قصيدة وصف الحمى للمتنبي

تُعد قصيدة وصف الحمى للمتنبي من أروع ما جادت به قريحة أبي الطيب في مرحلته المصرية، إذ جمع فيها بين الفخر بالنفس والشكوى من الغربة ووصف المرض بصورة فنية مبتكرة جعلت الحمى زائرة خجولة لا تأتي إلا ليلاً. وما زالت أبياتها تُدرّس في المناهج وتُستشهد بها في دراسات البلاغة.

نقدم في هذه الصفحة نص القصيدة وقصتها، ثم نتعرف إلى الشاعر وظروف إقامته في مصر، ونحلل أبرز الصور البيانية والمعاني، ونقف عند بحرها الشعري ومكانتها في الأدب العربي.

قصة القصيدة ونصها

قام أبو الطيب المتنبي في بلاط كافور الإخشيدي بعد أن هجر سيف الدولة وكان المتنبي يمدحه بالقصائد العظام وكافور لايألوا جهداً في إرضاء أبي الطيب المتنبي . 

قصيدة وصف الحمى للمتنبي
قصيدة وصف الحمى للمتنبي

قصة القصيدة 

لكن كافور لم يكن ليصل بإكرامه للمتنبي للحد الذي كان يتمناه المتنبي وهو أن يوليه إحدى الإمارات ، فكافور كان بحنكته يعلم مدى علو همة المتنبي وكرهه للماليك وتعصبه للعرب وكان يخاف أن المتنبي إذا تولى الولاية فقد يتمرد عليه ويسبب شرخاً كبيراً في دولته؛ لكن كافور ككل الولاة في كل زمان كان يحب أن يمدحه الشعراء وأهم شاعر في ذلك الزمان بل وفي كل زمان كان المتنبي فكان كافور يرضيه بجزيل العطايا ويمنيه ويماطله حتى طال الوقت على أبي الطيب ومل من الانتظار، فتناوشته هموم الغربة والانتظار وأمرضته الرفاهية وكثرة القعود فكانت الحمى تنتابه بين الفينة والفينة حتى إذا اشتدت عليه في أحد الأيام جادت قريحته بهذه القصيدة التي بدأها مفتخراً ثم تطرق إلى وصف الحمى بوصف لم يسمع تاريخ الأدب بمثله .


 ومنها قوله:


مَلومُكُمـا يَجِـلُّ عَـنِ الـمَـلامِ  " "  وَوَقـعُ فَعالِـهِ فَـوقَ الـكَـلامِ
ذَرانـي وَالفَـلاةَ بِـلا دَلـيـلٍ  " "  وَوَجهـي وَالهَجيـرَ بِـلا لِثـامِ
فَإِنّـي أَستَريـحُ بِــذا وَهَــذا  " "  وَأَتعَـبُ بِالإِنـاخَـةِ وَالمُـقـامِ
عُيونُ رَواحِلي إِن حُرتُ عَينـي  " "  وَكُـلُّ بُغـامِ رازِحَـةٍ بُغـامـي
فَقَـد أَرِدُ المِيـاهَ بِغَيـرِ هــادٍ  " "  سِوى عَدِّي لَهـا بَـرقَ الغَمـامِ
يُـذِمُّ لِمُهجَتـي رَبّـي وَسَيفـي  " "  إِذا اِحتاجَ الوَحيـدُ إِلـى الذِمـامِ
وَلا أُمسي لِأَهـلِ البُخـلِ ضَيفًـا  " "  وَلَيسَ قِرىً سِـوى مُـخِّ النِعـامِ
فَلَمّـا صـارَ وُدُّ النـاسِ خِـبًّـا  " "  جَزَيـتُ عَلـى اِبتِسـامٍ بِاِبتِسـامِ
وَصِرتُ أَشُـكُّ فيمَـن أَصطَفيـهِ  " "  لِعِلمـي أَنَّـهُ بَـعـضُ الأَنــامِ
يُحِبُّ العاقِلونَ عَلـى التَصافـي  " "  وَحُبُّ الجاهِليـنَ عَلـى الوَسـامِ
وَآنَفُ مِن أَخـي لِأَبـي وَأُمّـي  " "  إِذا ما لَـم أَجِـدهُ مِـنَ الكِـرامِ
أَرى الأَجـدادَ تَغلِبُهـا جميـعًـا  " "  عَلـى الأَولادِ أَخـلاقُ اللِـئـامِ
وَلَستُ بِقانِـعٍ مِـن كُـلِّ فَضـلٍ  " "  بِـأَن أُعـزى إِلـى جَـدٍّ هُمـامِ
عَجِبـتُ لِمَـن لَـهُ قَـدٌّ وَحَـدٌّ  " "  وَيَنبـو نَبـوَةَ القَضِـمِ الكَـهـامِ
وَمَن يَجِدُ الطَريقَ إِلـى المَعالـي  " "  فَـلا يَـذَرُ المَطِـيَّ بِـلا سَنـامِ
وَلَم أَرَ في عُيوبِ النـاسِ شَيئًـا  " "  كَنَقصِ القادِريـنَ عَلـى التَمـامِ
أَقَمتُ بِأَرضِ مِصرَ فَلا وَرائـي " " تَخُبُّ بِـيَ المَطِـيُّ وَلا أَمامـي
وَمَلَّنِيَ الفِـراشُ وَكـانَ جَنبـي  " "  يَمَـلُّ لِقـاءَهُ فـي كُـلِّ عــامِ
قَليـلٌ عائِـدي سَقِـمٌ فُــؤادي  " "  كَثيرٌ حاسِـدي صَعـبٌ مَرامـي
عَليـلُ الجِسـمِ مُمتَنِـعُ القِـيـامِ  " "  شَديدُ السُكرِ مِـن غَيـرِ المُـدامِ
وَزائِرَتـي كَـأَنَّ بِهـا حَـيـاءً  " "  فَلَيـسَ تَـزورُ إِلّا فـي الظَـلامِ
بَذَلتُ لَها المَطـارِفَ وَالحَشايـا " " فَعافَتهـا وَباتَـت فـي عِظامـي
يَضيقُ الجِلدُ عَن نَفسـي وَعَنهـا " " فَتوسِـعُـهُ بِـأَنـواعِ السِـقـامِ
إِذا مـا فارَقَتـنـي غَسَّلَتـنـي " " كَأَنّـا عاكِفـانِ عَلـى حَــرامِ
كَأَنَّ الصُبـحَ يَطرُدُهـا فَتَجـري " " مَدامِعُـهـا بِأَربَـعَـةٍ سِـجـامِ
أُراقِبُ وَقتَها مِـن غَيـرِ شَـوقٍ " " مُراقَبَـةَ المَشـوقِ المُستَـهـامِ
وَيَصدُقُ وَعدُها وَالصِـدقُ شَـرٌّ " " إِذا أَلقاكَ فـي الكُـرَبِ العِظـامِ
أَبِنتَ الدَهـرِ عِنـدي كُـلُّ بِنـتٍ " " فَكَيفَ وَصَلتِ أَنتِ مِـنَ الزِحـامِ
جَرَحتِ مُجَرَّحًا لَـم يَبـقَ فيـهِ " " مَكـانٌ لِلسُيـوفِ وَلا السِـهـامِ
أَلا يا لَيتَ شَعـرَ يَـدي أَتُمسـي " " تَصَـرَّفُ فـي عِنـانٍ أَو زِمـامِ
وَهَل أَرمي هَـوايَ بِراقِصـاتٍ " " مُـحَـلّاةِ المَـقـاوِدِ بِالـلُـغـامِ

نبذة عن أبي الطيب المتنبي

هو أحمد بن الحسين الجعفي الكندي، المعروف بأبي الطيب المتنبي، وُلد في الكوفة في القرن الرابع الهجري، ونشأ محباً للعلم والأدب، وتنقل في البادية فاكتسب فصاحة اللسان وقوة الأسلوب. وقد اشتهر بطموحه الكبير واعتداده الشديد بنفسه، وهو ما يظهر في كثير من قصائده. وارتبط اسمه طويلاً ببلاط سيف الدولة الحمداني في حلب، حيث كتب أجمل مدائحه وسيفياته التي صورت معارك الحمدانيين مع الروم، قبل أن تفسد العلاقة بينهما بسبب الوشايات والخلافات، فرحل إلى مصر حيث كافور الإخشيدي.

المرحلة المصرية في حياته

كانت إقامته في مصر مرحلة مضطربة؛ فقد مدح كافوراً طمعاً في ولاية تحقق طموحه السياسي، لكن الأمل تأخر وطال الانتظار، فشعر بالضيق والملل والغربة. وفي هذه الأجواء ولدت قصائد تمتزج فيها الحكمة بالمرارة، ومنها هذه القصيدة التي تصور حاله وهو حبيس الفراش يعاني نوبات الحمى. وقد انتهت هذه المرحلة بخروجه من مصر وهجائه اللاذع لكافور في قصائد اشتهرت بعد ذلك.

البناء الفني للقصيدة

تنقسم القصيدة إلى أقسام واضحة المعالم. يبدأ الشاعر بمخاطبة صاحبيه على عادة الشعراء القدامى، ويطلب منهما أن يتركاه للفلاة والهجير، معلناً أن الراحة عنده في السفر والمغامرة، وأن الإقامة والقعود يتعبانه. ثم ينتقل إلى أبيات الحكمة التي يتحدث فيها عن خيانة الناس وتقلب المودة، وعن أن قيمة المرء بأخلاقه لا بنسبه وأجداده. وبعد ذلك يصل إلى قلب القصيدة، وهو وصف الحمى، ثم يختم بأبيات يعزي فيها نفسه ويؤكد صبره وثقته بالمستقبل.

صورة الحمى الزائرة

أبرز ما يميز هذا النص تشخيص الحمى في صورة امرأة تزوره ليلاً وكأن بها حياء، فلا تأتيه في النهار. ثم يذكر أنه بذل لها المطارف والحشايا فعافتها وباتت في عظامه، في إشارة إلى أن المرض يتغلغل في الجسد كله. ويصور العرق الذي يتصبب منه عند انصرافها بأنه دموع الفراق، فكأنها تبكي حين تفارقه. وتعكس هذه الصورة قدرة الشاعر على تحويل تجربة جسدية مؤلمة إلى مشهد شعري حي يقترب من الغزل في ظاهره، بينما يحمل في باطنه الألم والضجر.

الحكمة والتجربة الإنسانية

حفلت القصيدة بأبيات صارت أمثالاً تتداولها الألسن، مثل حديثه عن أنه لم ير في عيوب الناس عيباً أشد من نقص القادرين على التمام، أي أن يقصر الإنسان عن الكمال مع قدرته عليه. كما عبر عن الشك في الأصدقاء حين صار ود الناس خداعاً، فأصبح يقابل الابتسامة بابتسامة دون أن يمنح ثقته. وتكشف هذه الأبيات عن نظرة تأملية ناتجة عن تجارب مريرة مع البلاطات والحساد.

الخصائص الأسلوبية

  • البحر والقافية: نظمت القصيدة على بحر الوافر، وقافيتها ميمية مكسورة، مما يمنحها إيقاعاً متدفقاً يناسب الشكوى والفخر معاً.
  • التشخيص: جعل الشاعر الحمى كائناً حياً له مشاعر وسلوك، وهو من أبرز أساليب التصوير البياني.
  • الطباق والمقابلة: تكثر المقابلة بين الراحة والتعب، والإقامة والسفر، والعاقلين والجاهلين، فتبرز المعاني بالتضاد.
  • الإيجاز والتكثيف: يحمّل البيت الواحد معنى كاملاً يصلح للاستشهاد منفرداً، وهي سمة عامة في شعره.

شرح معاني أبرز الأبيات

الفلاة والهجير

حين يطلب الشاعر من صاحبيه أن يذراه والفلاة بلا دليل، ووجهه والهجير بلا لثام، فإنه يعبر عن شوقه إلى حياة الترحال والمخاطرة التي ألفها، ويعلن أن مشقة الصحراء أحب إليه من راحة القصور التي أصبحت سجناً له. ثم يزيد المعنى وضوحاً حين يقول إنه يرد المياه دون هاد سوى تتبعه لبرق الغمام، أي أنه يعتمد على خبرته بالبادية لا على أحد.

الأخلاق قبل الأنساب

من المعاني اللافتة قوله إنه يأنف من أخيه لأبيه وأمه إن لم يجده من الكرام، وإنه لا يقنع بأن يُنسب إلى جد عظيم دون أن يكون له فضل ذاتي. وهذا المعنى يتكرر في شعره، ويعكس إيمانه بأن المجد يُكتسب بالعمل والهمة لا بالوراثة.

الفراش الذي ملّه

يقول إن الفراش ملّه بعد أن كان جنبه يمل لقاءه في كل عام، في إشارة إلى أنه كان كثير الأسفار قليل الاستقرار، ثم صار طريح الفراش حتى ضاق به الفراش نفسه. ويصف نفسه بأنه قليل العائد، أي الزائر في المرض، كثير الحاسد، صعب المرام، فيجمع بين الوحدة والعداوة والطموح في بيت واحد.

مكانة القصيدة في الأدب العربي

اهتم شراح ديوان المتنبي قديماً وحديثاً بهذه القصيدة، وتناولوا معانيها وغريب ألفاظها، كما أصبحت نموذجاً يدرسه الطلاب في المدارس والجامعات عند الحديث عن التشخيص والتصوير الفني. ويرى كثير من النقاد أنها تعبر بصدق عن أزمة الشاعر الطموح الذي يجد نفسه عاجزاً عن تحقيق أحلامه، فيتحول المرض الجسدي إلى رمز لمرض أعمق هو مرض الانتظار والخيبة.

أسئلة شائعة

أين كتب المتنبي قصيدة الحمى؟

كتبها في مصر خلال إقامته في بلاط كافور الإخشيدي، وهو ما يصرح به في القصيدة حين يذكر إقامته بأرض مصر.

ما مطلع القصيدة؟

مطلعها قوله ملومكما يجل عن الملام، وفيه يخاطب صاحبيه اللائمين ويؤكد أن أفعاله أعظم من أن تُلام.

على أي بحر نُظمت القصيدة؟

نُظمت على بحر الوافر، وهو من البحور التي يكثر فيها الإيقاع الحماسي، وقافيتها الميم المكسورة.

ما أشهر صورة فنية في القصيدة؟

أشهرها تصوير الحمى بزائرة حيية لا تزور إلا في الظلام، وما يتبع ذلك من وصف مبيتها في العظام وبكائها عند الرحيل.

خلاصة

تمثل هذه الميمية لوحة متكاملة تجمع بين الفخر والحكمة والشكوى، وتكشف عن عبقرية أبي الطيب في تحويل الألم الشخصي إلى فن خالد. ولا تزال أبياتها شاهداً على قدرة الشعر العربي على تصوير التجربة الإنسانية بأدق تفاصيلها، وعلى مكانة صاحبها بين كبار شعراء العربية عبر العصور.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !