعي لإسقاط الحشرات عن الأوراق، وعلى إزالة الأعشاب المحيطة التي تكون ملجأً لها. ومكافحة النمل نفسه في الحقل تُضعف مستعمرات المنّ لأنها تفقد حاميها.
مشكلة المبيدات
وأما المبيدات الحشرية فتقتل مع المنّ أعداءها الطبيعية، فيعود المنّ بعد أسبوعين إلى حقل خالٍ من الدعسوقة، فيكون الوضع أسوأ من قبل الرشّ. ولذلك ينصح المتخصصون بالاعتماد على المكافحة المتكاملة لا على الرشّ وحده.
خاتمة
حشرة لا ترى بالعين إلا بجهد، لا تعضّ ولا تلسع، ومع ذلك اجتمع فيها ما يجعلها من أعقد ما يواجه المزارع: تكاثر لا يحتاج ذكوراً، وقدرة على نقل الأمراض، وحلفاء من النمل يحمونها ويرعونها. وفي قصتها درس متكرر في علم الأحياء: أن الصغر لا يعني الضعف، وأن أقوى ما في كائن ما قد يكون طريقة تكاثره لا سلاحه.