حادث جزيرة ثري مايل | أسوأ كارثة نووية أمريكية

منظر جوي لمحطة جزيرة ثري مايل النووية على نهر سسكويهانا في بنسلفانيا تظهر فيه أبراج التبريد ومباني الاحتواء

حادث جزيرة ثري مايل: أخطر حادث نووي في تاريخ الولايات المتحدة

يُعدّ حادث جزيرة ثري مايل من أبرز الأحداث التي شكّلت نقطة تحول في تاريخ صناعة الطاقة النووية على مستوى العالم. وقع هذا الحادث في 28 مارس 1979 في محطة توليد نووية تحمل الاسم ذاته تقع في مقاطعة دوفين قرب مدينة هاريسبرج في ولاية بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأمريكية. أدى الحادث إلى انصهار نووي جزئي في الوحدة الثانية من المحطة، وهي مفاعل يعمل بالماء المضغوط صُنع على يد شركة بابكوك أند ويلكوكس. وقد غادر الرئيس الأمريكي جيمي كارتر الجزيرة في الأول من أبريل 1979 إثر الحادث، مما يعكس حجم القلق الذي أثاره هذا الحدث على أعلى المستويات السياسية في البلاد. وتُعرف هذه الجزيرة بهذا الاسم لأنها تقع على نهر سسكويهانا على بعد نحو ثلاثة أميال جنوبي مدينة هاريسبرج عاصمة الولاية.

ما هو الانصهار النووي الجزئي؟

الانصهار النووي الجزئي هو حالة طارئة تحدث في المفاعلات النووية حين ترتفع درجة حرارة الوقود النووي إلى مستوى يتجاوز الحدود المسموح بها، مما يؤدي إلى تلف جزئي في قضبان الوقود وذوبانها. وفي حالة جزيرة ثري مايل حدث هذا الانصهار في قلب المفاعل نتيجة فقدان سائل التبريد الذي يُعدّ العنصر الأساسي في التحكم بدرجة حرارة المفاعل. ورغم أن الانصهار كان جزئياً ولم يصل إلى مستوى الانصهار الكامل، فإنه كشف عن ثغرات خطيرة في تصميم المفاعلات النووية وإجراءات السلامة الخاصة بها، وأثبت أن الحوادث النووية ليست مجرد افتراض نظري بل هي احتمال حقيقي يمكن أن يقع في أي لحظة.

تفاصيل الحادث وتسلسل الأحداث

بدأت سلسلة الأحداث في الساعة الرابعة فجراً من يوم الأربعاء الموافق 28 مارس 1979، حين ظهر عطل في النظام الثانوي غير النووي للمحطة. أدى هذا العطل إلى توقف ضخ الماء إلى مولدات البخار، مما تسبب في ارتفاع درجة الحرارة والضغط في النظام الأساسي للمفاعل. ونتيجة لذلك انفتح صمام أمان لإطلاق الضغط الزائد، لكن هذا الصمام عجز عن الإغلاق مرة أخرى بعد أن هبط الضغط إلى المستوى الطبيعي، فاستمرت كميات كبيرة من سائل تبريد المفاعل في التسرب خارج النظام دون أن يلاحظ طاقم التشغيل ذلك في البداية.

واجه الطاقم المناوب في تلك اللحظة حالة من الارتباك والبلبلة، إذ أشارت المؤشرات إلى أن الصمام مغلق بينما كان مفتوحاً في الواقع. وقد أدى الاعتماد على مؤشرات خاطئة إلى اتخاذ قرارات معاكسة للإجراءات الصحيحة، من أهمها إيقاف مضخات سائل التبريد الطارئة التي كانت تعمل تلقائياً للتعويض عن الفاقد. وبهذا فقد المفاعل ما تبقى من سائل التبريد وبدأت قضبان الوقود في التعرض للحرارة الزائدة مما أدى إلى انصهارها جزئياً.

أخطاء طاقم التشغيل

كشف التحقيق اللاحق عن أن أخطاء طاقم التشغيل كانت من العوامل الرئيسية في تفاقم الحادث. فعلى الرغم من أن العطل الأولي كان ميكانيكياً بسيطاً ويمكن احتواؤه بسهولة، فإن غياب التدريب الكافي على التعامل مع حالات الطوارئ وقلة المعرفة بالتصميم الداخلي للمفاعل جعلا الطاقم عاجزاً عن فهم ما يجري فعلياً. وقد أظهرت التحقيقات أن الطاقم لم يكن يدرك أن الصمام الأمان قد تعطل في وضع الانفتاح، كما لم يفهم العلاقة بين مستوى الضغط في النظام الأساسي ومستوى سائل التبريد في المفاعل. كل ذلك أدى إلى سلسلة من القرارات الخاطئة المتتالية التي حوّلت عطلاً ميكانيكياً بسيطاً إلى كارثة نووية. وقد أوصت لجنة التحقيق الرئاسية لاحقاً بإعادة تصميم لوحات التحكم بحيث تعرض المعلومات بطريقة أكثر وضوحاً وبساطة، وبضرورة إدراج سيناريوهات الحوادث المحتملة في برامج التدريب العملي.

التسرب الإشعاعي

أسفر الحادث عن تسرب حوالي 481 بيتا بيكريل أي ما يعادل 13 مليون كوري من الغازات المشعة إلى البيئة المحيطة. وقد شمل التسرب نظائر مشعة مختلفة، لكن أخطرها كان نظير اليود-131 الذي بلغت كميته أقل من 740 غيغا بيكريل أي نحو 20 كوري. يُعدّ اليود-131 من أخطر النظائر المشعة على صحة الإنسان لأنه يتراكم في الغدة الدرقية ويزيد من خطر الإصابة بسرطان الغدة الدرقية خاصة لدى الأطفال. ورغم أن كمية اليود-131 المتسربة كانت محدودة نسبياً فإنها أثارت ذعراً واسعاً بين السكان في المنطقة المحيطة بالمحطة وبين الرأي العام الأمريكي عموماً. وأجرت الجهات الصحية المختصة دراسات وبائية شاملة على سكان المنطقة على مدى عقود لاحقة لتتبع أي آثار صحية محتملة للحادث، وجاءت النتائج مؤكدة أن التسرب الإشعاعي لم يترك أثراً صحياً ملموساً على السكان، غير أن القلق النفسي والضغط العصبي الذي عاناه السكان خلال الأزمة وخلال السنوات اللاحقة كان واقعاً بحد ذاته.

مرحلة الإخلاء والأزمة الإنسانية

استمرت حالة عدم اليقين خمسة أيام كاملة قبل أن يتمكن الخبراء من فهم ما حدث فعلياً والسيطرة على الوضع. وخلال تلك الأيام عاشت المنطقة المحيطة بالمحطة في حالة من الرعب والقلق الشديدين، إذ أصدرت سلطات الولاية تعليمات للسكان بالبقاء في منازلهم وإغلاق النوافذ والتهوية، كما نوقشت إمكانية إخلاء المنطقة بالكامل. وفي اليوم الخامس من الحادث أُعلن عن إخلاء طارئ شمل النساء الحوامل والأطفال في منطقة تمتد لنحو خمسة أميال حول المحطة، وقد غادر الآلاف منازلهم في مشهد أثار رعباً واسعاً على المستوى الوطني والدولي.

رد الفعل السياسي والرئاسي

أثار الحادث رد فعل سياسي قوي على أعلى المستويات. فقد زار الرئيس جيمي كارتر المحطة شخصياً في الأول من أبريل 1979 ليطلع على الوضع عن كثب وليطمئن المواطنين، ثم غادر الجزيرة بعد أن أدرك خطورة الوضع وحجم الأزمة. وقد أدى الحادث إلى إعادة تقييم شاملة لسياسة الولايات المتحدة في مجال الطاقة النووية، وتشكيل لجان تحقيق مستقلة لمراجعة معايير السلامة في جميع المحطات النووية الأمريكية. كما أثمر الحادث عن إقرار تشريعات جديدة فرضت متطلبات صارمة على تشغيل المحطات النووية وتدريب طواقمها.

التداعيات والإرث الدائم

كان حادث جزيرة ثري مايل الأكثر أهمية في تاريخ صناعة توليد الطاقة النووية التجارية في الولايات المتحدة الأمريكية. فقد أدى إلى تجميد شبه كامل لبناء مفاعلات نووية جديدة في البلاد لعقود طويلة، إذ ألغيت خطط عشرات المحطات النووية المقررة وتوقف التوسع في هذا القطاع بشكل شبه تام. كما شكّل الحادث نقطة تحول في الوعي العام بمخاطر الطاقة النووية وأدى إلى نمو حركات مناهضة للطاقة النووية في الولايات المتحدة وخارجها.

الدروس المستفادة

أثمر حادث جزيرة ثري مايل عن إصلاحات جذرية في صناعة الطاقة النووية. فمن أبرز الدروس التي استُخلصت ضرورة تحسين تصميم غرف التحكم بحيث توفر للمشغلين معلومات واضحة ودقيقة عن حالة المفاعل في جميع الأوقات، وضرورة تطوير أنظمة إنذار مبكر تكشف عن الأعطال قبل تفاقمها. كما أُقرت برامج تدريب مكثفة لطواقم التشغيل تشمل محاكاة لحالات الطوارئ المختلفة، وأُنشئت معاهد متخصصة لتأهيل المشغلين واختبار كفاءتهم بشكل دوري. وقد أصبحت معايير السلامة النووية بعد هذا الحادث أكثر صرامة بكثير مما كانت عليه قبله، وأُنشئت هيئات رقابية مستقلة تتولى الإشراف على تطبيق تلك المعايير وضمان الالتزام بها في جميع المحطات النووية العاملة.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !