طائرة RAH-66 كومانشي | المروحية الهجومية الخفية

تعريف طائرة آر أيه إتش-66 كومانشي

كومانشي هو اسم الطائرة العمودية الهجومية الاستطلاعية التي طوّرها الجيش الأمريكي منذ ثمانينيات القرن العشرين بالتعاون مع شركتي بوينغ وسيكورسكي للطائرات. وتحمل هذه الطائرة التسمية العسكرية آر أيه إتش-66 وهي تسمية تشير إلى دورها المزدوج حيث يُشير الحرف الأول إلى دور الاستطلاع والحرف الثاني إلى دور الهجوم. وقد أُطلق عليها اسم كومانشي تيمناً بقبيلة كومانشي الهندية الأمريكية الشهيرة التي عُرفت بمهارتها القتالية وسرعة حركتها وهو تقليد أمريكي في تسمية المروحيات بأسماء قبائل الشعوب الأصلية.

طائرتان عموديتان تحلقان فوق منطقة حرجية؛ في الأعلى مروحية أباتشي الهجومية وفي الأسفل مروحية كومانشي الاستطلاعية ذات التصميم الانسيابي الشبحي

نشأة المشروع وأهدافه

بدأ مشروع كومانشي في ثمانينيات القرن العشرين حين أدرك الجيش الأمريكي الحاجة إلى مروحية استطلاعية متقدمة تحل محل أسطول مروحيات الأبتشيه القديمة التي كانت تعاني من قصور في التعامل مع التهديدات الحديثة. وكان الهدف تصميم مروحية تجمع بين قدرات الاستطلاع والهجوم مع تطبيق تقنية التخفي الراداري مما يمنحها ميزة كبيرة في ساحات المعارك الحديثة. وقد تعاونت شركتا بوينغ وسيكورسكي في تطوير هذه المروحية واستثمرتا موارد ضخمة لتحقيق المتطلبات العسكرية الصارمة التي وضعها الجيش الأمريكي.

وكان من المقرر أن تُشكّل كومانشي العمود الفقري لقوات الطيران العسكري الأمريكي في مهام الاستطلاع المسلح والهجوم الخفيف وأن تُكامل مروحيات أباتشي في المهام القتالية الثقيلة. إلا أن مسار المشروع واجه تحديات متعددة أخرت تطوره بشكل ملحوظ وأدت في نهاية المطاف إلى إلغائه رغم الوصول إلى مرحلة إنتاج نموذج تجريبي من الطائرة.

تقنية التخفي في كومانشي

كانت تقنية التخفي الراداري من أبرز الخصائص التي ميزت طائرة كومانشي عن غيرها من المروحيات. فقد صُمّم جسم الطائرة بالكامل من مواد مركبة متقدمة تمتص معظم إشارات الرادار كما ساهم التصميم الخارجي الانسيابي في تشتيت ترددات الرادار وتقليل البصمة الرادارية للطائرة بشكل كبير. وهذا يجعل من كومانشي هدفاً صعب الاكتشاف من قبل الدفاعات الجوية المعادية وهو ما يمنحها قدرة على التوغل في الأراضي المعادية دون التنبيه إلى وجودها.

ولم يقتصر التخفي على البصمة الرادارية فحسب بل شمل أيضا التوقيع الحراري للمروحية. فقد صُمّم المحرك وجسم الطائرة بحيث لا يُنتجان درجة حرارة عالية إذ تعمل أنظمة التبريد المتقدمة على خفض الحرارة المنبعثة من العوادم مما يُقلل من إمكانية رصدها بواسطة صواريخ حرارية موجهة. كما أُخفي المدفع عيار عشرين مليمتراً داخل بدن الطائرة ويُسحب إلى الداخل عند عدم الاستخدام للحفاظ على انسيابية الشكل وتقليل البصمة الرادارية.

تسليح طائرة كومانشي

رغم تصنيفها كمروحية استطلاعية فإن كومانشي كانت تمتلك تسليحاً هجومياً لا يُستهان به. فقد زُودت بمدفع دوار عيار عشرين مليمتراً مُثبّت في مقدمة الطائرة يمكن إخفاؤه داخل البدن للحفاظ على التخفي. كما زُوّدت بخلجان أسلحة داخلية تُحفظ فيها صواريخ هيلفاير المضادة للدروع وصواريخ ستينغر المضادة للطائرات مما يحافظ على انسيابية البدن ويمنع الأسلحة من زيادة البصمة الرادارية.

وإلى جانب التسليح الداخلي كانت كومانشي قادرة على حمل ذخيرة إضافية عبر تركيب جناحين صغيرين على جانبي البدن يُتيحان تعليق خزانات وقود إضافية أو صواريخ أكثر. وكان قائد المروحية يستطيع فصل الجناحين عن جسم الطائرة في أي وقت عند الحاجة للتخلي عن الحمولة الإضافية واستعادة قدرات التخفي الكاملة. وقد أُطلق على هذا النظام اسم الجناحين القابلين للفصل وهو من الابتكارات الفريدة في تصميم المروحيات العسكرية.

قمرة القيادة وأنظمة الملاحة

زُوّدت قمرة القيادة في كومانشي بأحدث تقنيات عصر الزجاج الرقمي إذ استُبدلت أدوات القيادة التقليدية بشاشات كريستالية سائلة متعددة الأغراض تعرض جميع المعلومات المطلوبة للطيار بوضوح وسهولة. ويجلس قائد المروحية في المقعد الأمامي بينما يجلس مساعد القائد أو ضابط الأسلحة في المقعد الخلفي وكل منهما يتحكم بشاشاته الخاصة التي تعرض بيانات الملاحة والاستهداف والاتصالات.

وكانت القمرة مجهزة بأحدث أجهزة الاتصالات والتسديد والملاحة المتاحة في ذلك الوقت بما في ذلك أنظمة الملاحة بالأقمار الصناعية وأنظمة الرؤية الليلية الحرارية وأنظمة الاتصال المشفرة التي تضمن تنسيقاً آمناً مع الوحدات الأخرى. كما صُمّمت القمرة لتحمل أذهان الطيارين من خلال تقليل عبء المعلومات المعروضة وترتيبها حسب الأولوية وهو ما يُعزّز سرعة اتخاذ القرار في ظروف القتال.

أسباب إلغاء مشروع كومانشي

رغم الإمكانات الواعدة التي وعدت بها كومانشي أُلغي المشروع في فبراير من عام ألفين وأربعة بقرار من وزارة الدفاع الأمريكية بعد أن أُنفق عليه أكثر من ثمانية مليارات دولار. وجاء قرار الإلغاء بعد تقييم شامل كشف عن صعوبات جوهرية واجهت المشروع جعلت استمراره غير مجدٍ اقتصادياً وعسكرياً.

التكلفة الباهظة

كانت التكلفة المتصاعدة من أبرز أسباب إلغاء المشروع إذ قفزت تكلفة الوحدة الواحدة من كومانشي من نحو أربعة عشر مليون دولار في التقديرات الأولية إلى أكثر من ستة وثلاثين مليون دولار مع تقدم المشروع. وكان إنتاج مئات الطائرات المطلوبة سيُكلف عشرات المليارات وهو ما لم يكن الجيش الأمريكي قادراً على تحمله خاصة مع تفاقم العجز المالي الناجم عن حرب العراق وأفغانستان.

التعارض بين التخفي والتحصين

واجه المشروع مشكلة هيكلية تمثلت في التعارض بين متطلبات التخفي الراداري ومتطلبات التحصين الباليستي. فجسم الطائرة المصنوع من المواد الماصة للرادار كان أقل قدرة على تحمل الأضرار من المواد المعدنية التقليدية مما يجعل المروحية هشة في مواجهة النيران المعادية. وكان كل تحسين يُدخل على التحصين يُضعف قدرات التخفي والعكس صحيح مما جعل التوفيق بين المتطلبين شبه مستحيل دون زيادة كبيرة في الوزن والتكلفة.

تغير طبيعة التهديدات

مع بداية القرن الحادي والعشرين تغيرت طبيعة التهديدات التي تواجهها القوات الأمريكية حيث تحول التركيز من الحروب التقليدية بين الجيوش النظامية إلى حروب غير متكافئة ضد التنظيمات المسلحة. وفي هذا السياق لم تكن مروحية استطلاع شبحية باهظة الثمن هي الأداة الأنسب لمواجهة تهديدات غير تقليدية. وبدلاً من ذلك فضّل الجيش الأمريكي توجيه الموارد نحو برنامج الطائرات بدون طيار التي تُؤدي مهام الاستطلاع بتكلفة أقل بكثير ودون تعريض أطيار لمخاطر القتال.

إرث كومانشي وتأثيرها في تصميم المروحيات

رغم إلغاء المشروع فإن التقنيات التي طُوّرت من أجل كومانشي لم تذهب سدى بل أُعيد استخدامها في مشاريع عسكرية لاحقة. فقد استُفيد من تقنيات المواد المركبة والتخفي الراداري في تطوير مروحيات أخرى كما أُدمجت أنظمة الملاحة والاتصالات المتقدمة في تحديث أسطول مروحيات أباتشي والطائرات العمودية الأخرى في خدمة الجيش الأمريكي.

كما شكّلت تجربة كومانشي درساً مهماً في إدارة مشاريع التسليح الكبرى إذ بيّنت أن التطلع إلى تحقيق قدرات ثورية متعددة في وقت واحد قد يُؤدي إلى تعقيدات تقنية ومالية تتجاوز القدرة على التحكم بها. وقد أثرت هذه التجربة في منهجية وزارة الدفاع الأمريكية في تصميم المشاريع العسكرية اللاحقة حيث صار التركيز أكبر على التطوير التدريجي بدلاً من القفزات التقنية الكبيرة. كما أثارت قضية كومانشي نقاشاً واسعاً في الأوساط العسكرية والسياسية حول جدوى الاستثمار الضخم في مشاريع تسليح طموحة قد تُلغى قبل اكتمالها بينما تظل الحاجة إلى هذه الأنظمة قائمة ومتزايدة في ظل التطور السريع لقدرات الخصوم المحتملين.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !