
تعريف حرب الفضاء
حرب الفضاء هو مصطلح يُطلق على العمليات العسكرية والمعارك التي تحدث في الفضاء الخارجي، وتكون الأهداف من هذه الحرب السيطرة على الفضاء الخارجي. حرب الفضاء تتطلب أسلحة متطورة مصنّعة للعمل خارج المجال الجوي للكرة الأرضية، هذه الأسلحة تتضمن صواريخ أرض جو ومدافع ليزر وأجهزة تشويش إلكترونية. والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية وجمهورية الصين الشعبية تعتبر الدول التي تتمتع بالقدرة التقنية والمادية لحرب مماثلة.
الجذور التاريخية لحرب الفضاء
وتخيّل العلماء الألمان خلال الحرب العالمية الثانية إمكانية إطلاق قاذفات قادرة على ضرب أهداف أرضية من خارج الغلاف الجوي للأرض ثم العودة مجدداً إلى قواعدها، وجاءت هذه الفكرة للتغلب على مشكلة الرادارات والدفاع الجوي الذي يتصدى للقاذفات الثقيلة. ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية بانتصار الحلفاء لجأ الكثير من العلماء الألمان للعمل لصالح الولايات المتحدة الأمريكية في تطوير برامج الصواريخ الأمريكية. وكان أبرز هؤلاء العالم فون براون الذي أسهم إسهاماً كبيراً في تطوير برنامج الصواريخ الأمريكي وأدى عمله لاحقاً إلى إرسال أول إنسان إلى القمر.
المهمات الفعلية في حرب الفضاء
لم يشهد التاريخ العسكري سوى مهمات تدريبية لحرب الفضاء ولم تكن موجّهة ضد قوى معادية. ومنها:
تجربة الصين في تدمير قمر صناعي
في الحادي عشر من يناير عام ألفين وسبعة قامت جمهورية الصين الشعبية بإطلاق صاروخ باليستي أرض جو دمرت من خلاله أحد أقمارها الصناعية المستخدمة لرصد الطقس والأحوال الجوية. وقد عبّرت الولايات المتحدة واليابان عن قلقهما من هذه التجربة التي أثبتت قدرة الصين على استهداف الأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض وهو ما يُعدّ تهديداً مباشراً للبنية التحتية الفضائية للدول الأخرى التي تعتمد على أقمارها في الاتصالات والملاحة والاستخبارات.
تجربة الولايات المتحدة في تدمير قمر صناعي
في الحادي والعشرين من فبراير عام ألفين وثمانية أطلقت سفينة للبحرية الأمريكية من طراز إدجيس صاروخاً تكتيكياً من نوع إس إم ثلاثة دمر الصاروخ أحد أقمار التجسس الأمريكية المعطلة. وتزعم الولايات المتحدة أن عملية تدمير القمر الصناعي جاءت لتفادي خطر الهيدرازين الذي كان وقوداً للقمر زاعمة أن هذا الوقود يشكل خطراً على المدنيين إذا لم يتم تدمير الخزان الذي يحتويه قبل سقوطه. لكن محللين عسكريين رأوا في العملية رسالة تحذيرية للصين تُظهر قدرة الولايات المتحدة على تدمير الأقمار الصناعية أيضاً.
مشروع الدفاع الاستراتيجي أو حرب النجوم
أطلق الرئيس الأمريكي رونالد ريغان في مارس عام ألف وتسعمائة وثلاثة وثمانين مبادرة الدفاع الاستراتيجي المعروفة إعلامياً بمشروع حرب النجوم. وكان الهدف من المشروع بناء منظومة دفاعية فضائية قادرة على اعتراض وتدمير الصواريخ الباليستية السوفيتية قبل وصولها إلى الأراضي الأمريكية باستخدام أشعة الليزر والأسلحة الموجّهة من الفضاء الخارجي. ورغم أن المشروع لم يُنفّذ بالكامل بسبب التحديات التقنية الهائلة والتكاليف الباهظة إلا أنه أثّر تأثيراً بالغاً في ميزان القوى إذ اضطر الاتحاد السوفيتي إلى إنفاق موارد ضخمة لمحاولة مواجهة التهديد الأمريكي المحتمل مما ساهم في إرهاق اقتصاده وتسريع انهياره.
وتضمن مشروع حرب النجوم أفكاراً طموحة عديدة منها وضع محطات ليزر في المدار الأرضي قادرة على تدمير الصواريخ في مرحلة تعزيزها، ومركبات فضائية مسلّحة بمدافع جسيمات شحنة، ونظام أقمار صناعية مراقبة قادرة على رصد إطلاق الصواريخ في ثوان معدودة. وقد أثبتت الدراسات اللاحقة أن كثيراً من هذه التقنيات لم يكن ناضجاً بما يكفي للتطبيق العملي في ذلك الوقت لكن المبدأ فتح الباب أمام أبحاث مستمرة في مجال الدفاع الصاروخي الفضائي.
الأسلحة المستخدمة في حرب الفضاء
تتنوع الأسلحة المحتمل استخدامها في حرب الفضاء وتشمل أنواعاً عدة بعضها موجود بالفعل وبعضها لا يزال في طور البحث والتطوير. وتختلف هذه الأسلحة عن الأسلحة التقليدية في أنها مصممة للعمل في بيئة الفضاء حيث تختلف قوانين الفيزياء بشكل جذري عن بيئة سطح الأرض.
صواريخ مضادة للأقمار الصناعية
تُعدّ صواريخ أرض جو المضادة للأقمار الصناعية من أكثر الأسلحة تطوراً وانتشاراً في مجال حرب الفضاء. وتعمل هذه الصواريخ على الاعتراض بالأقمار الصناعية في المدارات المنخفضة والمتوسطة وتدميرها إما بالارتطام المباشر أو بالانفجار القريب. وقد طوّرت كل من الولايات المتحدة وروسيا والصين نماذج فاعلة من هذه الصواريخ واختبرتها بنجاح في مناسبات مختلفة. وتكمن الخطورة في هذه الأسلحة في أن تدمير قمر صناعي واحد يمكن أن يُعطّل منظومة اتصالات أو ملاحة أو استخبارات بأكملها مما يُشلّ قدرات الخصم العسكرية والمدنية على حد سواء.
أسلحة الليزر الفضائية
تعتمد أسلحة الليزر الفضائية على تسليط حزمة ضوئية عالية الطاقة على هدف معين لإتلافه أو تدميره. ويمكن استخدام الليزر الفضائي لإعاقة أجهزة الاستشعار في الأقمار الصناعية أو لتدمير الصواريخ في مرحلة الإطلاق. وميزة الليزر أنه ينتقل بسرعة الضوء مما يجعل الرد على الهجوم شبه مستحيل لكن تقليل حجم مصدر الطاقة اللازم لتشغيله في الفضاء لا يزال التحدي الأكبر الذي يواجه تطويره.
أجهزة التشويش الإلكتروني
تعمل أجهزة التشويش الإلكتروني على قطع أو إرباك الإشارات بين الأقمار الصناعية ومحطات التحكم الأرضية مما يجعل الأقمار غير قادرة على أداء مهامها دون الحاجة إلى تدميرها فعلياً. ويعتبر التشويش الإلكتروني من أخطر التهديدات الفضائية لأنه يمكن تنفيذه بتكلفة أقل بكثير من تكلفة إطلاق صاروخ مضاد للأقمار كما أنه لا يُنتج حطاماً فضائياً يُهدد الأقمار الأخرى.
الإطار القانوني الدولي
بموجب معاهدة دولية موقعة في العام ألف وتسعمائة وسبعة وستين يحظر استعمال الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل في الفضاء. وتُعرف هذه المعاهدة بمعاهدة الفضاء الخارجي وهي تُحرّم وضع أي أسلحة نووية أو أسلحة دمار شامل في المدار أو على الأجرام السماوية وتقيّد استخدام الفضاء للأغراض السلمية. غير أن المعاهدة لا تتناول الأسلحة التقليدية المضادة للأقمار الصناعية مثل صواريخ الاعتراض وأسلحة الليزر مما يُترك ثغرة قانونية تسمح للدول بتطوير أسلحة فضائية تقليدية دون أن تنتهك نص المعاهدة صراحة.
وتسعى دول عدة ومنظمات دولية إلى سد هذه الثغرة عبر معاهدات جديدة تحظر كافة أنواع التسلح في الفضاء الخارجي لكن هذه المساعي تواجه معارضة من الدول الكبرى التي ترغب في الاحتفاظ بخيار تطوير أسلحة فضائية كجزء من استراتيجياتها الدفاعية. ويبقى السؤال مفتوحاً عما إذا كان المجتمع الدولي قادراً على وضع إطار قانوني شامل يحول دون تحول الفضاء إلى ساحة معركة جديدة.
مخاطر حرب الفضاء على البيئة الفضائية
من أخطر العواقب المحتملة لحرب الفضاء تولّد حطام فضائي هائل نتيجة تدمير الأقمار الصناعية أو المركبات الفضائية. ويتسبب هذا الحطام في ظاهرة تُعرف بمتلازمة كيسلر وهي سيناريو يتزايد فيه الحطام الفضائي بسبب التصادمات المتسلسلة حتى يصبح المدار الأرضي غير صالح للاستخدام. وفي هذه الحالة ستُعطل الأقمار الصناعية الجديدة عن العمل ويفقد البشر القدرة على استخدام الفضاء لأجيال عدة مما يهدد كل ما يعتمد عليه العالم الحديث من اتصالات وملاحة ورصد مناخي.
.png)