الأشعة تحت الحمراء | الاستخدامات والتطبيقات العلمية

تعريف الأشعة تحت الحمراء

الأشعة تحت الحمراء أو الإشعاع تحت الأحمر هو إشعاع كهرومغناطيسي يتميز بطول موجي يقع بين صفر فاصلة سبعة وثلاثمئة ميكرومتر وهو ما يعادل تقريبا نطاق ترددات بين واحد وأربعمئة تيراهيرتز. ويُعدّ هذا النطاق جزءاً من الطيف الكهرومغناطيسي الذي يشمل أيضا الأشعة السينية والأشعة فوق البنفسجية والموجات الراديوية وغيرها. وتتميز الأشعة تحت الحمراء بأن طول موجتها أطول وترددها أدنى من الضوء المرئي بينما يكون طولها الموجي أقصر وترددها أعلى من إشعاع التراهرتز.

تصوير حراري لمنزل في المساء يُظهر فقدان الحرارة عبر النوافذ والجدران باللون البرتقالي والأصفر بينما تظهر المناطق الباردة كالسماء والعشب باللون الأرجواني والأزرق

الأشعة تحت الحمراء في ضوء الشمس

يُوفّر ضوء الشمس الساطع عند مستوى سطح البحر طاقة تُقدّر بحوالي كيلو واط واحد لكل متر مربع. ومن هذه الطاقة الإجمالية يُسهم إشعاع الأشعة تحت الحمراء بنحو خمسمئة وسبعة وعشرين واطاً بينما يُسهم الضوء المرئي بأربعمئة وخمسة وأربعين واطاً وتُسهم الأشعة فوق البنفسجية باثنين وثلاثين واطاً فقط. وهذا يُوضّح أن الجزء الأكبر من الطاقة الشمسية التي تصل إلى سطح الأرض يأتي على شكل أشعة تحت الحمراء وهو ما يفسر الإحساس بالدفء عند التعرض لأشعة الشمس حتى في الأيام التي يقل فيها الضوء المرئي.

نظرة عامة على تطبيقات الأشعة تحت الحمراء

يُستخدم التصوير بالأشعة تحت الحمراء على نطاق واسع لأغراض عسكرية ومدنية متنوعة وقد أصبح تقنية لا غنى عنها في مجالات عدة.

التطبيقات العسكرية

تشمل التطبيقات العسكرية للأشعة تحت الحمراء الاستحواذ على الأهداف والمراقبة والرؤية الليلية وتعقب الصواريخ الموجهة. فكاميرات الرؤية الليلية تعتمد على التقاط الإشعاع تحت الأحمر المنبعث من الأجسام الحية والمحركات والمنشآت وتحويله إلى صورة مرئية تمكّن الجنود من الرؤية في الظلام الدامس دون الحاجة إلى مصادر ضوء خارجية قد تكشف مواقعهم. كما تُستخدم الأشعة تحت الحمراء في أنظمة التحذير من الصواريخ حيث تكشف المستشعرات حرارة محركات الصواريخ القادمة من مسافات بعيدة مما يتيح للطائرات المهددة اتخاذ إجراءات مراوغة في الوقت المناسب.

التطبيقات المدنية

تشمل التطبيقات غير العسكرية للأشعة تحت الحمراء تحليل الكفاءة الحرارية للمباني وقياس درجات الحرارة والاستشعار عن بعد والاتصالات اللاسلكية قصيرة المدى والتحليل الطيفي والتنبؤ بالأحوال الجوية. ففي مجال البناء يُستخدم التصوير الحراري لكشف مواضع تسرب الحرارة من المباني مما يُساعد على تحسين العزل الحراري وتقليل استهلاك الطاقة. وفي مجال الاتصالات تُستخدم الأشعة تحت الحمراء في أجهزة التحكم عن بعد وأجهزة نقل البيانات قصيرة المدى. أما في الأرصاد الجوية فتُستخدم الأقمار الصناعية المزودة بأجهزة استشعار تحت حمراء لرصد درجات حرارة الغيوم وسطح الأرض والمحيطات مما يُسهم في تحسين دقة التنبؤات الجوية.

علم فلك الأشعة تحت الحمراء

يُستخدم علم فلك الأشعة تحت الحمراء المقاريب المزودة بأجهزة استشعار متطورة لاختراق مناطق الغبار في الفضاء مثل السحب الجزيئية التي تحجب الضوء المرئي عن المراصد العادية. وبفضل هذه التقنية تمكّن الفلكيون من كشف أجسام باردة مثل الكواكب الخارجية والأقزام البنية التي لا تصدر ضوءاً مرئياً يكفي لرصدها بالتلسكوبات التقليدية. كما تُتيح الأشعة تحت الحمراء رصد الأجسام ذات الانزياح الأحمر العالي التي تعود إلى الأيام الأولى للكون حيث يكون الضوء الصادر عنها قد تحول إلى أطوال موجية أطول بسبب تمدد الكون.

ومن أبرز المراصد التي تعتمد على الأشعة تحت الحمراء تلسكوب جيمس ويب الفضائي الذي صُمّم خصيصاً للرصد في نطاق الأشعة تحت الحمراء مما يُتيح النظر إلى أبعد وأقدم أجسام الكون. كذلك أرسلت مراصد أخرى مثل تلسكوب سبيتزر الفضائي وتلسكوب هيرشل بيانات قيمة عن تشكّل النجوم وتطور المجرات وخصائص الغبار الكوني.

الإشعاع تحت الأحمر والأجسام الحية

يُشع البشر عند درجة حرارة الجسم الطبيعية إشعاعاً تحت أحمر يكون طول موجته الأساسية حول عشرة ميكرومترات. وهذا يعني أن جسم الإنسان يصدر إشعاعاً حرارياً في النطاق تحت الأحمر دون الحاجة إلى أي مصدر خارجي للإضاءة وهو المبدأ الذي تعتمد عليه كاميرات التصوير الحراري في كشف وجود الأشخاص في الظلام أو خلف حواجز رقيقة. ولا يقتصر هذا الأمر على البشر بل تشع كل الأجسام ذات الحرارة المعتدلة إشعاعاً تحت أحمر تزداد شدته بارتفاع درجة حرارة الجسم وينتقل طيفها تدريجياً نحو أطوال موجية أقصر كلما زادت الحرارة.

مطياف الأشعة تحت الحمراء

على المستوى الذري والجزيئي تُسبب طاقة الأشعة تحت الحمراء اهتزاز الذرات في الجزيئات عبر إحداث تغيير في العزم ثنائي القطب مما يجعلها أداة مفيدة لدراسة حالات الطاقة الاهتزازية والدورانية للجزيئات ذات التماثل المناسب. ويعتمد مطياف الأشعة تحت الحمراء على دراسة امتصاص ونقل فوتونات في مدى الأشعة تحت الحمراء وبناء على التردد وشدته يُمكن تحديد أنواع الروابط الكيميائية والجزيئات الموجودة في العينة.

ويُستخدم مطياف الأشعة تحت الحمراء على نطاق واسع في الكيمياء التحليلية لتحديد هوية المركبات العضوية وغير العضوية وفي الصناعة لمراقبة جودة المنتجات وفي علم البيئة لرصد تلوث الهواء والماء. كما يُستخدم في مجال الأمن الجنائي لتحليل بقايا المواد في مسارح الجرائم وفي مجال الطب لتحليل تركيب الأنسجة الحيوية.

تقسيم نطاق الأشعة تحت الحمراء

يُقسّم نطاق الأشعة تحت الحمراء عادة إلى ثلاثة أقسام رئيسية وفقاً للطول الموجي. القسم الأول هو الأشعة تحت الحمراء القريبة التي تمتد من صفر فاصلة سبعة إلى خمسة وعشرين ميكرومتراً وتُستخدم بكثافة في الاتصالات البصرية والتحليل الطيفي. والقسم الثاني هو الأشعة تحت الحمراء المتوسطة التي تمتد من خمسة وعشرين إلى أربعين ميكرومتراً وتُستخدم في التصوير الحراري والرصد الفلكي. والقسم الثالث هو الأشعة تحت الحمراء البعيدة التي تمتد من أربعين إلى ثلاثمئة ميكرومتراً وتُستخدم في دراسات علم الفلك البارد والفيزياء الجزيئية.

ويختلف التقسيم أحياناً بحسب المجال التطبيقي ففي علم الفلك يُستخدم تقسيم مختلف يعتمد على أطوال موجية محددة ترتبط بخصائص الغلاف الجوي الأرضي ونوافذ الرصد المتاحة. أما في المجال العسكري فيُركّز التقسيم على النطاقات التي تُناسب أنظمة الرؤية الليلية وتعقب الأهداف الحرارية.

اكتشاف الأشعة تحت الحمراء وتاريخها

اكتشف العالم ويليام هيرشل الأشعة تحت الحمراء عام ألف وثمانمئة عند إجرائه تجربة لقياس حرارة الألوان المختلفة في الطيف الشمسي. فقد مرّر ضوء الشمس عبر منشور زجاجي وفصل الألوان على سطح طاولة ثم وضع ميزانات حرارية في كل لون من ألوان الطيف المرئي ولاحظ أن درجة الحرارة ترتفع تدريجياً من اللون البنفسجي إلى اللون الأحمر. لكن المفاجأة كانت عندما وضع الميزان خارج الطيف المرئي مباشرة في المنطقة التي لا يظهر فيها ضوء مرئي فسجّل ارتفاعاً في درجة الحرارة أكبر من أي لون مرئي. وبذلك اكتشف هيرشل وجود إشعاع غير مرئي يقع خارج الطيف الأحمر وأسماه الأشعة الحرارية التي عُرفت لاحقاً بالأشعة تحت الحمراء.

ومنذ ذلك الاكتشاف تطورت تقنيات رصد واستخدام الأشعة تحت الحمراء بشكل كبير. ففي أوائل القرن العشرين طوّر العلماء أول أجهزة الكشف الحراري التي تعتمد على تغيّر خصائص المواد بفعل الإشعاع تحت الأحمر. وفي منتصف القرن ظهرت كواشف أشباه الموصلات التي حسّنت الحساسية وسرعة الاستجابة بشكل كبير. ومع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين أصبحت أجهزة التصوير الحراري رخيصة نسبياً ومتاحة للاستخدام المدني على نطاق واسع.

الأشعة تحت الحمراء في الطب والصحة

تُستخدم الأشعة تحت الحمراء في المجال الطبي بعدة طرق فعالة. فالتصوير الحراري الطبي يُساعد على كشف الالتهابات والأورام من خلال رصد المناطق ذات الحرارة المرتفعة في الجسم التي قد تُشير إلى نشاط خلوي غير طبيعي. كما تُستخدم الأشعة تحت الحمراء في العلاج الطبيعي حيث يُعزّز تسليطها على المناطق المصابة من الدورة الدموية ويُخفّف الآلام العضلية والمفصلية. وتعمل مصابح الأشعة تحت الحمراء المنتشرة في المراكز العلاجية على تسخين الأنسجة العميقة دون الإضرار بالجلد السطحي مما يُسرّع عملية الشفاء.

كما تُستخدم أجهزة قياس الحرارة بالأشعة تحت الحمراء على نطاق واسع في المستشفيات والمراكز الصحية لقياس حرارة الجسم دون تلامس مباشر وهو ما أثبت فاعليته الكبيرة أثناء الأوبئة حيث يسمح بفحص أعداد كبيرة من الأشخاص بسرعة ودقة مع تقليل خطر انتقال العدوى.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !