محمية ضانا الطبيعية
التعريف بمحمية ضانا
محمية ضانا للمحيط الحيوي هي أكبر محمية طبيعية في الأردن وأحد أهم المناطق المحمية على مستوى العالم العربي. أُنشئت عام 1989 وتديرها الجمعية الملكية لحماية الطبيعة (RSCN)، وتغطّي مساحة تقارب 292 كم² من التضاريس الجبلية الوعرة الممتدة على حافة حفرة الانهدام (وادي الأردن). وفي عام 1998 أدرجتها منظمة اليونسكو ضمن شبكة محميات المحيط الحيوي العالمية تقديراً لقيمتها البيئية والعلمية الاستثنائية. كما مُنحت المحمية وسام اليوبيل الفضي من جلالة الملك عبدالله الثاني عام 2024 تكريماً لدورها الرائد في حماية التنوع الحيوي وتعزيز التنمية المستدامة.
تمتد المحمية من هضبة القادسية على ارتفاع يقارب 1500 متر فوق سطح البحر وصولاً إلى منخفضات وادي عربة التي تقع تحت مستوى سطح البحر مما يخلق تدرّجاً مناخياً وبيئياً فريداً يجعلها المحمية الوحيدة في الأردن التي تضم الأقاليم الحيوية الجغرافية الأربعة: إقليم البحر الأبيض المتوسط والإقليم الإيراني الطوراني وإقليم الصحراء العربية والإقليم السوداني. وهذا التنوع الاستثنائي يجعل ضانا أشبه ببوتقة حيوية تلتقي فيها أجناس من أوروبا وأفريقيا وآسيا.
الموقع الجغرافي والتضاريس
تقع محمية ضانا في محافظة الطفيلة جنوب غرب الأردن على امتداد حفرة الانهدام العظيم (الصدع الأفريقي العظيم). تتخلل جبال المحمية شبكة من الأودية العميقة التي تُشكّل ملامحها الطبيعية الفريدة أهمها:
- وادي ضانا: أطول الأودية وأكثرها شهرة يمتد من قرية ضانا إلى منطقة فينان ويُعدّ من أجمل مسارات المشي في الأردن.
- وادي غوير: وادٍ سحيق يجري فيه جدول مائي بين جدران صخرية شاهقة تتخللها برك طبيعية.
- وادي الدثنة: وادٍ ذو مسار شديد الانحدار يمرّ بواحة وادي الحمرا.
- شق الكلب: تكوين صخري استثنائي من الحجر الرملي يمرّ عبره مسار الكهوف.
يتراوح الارتفاع في المحمية من نحو −100 متر تحت سطح البحر في منخفضات وادي عربة إلى أكثر من 1500 متر فوق سطح البحر على هضبة القادسية وهو تدرّج يخلق تنوعاً مناخياً ونباتياً يندر وجوده في منطقة واحدة بهذا الحجم.
الجيولوجيا والتكوينات الصخرية
تتميّز محمية ضانا بتنوع جيولوجي كبير يشمل الحجر الجيري والحجر الرملي والصخور الجرانيتية إضافة إلى تكوينات من الصوان والبازلت. وتُعدّ منطقة ضانا من أقدم التكوينات الجيولوجية في الأردن حيث تضم صخوراً من العصر ما قبل الكمبري تُعرف بالجرانيتات الضناوية (Dana Horst) التي يزيد عمرها على 600 مليون سنة.
تروي الطبقات الصخرية المتعاقبة في جروف المحمية تاريخاً جيولوجياً يمتد ملايين السنين: من الصخور الجرانيتية القاعدية القديمة صعوداً إلى طبقات الحجر الرملي الناصع الذي نحتته الرياح والمياه على مر العصور ثم طبقات الحجر الجيري التي تُشكّل القمم والأطراف العليا. وقد كشفت عوامل التعرية عن مقاطع صخرية مذهلة الألوان تتدرّج بين الأحمر والبرتقالي والأبيض والأصفر تمنح المشهد جمالاً بصرياً آسراً.
الأقاليم الحيوية الأربعة في ضانا
بفضل تدرجها الارتفاعي الفريد تحتضن محمية ضانا الأقاليم الحيوية الجغرافية الأربعة المتواجدة في الأردن وهو ما لا يتوفر في أي محمية أخرى:
إقليم البحر الأبيض المتوسط
يُمثَّل في المناطق المرتفعة فوق 1000 متر ويتميز بمناخ معتدل رطب شتاءً وحار جاف صيفاً. تنتشر فيه غابات العرعر والبلوط دائم الخضرة والسرو ويُعدّ موئل آخر تجمّعات أشجار السرو الطبيعية المتبقية في الأردن.
الإقليم الإيراني الطوراني
يشغل المنحدرات المتوسطة بين 500 و1000 متر ويسوده مناخ شبه جاف. تنتشر فيه الأعشاب والشجيرات المتنوعة بما فيها أنواع من الإثل والقيقب والبطم ويحتضن تنوعاً ملحوظاً من الطيور والزواحف.
إقليم الصحراء العربية
يُمثَّل في المناطق المنخفضة شبه الجافة ويتميز بنباتات الكثبان الرملية والأكاسيا والشيح والرمث. تكثر فيه الزواحف والحشرات المتكيّفة مع الجفاف الشديد.
الإقليم السوداني
يظهر في الأودية العميقة ومنخفضات وادي عربة حيث ترتفع درجات الحرارة وتنخفض الرطوبة. تنتشر فيه نباتات السدر والطلح والعوسج ويُعدّ موطناً لعدة أنواع من الحيوانات الإفريقية الأصل.
النباتات في محمية ضانا
تحتضن محمية ضانا أكثر من 891 نوعاً نباتياً أي ما يقارب ثلث نباتات الأردن بأكمله وهو رقم مذهل بالنسبة إلى مساحة المحمية. ومن أبرز ما يُميّز ثروتها النباتية:
- ثلاثة أنواع جديدة للعلم لا توجد في أي مكان آخر على وجه الأرض وتحمل اسم "ضانا" في تسميتها اللاتينية تقديراً لاكتشافها في المحمية.
- 16 نوعاً نادراً على المستوى العالمي معرّضة لخطر الانقراض.
- 93 نوعاً نادراً على المستوى الوطني محصورة في الأردن أو نادرة التواجد فيه.
- 8 أنواع متوطنة لا توجد إلا في الأردن.
- 75 نوعاً محصوراً في منطقة الشوبك مما يدلّ على الخصوصية النباتية للمنطقة.
- 67 نوعاً ذا أهمية غذائية أو طبية أو بيئية تستخدمها المجتمعات المحلية.
ومن أبرز الأنماط النباتية: غابات العرعر والبلوط دائم الخضرة على المرتفعات وأشجار السرو المعمّرة التي تُمثّل أقدم وأكبر تجمّع طبيعي معروف في الأردن ثم الأكاسيا والسدر في الأودية السفلى والنباتات الصحراوية كالشيح والرمث في السهول القاحلة.
الحياة البرية في محمية ضانا
الطيور
سُجّل في محمية ضانا نحو 250 نوعاً من الطيور أي ما يعادل نصف طيور الأردن تقريباً. وتضم المحمية أنواعاً مهددة عالمياً أهمها النعار السوري (Serinus syriacus) الذي تُعدّ ضانا من أفضل الأماكن في العالم لدعم تواجده وتكاثره والعوسق (Falco naumanni) وكلاهما مصنّف على القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحماية الطبيعة. ومن أنواع الطيور المهددة محلياً الرخمة المصرية إضافة إلى أنواع عديدة من الجوارح والشحرور والعصافير واليمام والقمري.
الثدييات
تضم المحمية 39 نوعاً من الثدييات أي نحو نصف ثدييات الأردن ومن أبرزها:
- الوعل النوبي (Capra nubiana): من الحيوانات المهددة عالمياً التي أُعيد إدخالها إلى المحمية وتتكاثر بنجاح في جروفها الصخرية.
- الوشق (Caracal): قط بري متوسط الحجم ذو أذنين مروحيتين يُعدّ من أندر الثدييات في الأردن.
- قط الرمال (Felis margarita): من أنمر القطط البرية يتوطن الصحارى ومهدد بسبب تدمير موائله.
- الذئب السوري: من أكبر المفترسات في المنطقة ومهدد بسبب الصيد.
- الثعلب الأفغاني (Vulpes cana): ثعلب ليلي صغير مهدد عالمياً يتوطن المناطق الصخرية الجافة.
- الضبع المخطط والغزال الجبلي والوبر الصخري: أنواع مستقرة لكنها تواجه ضغوطاً بيئية متزايدة.
الزواحف والبرمائيات
سُجّل في المحمية 44 نوعاً من الزواحف ونوعان من البرمائيات. ومن الزواحف أربعة أنواع مهددة بالانقراض هي الضب (السحلية شوكية الذيل) والحرباء والورل والسلحفاة اليونانية. كما تضم المحمية مئات الأنواع من اللافقاريات التي لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسة والتوثيق.
الحضور البشري والتاريخ
السكان الأصليون
سكان قبيلة العطاطة هم السكان الأصليون لمحمية ضانا يعود تاريخهم في المنطقة إلى نحو 400 سنة غير أن مستوطناتهم الأصلية في المنطقة تعود إلى أكثر من 6000 عام. ولا يزال بعض أفراد القبيلة يعيشون في محيط المحمية ويعتمدون على الرعي والزراعة التقليدية إضافة إلى العمل في أنشطة السياحة البيئية التي توفرها المحمية.
الآثار والتاريخ القديم
تشير الاكتشافات الأثرية إلى أن منطقة ضانا وفينان تضم واحدة من أطول سلاسل الاستيطان البشري في العالم. فقد عُثر على بقايا مستوطنات تعود إلى عصور متعاقبة:
- العصر الحجري القديم: أدوات حجرية وأدلة على وجود بشري مبكر.
- العصر النحاسي: مناجم نحاس في منطقة فينان تُعدّ من أقدم مناجم النحاس في العالم.
- العصر النبطي: آبار وطرق تجارية ورسوم صخرية.
- العصر الروماني: منشآت تعدين ونقوش لاتينية في فينان.
- العهد العثماني: قرية ضانا الحالية ببيوتها الحجرية المميّزة والهندسة المعمارية العثمانية.
قرية ضانا
تقع قرية ضانا على حافة المحمية على ارتفاع نحو 1200 متر فوق سطح البحر وتتميّز بهندستها المعمارية العثمانية المتمثّلة في بيوتها الحجرية المتلاصقة وشوارعها المرصوفة بالحجارة وإطلالاتها الخلابة على وادي ضانا العميق. وتُعدّ نقطة الانطلاق الرئيسية لزوّار المحمية.
السياحة البيئية ومسارات التنزه
أصبحت محمية ضانا نموذجاً وطنياً للسياحة البيئية المستدامة في الأردن وحصلت على عدة جوائز دولية في مجالات الحد من الفقر وحماية التنوع الحيوي. وتقدّم المحمية مجموعة متنوعة من الأنشطة والمسارات:
مسارات المشي الرئيسية
- مسار وادي ضانا: أشهر مسارات المحمية يمتد نحو 14-17 كم من قرية ضانا إلى نزل فينان البيئي عبر وادي سحيق يتفاوت بين المشي المنخفض والمنحدرات الصخرية يستغرق نحو 5-6 ساعات. متاح على مدار العام مع مرشد أو بدونه.
- مسار وادي غوير: مسار سحيق يجري بمحاذاة جدول مائي بين جدران صخرية شاهقة وبِرك طبيعية صافية يمتد نحو 12.5 كم ويستغرق 4-5 ساعات. متاح على مدار العام بمرشد مرخّص.
- مسار وادي الدثنة: مسار مغامراتي شديد الانحدار ينحدر عبر الوادي ويمرّ بواحة وادي الحمرا وصولاً إلى فينان. متاح على مدار العام (باستثناء رمضان) بمرشد مرخّص فقط.
- مسار الكهوف: يبدأ من مخيم الرمّانة ويمرّ عبر شقّ الكلب ذي التشكيلات الرملية الاستثنائية إلى كهوف يُعتقد أنها استُخدمت كأديرة للتنسّك. متاح من 15 آذار إلى 31 تشرين الأول مع مرشد أو بدونه.
- مسار قرية ضانا: مسار قصير يبدأ من بيت الضيافة ويأخذ الزائر في جولة داخل القرية لمعاينة الهندسة المعمارية العثمانية ومعرفة تاريخ المنطقة. متاح على مدار العام.
- مسار النواطف: مسار دائري يبدأ من منطقة البرّة ويمرّ عبر الجبال والينابيع والآثار في منطقة النواطف.
الإقامة في المحمية
- نزل فينان البيئي: أُفتتح عام 2005 في قلب وادي فينان وهو أول نزل بيئي في الأردن يعمل بالكامل بالطاقة الشمسية وصنّفته مجلة ناشيونال جيوغرافيك ترافيلر ضمن أفضل 25 نزلاً بيئياً في العالم كما حاز جائزة Tripadvisor لأفضل الفنادق الصغيرة في الشرق الأوسط عام 2023. يقدّم تجربة انعزال عن صخب المدن مع مراقبة النجوم والطبخ البدوي التقليدي.
- مخيم الرمّانة: مخيم تخييم على ارتفاع 1500 متر فوق سطح البحر بالقرب من قرية ضانا يقدّم خيماً مجهّزة ومطعماً ويُعدّ نقطة الانطلاق المثلى لمسارات المشي القصيرة.
- بيت الضيافة: نزل صغير في قرية ضانا يقدّم إقامة بسيطة ومريحة وإطلالة مميّزة على الوادي.
أنشطة أخرى
- مراقبة الطيور: ضانا من أفضل المواقع في الأردن لمراقبة الطيور لا سيما النعار السوري والعوسق.
- مراقبة النجوم: موقع فينان البعيد عن التلوث الضوئي يتيح رؤية مذهلة للسماء الصافية.
- ركوب الدراجات الجبلية: في المسارات المخصصة.
- استكشاف مناجم النحاس القديمة: في منطقة فينان.
- التعرف على الثقافة البدوية: من خلال الزيارات والتجارب مع المجتمعات المحلية.
معلومات عملية للزوار
- تصاريح الدخول: يتطلب مسار وادي ضانا تصريحاً من الجمعية الملكية لحماية الطبيعة بتكلفة 15 ديناراً أردنياً ويُضاف التصريح مجاناً عند الإقامة في مخيم الرمّانة أو نزل فينان.
- الحجز: يُنصح بحجز الإقامة قبل 3 أيام على الأقل نظراً لعدد الغرف المحدود.
- التواصل: هاتف 0096264616523 | البريد الإلكتروني: tourism@rscn.org.jo | الموقع: www.wildjordan.com
التحديات والتهديدات التي تواجه المحمية
رغم نجاح محمية ضانا كنموذج للسياحة البيئية المستدامة فإنها لا تزال تواجه تهديدات رئيسية تُشكّل خطراً على تنوعها الحيوي:
- الرعي الجائر: تؤدي كثافة الماشية إلى تدهور المراعي وتآكل التربة وتهميش الأنواع النباتية الأصلية.
- قطع الأشجار: لتأمين الحطب والوقود مما يُضعف الغطاء النباتي ويهدد الأنواع النادرة كأشجار السرو.
- الصيد: لا يزال الصيد غير القانوني يهدد الثدييات الكبيرة لا سيما الماعز الجبلي وطائر الشنار والبدن.
- الضغط السياحي غير المنظم: في المواسم الازدحام قد يؤدي إلى تآكل المسارات وتلويث المواقع.
- التغير المناخي: يُحوّل أنماط الهطول والحرارة مما يُهدد التوازن البيئي الحساس بين الأقاليم الأربعة.
وتسعى الجمعية الملكية لحماية الطبيعة إلى مواجهة هذه التهديدات عبر نظام التقسيم البيئي (Zoning) الذي يحدد مناطق للرعي ومناطق محمية صارمة ومناطق للسياحة البيئية بهدف تحقيق توازن بين حماية التنوع الحيوي وتحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات المحلية.
الخلاصة
تظلّ محمية ضانا للمحيط الحيوي جوهرة فريدة في تاج الطبيعة الأردنية والعالمية إذ تجمع في مساحتها بين أربعة أقاليم حيوية و891 نوعاً نباتياً و555 نوعاً حيوانياً وتاريخ بشري يمتد آلاف السنين ومسارات مشي أسطورية ونزل بيئي عالمي المستوى. إنها ليست مجرد محمية طبيعية بل نموذج حيّ لما يمكن أن يحققه التوازن بين حماية الطبيعة وتنمية المجتمعات المحلية حين تُدار بحكمة وعلم وإرادة مستدامة.
.png)