طائرة إتش-4 هيركوليز

تعد طائرة إتش-4 هيركوليز من أغرب الطائرات في تاريخ الطيران وأكثرها إثارة للجدل، فهي قارب طائر عملاق صمم في أثناء الحرب العالمية الثانية لنقل الجنود والمعدات عبر المحيط الأطلسي، لكنها لم تحلق إلا مرة واحدة قصيرة بعد انتهاء الحرب. وقد ارتبط اسمها بالمخترع ورجل الأعمال الأمريكي هوارد هيوز، وبلقبها الشهير أوزة شجرة التنوب.

نعرض في هذا المقال المعلومات الأساسية عن هذه الطائرة، ثم نتوسع في فكرة القوارب الطائرة، وظروف تصميمها، ومواصفاتها الفنية، والجدل السياسي حولها، ومصيرها بعد رحلتها الوحيدة.

التعريف بالطائرة ورحلتها الوحيدة

إتش - 4 هيركوليز (تسجيل طائرة: NX37602) طائرة شحن ثقيل من إنتاج شركة طائرات هيوز. حلقت الطائرة للمرة الأولى والأخيرة في يوم 2 نوفمبر عام 1947. 

طائرة إتش-4 هيركوليز للشحن الثقيل من إنتاج شركة هيوزصنعت من الخشب وليس الألمنيوم؛ وذلك بسبب حظر المعادن إبان الحرب العالمية الثانية. أطلق عليها الناقدون لقب "أوزة شجرة التنوب" (Spruce Goose)، وبعضهم اتهموا شركة طائرات هيوز بإساءة استخدام الأموال الفدرالية الأمريكية المدفوعة لبناء تلك الطائرة.


الطائرة هيوز إتش -4 هيركوليز هي أكبر طائرة مائية في العالم، المسافة بين جناحيها هو الأطول وارتفاعها الأعلى في تاريخ صناعة الطائرات.

 تمكث الطائرة الآن في أحوال جيدة في متحف إيفر جرين للملاحة في ميكمينفيل، أوريغون.

بسبب الحظر الذي كان مفروضاً على المعادن إبان الحرب العالمية الثانية تم صنع معظم الطائرة إتش -4 هيركوليز من خشب شجر البتيولا وليس شجر التنوب كما أطلق عليها، صنعت بأحدث تكنولوجيا تصنيع الخشب في وقتها.

ونتيجة لبدن الطائرة الهائل ونوعها كطائرة عائمة تطلب بناءها إلى ابتكارات هندسية بارعة بحق لجعلها تحلق. مع ذلك تم إلغاء مشروع بناءها بسبب التأخير وتجاوز التكاليف.

التصميم والتطوير
في عام 1942 عانت وزارة الحرب الأمريكية من مشكلة شحن وسائل الحرب ونقل الجنود إلى بريطانيا. أيضا عانت سفن الحلفاء من خسائر جسيمة خلال عبورها الأطلنطي بسبب الغواصات الألمانية؛ لذلك كان هناك الحاجة إلى طائرة شحن ثقيل قادرة على عبور الأطلنطي.

كانت فكرة الطائرة إتش-4 هيركوليز من بنات أفكار هينرى كاسر الذي كان المسؤول عن برنامج سفن الحرية (Liberty ships program). فقام بالاشتراك مع شركة طائرات هيوز في تصنيع تلك الطائرة على أنها ستكون أكبر طائرة صنعت في العالم في وقتها. عند الانتهاء من صنعها كان من المتوقع أن تكون قادرة على حمل 750 جندي بكامل عتادهم أو حمل عدة دبابات شيرمان وزن الواحدة منها 30.3 طن.

كان اختصار اسم الطائرة الأصلي "إتش كي-1" (HK-1) الذي يعكس التعاون بين هوارد هيوز وهنرى كاسر.

تم تحرير عقد بناء الطائرة "إتش كي-1" في عام 1942 بوصفه عقد تطوير. في البداية ناقش العقد بناء 3 طائرات على أن ينتهي البناء بعد فترة عامين حتى تأخذ دورها في الحرب .

كان هناك سبعة تصاميم مختلفة مأخوذة في الاعتبار لاختيار واحد منها. تتنوع في كثير من الأشياء كمثال عدد المحركات يتنوع من 4، 6، و8 محركات تحت كل جناح

. في النهاية تم التصديق على أحد التصاميم ذو الأربع محركات تحت كل جناح .

وبسبب عدم توافر المعادن اللازمة لبناء الطائرة تم الاستعاضة عنه بالخشب بالتحديد خشب شجرة البتولا.

 واعتقد النقاد بأن الطائرة إتش-4 هيركوليز لا يمكنها التحليق والطيران بسبب كبر حجمها وثقل وزنها حيث أطلق عليها أحيانا بلقب "محل بيع الخشب الطائر" (Flying Lumberyard) ؛ وذلك لاستهلاكها كميات رهيبة من الخشب. هوارد هويز نفسه مصمم الطائرة كان ممقوت من لقب الطائرة "أوزة شجر التنوب".

مع أن بناء الطائرة الأولى من نوع "إتش كي-1" بدأ بعد 16 شهر من عقد التطوير إلا أن هينرى كاسر إنسحب من المشروع .

هوارد هيوز أكمل المشروع بمفرده وتحول اسم الطائرة إلى "م هـ ط-1" أي (مركب هويز الطائر التصميم الأول).

 ثم تحول إلى الاسم الحالي "إتش-4 هيركوليز". تم تحرير عقد جديد لمشروع بناء الطائرة بين شركة طائرات هيوز والحكومة الفدرالية الأمريكية على أنه سيتم بناء طائرة واحدة فقط. تم التصنيع في بطء شديد مما أدى إلى الانتهاء من تصنيع الطائرة بعد انتهاء الحرب. كان هناك العديد من الأسباب في فشل المشروع. كمثال على أسباب الفشل وليس الحصر هو جنون هوارد هيوز خلال فترة التصنيع.

في عام 1947 تم استدعاء هوارد هيوز لإلقاء شهادته أمام لجنة التحقيق في الحرب في مجلس الشيوخ الأمريكي لمناقشة كيفية إنفاق الأموال الفدرالية الممولة لمشروع بناء الطائرة. حيث كان مجلس الشيوخ الأمريكي يعيد تقيم الأموال المخصصة للمشاريع المحلية أبان فترة الحرب العالمية الثانية. على الرغم من الشكوك والعداء من قبل اللجنة إلا أن هوارد هيوز لم يدان.

خلال جلسة الاستماع في مجلس الشيوخ الأمريكي حول المشروع يوم 6 أغسطس 1947 قال هوارد هيوز:  لقد كانت الطائرة هيركوليز ضخمة الحجم. فهى أكبر طائرة صنعت. فارتفاعها يتجاوز مبنى من خمسة طوابق وبجناح أطول من ملعب كرة قدم. فبهذا تكون أكبر من مربع سكني. لقد وضعت عصارة جهدي وعرق حياتي وكل سمعتي فيها. وكما قلت عدت مرات من قبل لو أنها فشلت فأنى سأغادر هذه البلاد على الأرجح ولن أعود مرة أخرى، وأنا أعني ذلك.

لماذا فكر الأمريكيون في قارب طائر عملاق؟

في السنوات الأولى من الحرب العالمية الثانية كانت الغواصات الألمانية تغرق أعدادًا كبيرة من سفن الإمداد في المحيط الأطلسي، مما هدد خطوط نقل الجنود والعتاد بين الولايات المتحدة وأوروبا. فنشأت فكرة بناء طائرات نقل ضخمة تطير فوق المحيط بعيدًا عن خطر الغواصات. واقترح رجل الصناعة هنري كايزر، المعروف ببناء السفن، إنتاج قوارب طائرة كبيرة، وتعاون مع هوارد هيوز الذي تولى التصميم والتنفيذ.

القوارب الطائرة في تلك الحقبة

القارب الطائر طائرة يكون جسمها نفسه على هيئة بدن سفينة، فتقلع من الماء وتهبط عليه. وقد انتشر هذا النوع في النصف الأول من القرن العشرين لأن المطارات البرية الكبيرة كانت قليلة، بينما تتوفر المسطحات المائية في الموانئ والبحيرات.

تحديات التصميم والبناء

المواد الخشبية

فرضت الحكومة قيودًا على استعمال الألمنيوم والمعادن الاستراتيجية لصالح الطائرات الحربية، فاضطر فريق هيوز إلى استعمال الخشب. واعتمد الفريق على تقنية تعرف باسم ديوراملد، وهي طبقات رقيقة من الخشب تلصق بالراتنج وتضغط بالحرارة لتشكيل ألواح قوية خفيفة. ورغم لقب أوزة شجرة التنوب، فإن معظم خشبها كان من خشب البتولا وليس من التنوب.

تأخر المشروع

واجه المشروع صعوبات هندسية كبيرة بسبب الحجم غير المسبوق، إضافة إلى حرص هيوز الشديد على التفاصيل وكماله في العمل، فتأخر الإنجاز حتى انتهت الحرب دون أن تكتمل الطائرة، وانسحب كايزر من المشروع في مرحلة مبكرة.

المواصفات الفنية البارزة

  • المحركات: زودت بثمانية محركات مكبسية من طراز برات آند ويتني R-4360، وهي من أقوى المحركات المكبسية في زمنها.
  • جناح ضخم: ظل باع جناحها الأطول بين الطائرات التي حلقت فعلًا عقودًا طويلة، إلى أن تجاوزته طائرة ستراتولونش في القرن الحادي والعشرين.
  • هيكل عملاق: صممت لتحمل أعدادًا كبيرة من الجنود أو حمولات ثقيلة كالمركبات المدرعة الخفيفة.
  • نظام التحكم: اعتمدت على أنظمة هيدروليكية لمساعدة الطيار في تحريك أسطح التحكم الكبيرة.

الجدل السياسي وجلسات مجلس الشيوخ

بعد الحرب تعرض هيوز لانتقادات حادة بسبب ما أنفقته الحكومة على عقود لم تنتج طائرات صالحة للخدمة، فاستدعي إلى جلسات تحقيق في مجلس الشيوخ الأمريكي عام 1947. وقد دافع عن نفسه بقوة، مؤكدًا أنه أنفق من ماله الخاص على المشروع، وأنه سيغادر البلاد إذا فشلت الطائرة في الطيران. وجاءت الرحلة القصيرة في نوفمبر من العام نفسه وكأنها رد عملي على المشككين.

تفاصيل الرحلة

جرت الرحلة في ميناء لونغ بيتش بولاية كاليفورنيا، وكان هيوز نفسه يقود الطائرة. وبدأت التجربة على أنها اختبار للسير على الماء بسرعة عالية، ثم ارتفعت الطائرة فجأة على علو منخفض جدًا فوق سطح الماء لمسافة قصيرة قبل أن تهبط مجددًا. ولم تحلق بعد ذلك أبدًا.

مصير الطائرة بعد الرحلة

احتفظ هيوز بالطائرة في حظيرة خاصة مكيفة، وأبقى فريقًا من العاملين يعتني بها سنوات طويلة حتى وفاته عام 1976. ثم عرضت هذه التحفة العملاقة في لونغ بيتش مدة من الزمن، قبل أن تنقل إلى متحف إيفرغرين للطيران والفضاء في ولاية أوريغون، حيث ما زالت معروضة ويزورها محبو الطيران.

هوارد هيوز: الرجل وراء المشروع

كان هيوز شخصية متعددة الاهتمامات، فهو منتج سينمائي وطيار ومهندس ورجل أعمال، وقد حقق أرقامًا قياسية في سرعة الطيران والدوران حول العالم في ثلاثينيات القرن العشرين، وأسس شركة هيوز للطائرات. وعرف بالدقة الشديدة والرغبة في الإشراف على أصغر التفاصيل، وهو ما يفسر جانبًا من تأخر المشروع. وقد ألهمت سيرته أعمالًا سينمائية ووثائقية عدة تناولت طموحه الهندسي وحياته الشخصية المعقدة.

الدروس الهندسية من المشروع

يرى مؤرخو الطيران أن المشروع، رغم فشله العملي، أظهر إمكانات المواد المركبة الخشبية، وقدم خبرات في تصميم أنظمة التحكم المعززة للطائرات الكبيرة. كما كشف أن الحجم الضخم وحده لا يكفي، وأن التوقيت والجدوى الاقتصادية عاملان حاسمان في نجاح أي مشروع هندسي.

أسئلة شائعة

لماذا لم تستخدم الطائرة بعد رحلتها؟

انتهت الحرب التي صممت من أجلها، وتطورت طائرات النقل البرية، فلم تعد هناك حاجة عسكرية أو تجارية مقنعة لتشغيلها.

هل كانت مصنوعة من خشب التنوب فعلًا؟

اللقب أطلقه المنتقدون، لكن معظم هيكلها كان من خشب البتولا الملصق بطبقات.

أين يمكن رؤية الطائرة اليوم؟

في متحف إيفرغرين للطيران والفضاء بمدينة ماكمينفيل في ولاية أوريغون الأمريكية.

خلاصة

تمثل هيركوليز قصة طموح هندسي هائل ولد من ظروف الحرب، وتعطل بسبب القيود والتعقيد حتى فات أوانه. وقد حلقت مرة واحدة لتثبت قدرتها، ثم صارت قطعة متحفية تروي سيرة هوارد هيوز وعصر القوارب الطائرة العملاقة.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !